استنساخ التجارب في بيئات مختلفة

تحاول بعض الإدارات تطوير العمل الذي تديره من خلال الاستفادة من تجارب أخرى نجحت في بيئات مختلفة. وهذه التجارب قد تكون نظامًا سياسيًا، أو نظامًا دراسيًا، أو أسلوب إدارة، أو مشروع أتمتة، أو مشروعًا تجاريًا، أو طريقة تعامل مع الزبائن أو المواطنين، وغيرها من التجارب.

وعملية الاستفادة من تجارب الآخرين لتطوير العمل مفيدة بكل تأكيد، إلا أن الخطأ الذي تقع فيه بعض الإدارات هو عدم مراعاة اختلاف البيئة بين التجربتين، فتأتي لتستنسخ التجربة بحذافيرها، مدعية أنها تستفيد من تجربة راقية أثبتت نجاحها.

وما لا تعلمه هذه الإدارات، أو تتغافل عنه، أن تلك التجربة نجحت في تلك البيئة؛ لتوفر إمكانات معينة وتهيئة الظروف الموضوعية لذلك النجاح، فمن غير الممكن نجاح نفس التجربة في بيئة أخرى لا تتوفر فيها نفس الإمكانات، وبظروف وأوضاع مختلفة.

فمما يسهم في نجاح التجربة وجود كادر لديه مهارات معرفية وتقنية، ووجود ثقافة ومعرفة وعقلية لدى المستفيدين منها، ووجود وضع قانوني واجتماعي يسمح بممارسة التجربة بكل تفاصيلها، ووجود بنى تحتية تضمن نجاحها، وغيرها من دواعي النجاح.

ولذلك، فإن نقل تلك التجربة إلى بيئة مختلفة لا تتوفر فيها تلك الإمكانات وتلك الظروف قد يقود إلى الفشل وضياع الأموال التي تُصرف لمحاولة إنجاحها.

وكان على تلك الإدارات القيام بتشكيل لجان مهنية لدراسة هذه التجارب وأسباب نجاحها، ومدى إمكانية الاستفادة منها، وما الذي يجب توفيره لضمان نجاحها.

كما أن من المفترض تطبيق تلك التجربة في نطاق ضيق لمدة معينة، وإجراء دراسة موضوعية لتقييمها، وبيان نقاط القوة والضعف فيها عند تطبيقها في البيئة المختلفة، وهل يمكن الاستمرار فيها وتعميمها بعد إجراء بعض الإصلاحات لو تطلب الأمر، أم إنها لا تصلح لتطبيقها في تلك البيئة؛ مما يستدعي التخلي عنها، أو الاستفادة من مبادئها العامة وإعادة صياغتها بالشكل المناسب للبيئة الجديدة.

إن من المؤسف في وضعنا الحالي أن بعض الإدارات في وزارات الدولة انبهرت بتجارب معينة، وانجذبت إلى عناوينها، أو تم إقناعها بكونها ناجحة، وأنها ستنقل العمل إلى ما هو أفضل، خصوصًا أن بعض هذه الإدارات غير مطلعة بشكل كافٍ على واقع العمل الذي تديره بفعل المحاصصة المقيتة في بلدنا، فتصدت لتبني هذه التجارب دون مراعاة ما ذكرناه من اختلاف البيئات؛ مما أوقعها في إشكاليات عديدة، وصرف أموال طائلة عليها دون تحقيق النتائج الإيجابية، والأمثلة على ذلك كثيرة في الواقع المعاصر.

والمشكلة الأكبر أن هذه الإدارات تظل مصرة على تبني هذه التجارب، وترهق كوادرها بالعمل عليها، ولا تسمح بالنقاش في مدى جدواها، أو إعادة النظر بها من قبل العاملين الذين هم الأعرف بتفاصيلها.

وهذا أحد الأوضاع التي ساهمت في تردي أوضاع الدولة وعدم تطويرها إلى مستوى طموح المواطن العراقي.

✦ كتابات في الميزان ✦

ينبّه المقال إلى أن نجاح التجارب الإدارية في بيئة معينة لا يضمن نجاحها عند نقلها حرفيًا إلى بيئة أخرى مختلفة. ويؤكد أهمية دراسة الإمكانات البشرية والقانونية والاجتماعية والبنى التحتية قبل اعتماد أي تجربة، مع تطبيقها أولًا في نطاق محدود وتقييم نتائجها. كما ينتقد إصرار بعض الإدارات على مشروعات غير ملائمة، وما يترتب عليها من هدر للأموال وإرهاق للكوادر وتعطيل لتطوير مؤسسات الدولة.

التجارب.jpg