الرفوف (9) "عاشوراء والاستشراف الحسيني في مواجهة الإرهاب"

الاستشراف هو القراءة الاستباقية، ويعني القدرة على النظر إلى المستقبل ومعرفة أحداثه؛ أي نبوءة تكشف النقاب عما سيحصل، ولكن ليس بمعنى الشيء المحتوم أو المقرر ربانيًا، وإنما المقصود تكوينٌ ينشأ عبر مرتكزين.

المرتكز الأول هو قراءة الماضي والحاضر، ومعرفة قدرة التنامي الإيجابي أو السلبي. أما المرتكز الثاني فهو رسمٌ تخميني لما سيكون مستقبلًا، بحسب الأسس الموضوعة اليوم.

ويُعد هذا الأمر من وسائل التوجيه والتنبيه لتصحيح الفعل المعاصر، كي ينمو الغد صحيح البنية. وتحدد ذلك نباهة صاحب التخمين الاستباقي ويقظته، من خلال أحداث فاعلة أعطت ناتجًا يُبنى عليه المسار المستقبلي.

وتحتكم القضية إلى قناعات تسهم في رسم مستقبل غير محتوم، يمكن أن يتغير ويتطور؛ بمعنى التشكيل لا الانتظار.

عرض الكاتب ياسين عبد المحسن، في موضوعه المعنون: «اجعلوا يوم عاشوراء يومًا عالميًا لمكافحة الإرهاب»، المنشور في موقع «كتابات» بتاريخ 16/11/2013، عدة أسئلة تشكل الشريان النابض لولادة الاستشراف الحسيني المبارك:

ما علاقة ما فعله شيعة آل أبي سفيان بالحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه، بما يفعله الإرهابيون والتكفيريون اليوم من فظائع لم تعد تخفى على أحد؟

ولنقرأ مضمون قوله (عليه السلام) مخاطبًا هؤلاء المتخلفين:

«يا أمة السوء، بئسما خلفتم محمدًا في عترته، أما إنكم لا تقتلون رجلًا بعدي فتهابون قتله، بل يهون عليكم ذلك عند قتلكم إياي».

استشرف الحسين (عليه السلام) مستقبلًا مظلمًا لهذه الأمة المنكوبة بأحفاد أبي سفيان، الشجرة الملعونة في القرآن، ومن سار في خطهم الملعون.

لقد نظر عبر بُعد زمني لم يكن يراه غيره، وكأنه درس وأتقن علم النفس الجمعي؛ فحذرهم من قتله وقتل أهل بيته وأصحابه، وما سيستقر في عقلهم ووعيهم الجمعي من عنف وإرهاب، حتى إن الشيطان نفسه ليقف أمام هذا الوعي تلميذًا مبهوتًا بفظاعته.

في حادثة الطف، كان الحسين (عليه السلام) ضحية للإرهاب، ولا عجب فيما يقترفه الإرهاب من فظائع بحق الجنس البشري في عالمنا المعاصر.

وحين تحدى الحسين يزيد، وهو أمير هؤلاء الأوباش، كان يعلم أنهم منحرفون وتكفيريون، وإلا فهل يُعقل أن يخاطبه ابن حوزة قائلًا: «يا حسين، أبشر بالنار»؟ سيد شباب أهل الجنة في النار! يا للأفهام السقيمة!

كان الحسين يعلم أنهم إرهابيون، ويعلم أنهم خاطفون اختطفوا دين جده محمد (صلى الله عليه وآله)، فحولوه إلى دين قتل واعتداء وعنف وكراهية، وجعلوه رهينة عندهم. وكما يختطف أحفادهم الأبرياء والبلدان، فإن الأجداد قد اختطفوا دينًا برمته.

ورغم ذلك، تحدت ثورته كل هذا، وجاءت لتقول للعالم أجمع:

«إياكم أن تلقوا تهمة الإرهاب على دين جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ لأنني أول ضحايا الإرهاب ولست آخرهم».

قارنوا ما فعلوه بالحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه وطفله الرضيع، بما يفعله أحفادهم، فسترون أنهم قد حذوا حذوهم.

ونحتاج إلى عالم نفس متخصص يوضح لنا كيف ورث الأحفاد السلوك الجمعي عن الأجداد، ويوضح لنا أيضًا لِمَ يخاف هؤلاء المرضى نفسيًا من ذكرى عاشوراء كل عام، فيهيجون كالكلاب المسعورة محذرين ومنذرين كلما ذُكّروا بما فعله أجدادهم في هذا اليوم الحزين.

ولماذا فبرك أجدادهم أحاديث ما أنزل الله بها من سلطان حول كون يوم عاشوراء يوم بهجة وحبور ومسرة؟ ألأن المجرم يحوم دائمًا حول جريمته، ويحاول جاهدًا أن يبعد الأنظار عن قبيح فعله؟

لو صرت أمينًا عامًا للأمم المتحدة يومًا ما، لأعلنت يوم عاشوراء يومًا عالميًا لمكافحة الإرهاب، فضلًا عن كونه يوم ثورة المظلوم على الظالم وما يحمله من مضامين عظيمة أخرى.

وأراه استشرافًا رائعًا من الكاتب؛ لأنه سيكون واقعًا أمميًا يُستشهد به منطلقًا للخير والمحبة والسلام.

❖ كتابات في الميزان ❖

يقرأ المقال واقعة الطف بوصفها رسالة استشرافية حذّرت من تحول القتل السياسي إلى سلوك متكرر حين يفقد المجتمع حساسية الدم وحرمة الإنسان. ويناقش مقترح اعتماد عاشوراء يومًا عالميًا لمكافحة الإرهاب، انطلاقًا من رمزية ثورة المظلوم في مواجهة الطغيان. ولتقوية الفكرة، يُستحسن تجنب تحميل الأحفاد جرائم الأجداد أو استخدام أوصاف جارحة؛ فمواجهة الإرهاب الحسينية تقوم على إدانة الفعل والفكر، لا على الكراهية الجماعية.

زهير_الحسين.jpg