من مضيق هرمز الى باب المندب

من المعلوم أن اليمن يمثل نقطة ارتكاز للتجارة العالمية والتفاعل الحضاري، وحلقة وصل بين شرق العالم وغربه تجاريًا، مستفيدًا من موقعه الاستراتيجي على طرق الملاحة البحرية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر.

ومنذ العصور القديمة، استفاد اليمنيون تاريخيًا من موقعهم في نسج علاقات أفقية مع شعوب شرق إفريقيا وشرق آسيا، حيث تبادلوا المنافع وتركوا بصمات عميقة في تلك المجتمعات، وخلّف ذلك إرثًا من العلاقات التاريخية بينها.

ويحاول اليمن اليوم استعادة دوره التاريخي واستثمار موقعه الجغرافي الفريد في إعادة بناء علاقاته الدولية. ويشكل اليمن حلقة وصل مهمة بين الشرق والغرب، بفضل موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر وامتداده في شبه الجزيرة العربية.

وفي هذا السياق، يمكن لليمن أن يستفيد بشكل كبير من علاقاته التاريخية مع عدد من الدول في شرق إفريقيا وجنوب شرق آسيا، مثل كينيا وإثيوبيا وتنزانيا وإندونيسيا وماليزيا. ولم تكن تلك الدول شريكة لليمن في الماضي فحسب، بل تحاول أن تكون قوى اقتصادية صاعدة وجيوسياسية مؤثرة في العالم.

وهذا ما لا تريده دول الشر، التي تحاول كسر هيبة هذا البلد بحروب مفتعلة، كما نشهده هذه الأيام من انتصارات مذهلة يحققها.

أمن المضايق في اختبار الحرب

وللحقيقة، فقد وضعت الحرب الراهنة أمن المضايق موضع الاختبار؛ إذ يشكّل مضيقا هرمز وباب المندب عقدتي اختناق في بنية الاقتصاد العالمي، وأي توتر فيهما ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة الدولية، وعلى استقرار النظام الاقتصادي العالمي. كما أن الصراع في اليمن يفرض تبعات إقليمية ودولية.

ويعد استهداف منشآت الطاقة السعودية أول مظاهر هذا الامتداد، مما يجعل الحرب في اليمن مرتبطة بصورة مباشرة بأمن إمدادات النفط واستقرار الأسواق العالمية، وليس بالأمن الحدودي للمملكة فقط.

وهذا ما لا تريده دول المنطقة، وإنما هو من شرارات دول الاستكبار العالمي، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، وتحريك الدولة اللقيطة إسرائيل بقيادة نتنياهو، الذي ضحك على ذقن هذا المجنون، وجعل من ترامب مهزلة، بل دمية بيد الإعلام.

الانتصار وأفق الإنسان اليمني

واليوم تتوارد الأنباء عن الانتصارات الكبيرة التي تتحقق في جبهات القتال في اليمن، وهذا ما يفرح كل إنسان شريف. وثمة شيء غير عادي يحدث الآن في اليمن؛ فالانتصار الحقيقي، في اعتقادي، لا يُقاس فقط بعدد المواقع التي تتغير السيطرة عليها، وإنما بما يفتحه ذلك من أفق أمام الإنسان الذي أنهكته الحرب، وأرهقته فكرة العيش الدائم تحت الخوف.

هرمز وباب المندب في معادلة الطاقة

يُعد مضيقا هرمز وباب المندب من حلقات الوصل الاستراتيجية بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط، عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وتمر من خلالهما معظم صادرات النفط والغاز الطبيعي من الخليج العربي التي تعبر قناة السويس أو خط أنابيب سوميد، عبر كلٍّ من مضيق باب المندب ومضيق هرمز.

ومنذ السبت الموافق 5/9/2026، اتسعت رقعة الصراع والحملات المتبادلة بين رجال أنصار الله والجماعات الموالية لدول خليجية، التي تتصارع فيما بينها للسيطرة على منافذ هذا البلد وثرواته ومحاصرة الموانئ اليمنية والسيطرة على بعض المناطق، لتشمل المجالات البحرية المهمة بوصفها عناصر حاسمة في معادلة المواجهة.

التطورات الميدانية باتجاه باب المندب

وبعد قتال شديد، استكملت القوات المسلحة اليمنية التابعة لصنعاء السيطرة على باب المندب، عقب تحريرها مديرية ذُباب المطلة على مضيق باب المندب، وكذلك جزيرة ميون. ونقلت مصادر موالية للسعودية أن قوات حكومة عدن انسحبت من جزيرة بريم، فيما تحاصر القوات المسلحة اليمنية التابعة لصنعاء، «الحوثيون»، آلافًا من العناصر في جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى، وسط مطالبات لهم بالاستسلام.

وفي المقابل، شنّت الدول التي تساند هذه العصابات الموالية لها غارات جوية على مطار المخا. وتعود الحياة تدريجيًا إلى مدينتي حيس والخوخة، جنوبي محافظة الحديدة، بالتزامن مع انسحاب القوات المدعومة في عدن من مواقعها وتسليم مساحات واسعة دون مواجهات.

وبين فرحة الأهالي بالعودة وتحديات الأوضاع المعيشية، تبرز رسائل ميدانية جديدة تتجه نحو باب المندب، بعد إعلان القوات اليمنية السيطرة على المدينة الساحلية.

وكانت القوات المسلحة اليمنية قد أعلنت سابقًا السيطرة على المخا، والتقدم باتجاه مناطق محاذية لباب المندب، بالتزامن مع السيطرة على الخوخة وحيس، جنوب الحديدة، والوازعية في محافظة تعز، التي تشير الأنباء إلى الانتهاء من تحريرها بعد الهزائم التي مُنيت بها الجيوب الموالية لدول العدو.

خريطة الطاقة العالمية

الأحداث في عالم السياسة لا تصنعها الصدفة، وتزامنها أحيانًا يكون أهم من الحدث نفسه. وبين هرمز وباب المندب وجبل طارق، تبدو خريطة الطاقة العالمية وكأنها تُعاد رسمها من جديد؛ بينما أسعار النفط على شاشات التداول الأميركية لا تقرأ فقط حركة الأسواق، بل تكشف شيئًا أكبر...

❖ كتابات في الميزان ❖ 

يقرأ المقال موقع اليمن بوصفه عنصرًا فاعلًا في معادلة التجارة والطاقة العالمية، رابطًا بين إرثه الحضاري القديم ودوره الجيوسياسي المعاصر. ويركز على تحول باب المندب من ممر ملاحي إلى ورقة قوة عسكرية وسياسية، بالتزامن مع التوتر في مضيق هرمز. كما يرى أن التطورات الميدانية الأخيرة قد تعيد تشكيل موازين النفوذ، لكنه يربط معنى الانتصار الحقيقي بإنهاء خوف الإنسان اليمني واستعادة حياته واستقراره.

هرمز.jpg