ابتسامةٌ خارجَ المكتبِ … وخنجر خلفَ البابِ

   هناكَ نوع منْ البشر، لا تحتاجُ إلى جهازِ كشفِ الكذبِ لاكتشافه؛ يكفي أنْ تجلسَ معهُ خمسَ دقائق، ثمَ تخرجُ منْ مكتبه، لتكتشفَ أنك كنت في حضرةِ فرقةٍ كاملةٍ منْ الوجوه! لهُ وجه للسلام، وآخر للعمل، وثالث للمجاملة، ورابع للخصومة، وخامس لا يظهرُ إلا عندما تغلقُ البابَ خلفك.
  يستقبلك بابتسامةٍ عريضة، حتى تكادَ تظنُ أنك أعزُ أصدقائه، يسألك عنْ أحوالك، عنْ الأهل، عنْ العمل، وربما يقولُ لك: (اعتبرني أخاك ) ، وما إنْ تخرجَ منْ المكتبِ حتى يخلعَ وجه الأخوة، ليرتديَ وجها آخر، ثمَ يبدأُ بكتابةِ التقرير! والعجيب أنهُ لا يكتبُ ما حدث، بلْ ما كانَ يتمنى أنْ يحدث.
   إنْ أخطأتْ قال: إهمال، إنْ اجتهدتْ قال: استعراض، إنْ سكتَ قال: متكبر، إنْ تحدثت قال: كثيرُ الكلام، إنْ اعترضتْ قال: متمرد، إنْ وافقت قال: منافق، وهكذا يصبحُ الرجلُ البريءُ متهم، وصاحب القلم قاضيا وجلادا وشاهدا في القضيةِ نفسها!
  أما الكذبُ عنده، فليسَ عيبا، بلْ مهارة إدارية، والنفاق ليسَ نفاقا، بلْ (دبلوماسية ) ، فالدحل والوشايةُ ليستْ خيانة، وإنما (حرص على مصلحةِ المؤسسةِ التي يعملُ فيها ) ! فلديهِ موهبة عجيبة في صناعةِ الألوان، يبتسمُ لك ابتسامة صفراء، لغيرك ابتسامة بيضاء، لرئيسهِ ابتسامة ذهبية، ولمنْ يخشاهُ ابتسامة تكادُ تصلُ إلى الأذنين! حتى إذا دخلَ عليهِ شخصٌ يحبه، فتحَ لهُ أبواب الكلام، وإذا دخلَ عليهِ منْ لا يحبه، فتح لهُ ملفا! وهذا الصنف لا يحتفظُ بسرٍ أكثرَ مما يحتفظُ الماءُ بآثارِ المطر.
   إنْ أخبرتهُ بسرك صباحا، فلا تستغربْ أنْ تسمعهُ مساءً في مجلسٍ آخر، وقدْ أضيفتْ إليهِ بعضُ (البهارات) حتى يصبحَ أكثرَ إثارةٍ . تقولُ له: (أرجوك لا تخبرُ أحدا ) ، فيجيبك بثقة: (اطمئن، أنا لا أتكلمُ ) . ثمَ تكتشفُ لاحقا أنَ نصفَ المدينةِ قدْ اطمأنَ إلى السرِ قبلك! والأغرب منْ ذلكَ أنهُ يفرحُ بمصيبةِ غيره، إذا تعثرَ شخصٌ قال: (كنت أعرفُ أنهُ سيسقطُ ) ، وإذا أخطأَ زميلٌ قال: (أنا حذرت منهُ ) .
     إذا أصابَ إنسانَ نجاح، بحثَ عنْ ثقبٍ صغيرٍ في إنجازهِ حتى يوسعه، كأنهُ يشعرُ أنَ نجاحَ الآخرينَ خصم منْ رصيدهِ الشخصي، إنهُ لا يرتاحُ إلا عندما يرى شخصا آخرَ متعبا، ولا يبتسمُ ابتسامته الحقيقية، إلا عندما يسمعُ خبر سيئا عنْ غيره، أما في الشدائد، فهنا تظهرُ عبقريتهُ الكبرى: يصمت! ذلكَ الإنسان الذي كانَ يوزعُ النصائحَ في الأيامِ الهادئة، ويملكُ تفسيرا لكلِ شيء، ويعرفُ الحلول لكلِ مشكلة، يتحولُ عندَ الخطرِ إلى تمثالٍ محترم.
   لا يتدخل، لا يشهد، لا يدافع، ولا يتذكرُ أنهُ كانَ بالأمسِ يقول: (أنا معك إلى النهايةِ ) ، عندما تنتهي الأزمةُ يعودُ منْ مخبئه، ويقولُ لك بكلِ براءة: (أنا كنت أراقبُ الموقفَ فقط! ) نعم، كانَ يراقبُ  لكنهُ كانَ ينتظرُ أيضا؛ ليرى منْ يسقط! وهذا هوَ سرُ هذا النوعِ منْ البشر: الكلُ يحبهُ شكل، ويكرههُ فعلا، يحبهُ الناس؛ لأنهُ مبتسم، مهذبا، أنيق، كثير الكلامِ الجميل، سريع المجاملة، لكنهمْ يكرهونهُ لأنهمْ يعرفونَ ما وراءَ الابتسامة.
    قدْ تكونُ المصافحةَ عنده مقدمةً للطعنة، و (أخي العزيز) مقدمة لتقرير، و ( لا تقلقُ )، قدْ تكونُ الجملة التي ينبغي بعدها أنْ تقلقَ كثيرا! ليسَ كلّ منْ ابتسمَ لك صديق، ولا كلّ منْ صافحك محب، ولا كلّ منْ سكتَ عنك نزيها.
    بعضُ الناسِ يبتسمونَ لك حتى يعرفوا أينَ يطعنونك، معَ ذلك، لا تجعلُ هذا الكلامَ سببا في سوءِ الظنِ بالناسِ جميعا؛ فالحياةُ مليئة بأصحابِ القلوبِ الطيبة، كما أنها مليئةٌ بمنْ أتقنوا فنَ التلونِ، حتى أصبحَ لهمْ في كلِ مجلس لون، وفي كلِ موقف وجه، وفي كلِ إنسانِ مصلحة.
  لذلك،إذا ابتليتْ بمثلِ هذا الإنسان، فلا تدخلُ معهُ حربا يومية، ولا تمنحهُ أسرارك، ولا تفتحُ أمامهُ كلّ أبوابِ حياتك، تجنبهُ ما استطعت، وسياسة حينَ تضطر، وتعاملُ معهُ بالرسميات، واجعلْ كلامك معهُ محسوبا، ولا تمنحهُ سلاحا منْ أسرارك ليستعملهُ ضدك، فبعضُ الناسِ لا تحتاجُ إلى عداوتهم، وإنما تحتاجُ فقطْ إلى أنْ تعرفَ المسافة الآمنة بينهمْ وبينك.
  ما أكثرهمْ في وقتنا الحاضر؛ أناس يملكونَ قاموسا منْ الابتسامات، ومخزونا منْ المجاملات، ووجوها تتبدلُ حسبَ اتجاهِ الريح، فإذا رأيت أحدهمْ يخرجُ من مكتبك مبتسما، فلا تقلقُ … ربما تكونُ قدْ نجوت منْ نصفِ المشكلة، أما إذا بقيَ بعدَ خروجهِ خمسَ دقائقَ صامتا، يبتسمُ وحده، ثمَ أغلقَ الباب، وبدأَ يكتبُ …فهنا، يا صديقي، لا تنتظرُ الخيرَ منْ ابتسامته؛ قدْ يكونُ الخنجر، قدْ بدأَ عملا!

❖ كتابات في الميزان ❖

يعالج المقال بأسلوب ساخر ظاهرة الشخصية المتلونة التي تتخذ من الابتسامة والمجاملة ستارًا للوشاية والإضرار بالآخرين داخل بيئة العمل. ويبرع الكاتب في رسم تناقضاتها من خلال صور ساخرة ومواقف يومية تكشف الفرق بين المظهر الودود والسلوك الخفي. وينتهي إلى نصيحة واقعية تقوم على الحذر، وحفظ الأسرار، واعتماد الرسمية، وتحديد المسافة الآمنة من دون الوقوع في سوء الظن بالجميع.

الابتسامة.jpg