فستقة الحلوى... حين تفسد الإضافات

 يُعدّ الفستق من أجمل ما يُضاف إلى الحلوى؛ فقليلٌ منه يمنحها نكهةً مميزة، ويزيدها جمالًا من دون أن يطغى على أصلها. لكن حين يزداد الفستق على حدّه، قد تتحول الحلوى من طعم متوازن إلى مذاق ثقيل، فتضيع النكهة الأصلية التي أحببناها.

هكذا هي الحياة الاجتماعية والسياسية؛ فالمجتمعات لا تُبنى كلّها من جديد في كل جيل، ولا تحتاج كل مرحلة إلى أن تهدم ما سبقها لكي تثبت أنها حديثة. فهناك عادات وتقاليد وأعراف نشأت من تجارب طويلة، واستقرت في وجدان الناس؛ لأنها حملت في داخلها قيمًا أدبية وأخلاقية، مثل احترام الكبير، وإكرام الضيف، والتكافل، وحفظ الجيرة، والحياء، والوفاء، وصون الكلمة والموقف.

هذه القيم ليست مجرد ماضٍ نعلّقه على جدار الذكريات، بل هي جزء من الهوية الاجتماعية التي ينبغي أن تنتقل إلى الأجيال الجديدة.

إن الجيل الذي لا يعرف شيئًا عن أخلاق من سبقه قد يجد نفسه أمام حاضر متطور في أدواته، لكنه فقير في معانيه. والحفاظ على الجميل من القديم لا يعني رفض الحداثة أو الوقوف ضد التطور؛ فالمجتمع الحي هو الذي يعرف كيف يأخذ من العصر ما ينفعه، من دون أن يسمح لكل جديد بأن يصبح بديلًا عن كل جميل قديم.

التقنية الحديثة وسيلة، وليست قيمة أخلاقية في حد ذاتها؛ والتقدم الحقيقي لا يُقاس فقط بسرعة الاتصال، أو كثرة المظاهر، أو انتشار السلوكيات الجديدة، وإنما بقدرة الإنسان على أن يصبح أكثر احترامًا وعدلًا ومسؤولية. وهنا تظهر مشكلة بعض المظاهر الاجتماعية الحديثة.

في بعض الأحيان، تأتي إضافات تحت عنوان التطور أو الانفتاح، لكنها لا تضيف إلى المجتمع بقدر ما تزيل منه. وقد تتحول بعض المناسبات من مساحة للفرح والتواصل إلى استعراض، ومن اجتماع للعائلة إلى منافسة في المظاهر، ومن احترام للعادات الجميلة إلى بحث عن كل ما هو جديد لمجرد أنه جديد.

وفي السياسة أيضًا، يمكن أن نجد الصورة نفسها؛ فالدولة والمجتمع يحتاجان إلى التجديد، لكن التجديد لا يعني قطع الجذور. والإصلاح السياسي الحقيقي لا يقوم على إلغاء كل ما سبق، وإنما على مراجعة التجربة، والإبقاء على ما أثبت قيمته، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، وإضافة ما يخدم الناس. أما حين يصبح التغيير هدفًا في ذاته، فقد نجد أنفسنا أمام كثير من الفستق وقليل من الحلوى.

إن العادات والتقاليد الاجتماعية الجميلة يمكن أن تكون رصيدًا أخلاقيًا للعمل العام؛ فالمسؤول الذي تربّى على احترام الناس، والوفاء بالوعد، والشعور بالمسؤولية، وحفظ حقوق الآخرين، يحمل هذه القيم معه إلى موقعه العام. والمسؤول الذي ينظر إلى المجتمع باعتباره امتدادًا لعائلته وأهله، لا مجرد أرقام في صندوق انتخاب، يكون أقرب إلى فهم معنى الخدمة العامة.

لذلك، فإن المحافظة على الجميل من الماضي لا تعني العودة إلى الماضي، كما أن قبول الجديد لا يعني التسليم بكل ما يأتي به الحاضر.

المطلوب هو ميزان دقيق: أن نأخذ من الحداثة ما يضيف إلى الحلوى، لا ما يطغى على طعمها؛ وأن نستخدم التقنية لتسهيل الحياة، لا لتغيير أخلاقها؛ وأن نطوّر المؤسسات، لا أن نفرغها من القيم؛ وأن نجدّد العادات بما يناسب العصر، لا أن نستبدل كل عادة جميلة لمجرد أنها قديمة.

فالحلوى لا تحتاج إلى كثير من الفستق حتى تكون شهية، والمجتمع لا يحتاج إلى كثير من الإضافات حتى يكون متقدمًا.

تكمن الحكمة في أن نعرف ماذا نضيف، ومتى نضيف، ومتى نتوقف عن الإضافة. فليست كل زيادة تطورًا، وليست كل قدامة تخلّفًا، وليست كل حداثة تقدمًا.

ويبقى أجمل ما يمكن أن نقدمه إلى الأجيال القادمة أن نترك لهم مجتمعًا يعرف كيف يتقدم إلى الأمام، من دون أن ينسى لماذا كان جميلًا في الأصل.

❖ كتابات في الميزان ❖

يوظف المقال صورة الفستق المضاف إلى الحلوى لتقديم فكرة اجتماعية واضحة: الإضافات تكون نافعة ما دامت لا تطغى على الأصل. ويدعو إلى حداثة متوازنة تحافظ على القيم الجميلة، من دون الانغلاق على الماضي أو رفض التطور. وتبرز أهمية المقال في تأكيده أن التقدم الحقيقي يُقاس بتحسن أخلاق الإنسان والمؤسسات، لا بكثرة المظاهر والتقنيات.

الحلوى.jpg