الامتحانات الوزارية(البكالوريا) ما لها وما عليها (بمناسبة مرور قرن من الزمن على اداء أول امتحاناتها) 

 عندما يتوقف مصير ومستقبل الطالب الشاب او الشابة وحياته ومهنته وحتى قلق وهواجس اهله ومحبيه، على مرحلة دراسية واحدة ويكون تحت تأثير نفسي كبير يؤثر على تكوين شخصيته ويزيد من مخاوفه النفسية بل وحتى البدنية وخصوصا" للطلبة الذين يمتلكون أحساس عالي، وقد تؤدي تفاعلاته الى حدوث عقد وتراكيب نفسية في سلوكهم الاني والمستقبلي (بل في بعض الظروف القاهرة قد تصل الى مرحلة الانتحار وانهاء الحياة حينما تزداد تلك الضغوط من الاهل والاجواء البيئية المحيطة بالطالب في مرحلة الصف السادس الاعدادي).
ان الامتحانات الوزارية لطلبة المرحلة الاعدادية او ما تدعى شعبيا" (البكالوريا) يعود الفضل الى نابليون بونابرت في ابتكارها وهذا الاختبار كان مخصص اساسا" للنخبة من ابناء الذوات وهو من اسمه (بكالوريا) مشتق من مقطعين في اللغة الاغريقية هما (بكا) و (لوريس) وتعني اكليل الغار الذي يتوج به القادة المنتصرون، وليس كما يضعونا في سنواتنا السابقة بحالة من الرعب والخوف في نفوسنا عندما كنا في تلك المرحلة الصعبة ويدعون ان شخص اسمه (لوريا) وكان تلميذ مجتهد وذكي، هذا التلميذ المجتهد من شدة وصعوبة الامتحان وعدم تمكنه من الاجابة على الاسئلة اخذ بالبكاء فسميت (بكالوريا).
وعودة الى التأريخ الاولي لهذه الامتحانات تبين ان اول امتحان بكالوريا حدث عام 1809 ميلادي في فرنسا ولم ينجح فيه فقط (31) طالب وعندها الامتحان ليس بالشكل المتعارف عليه حاليا" بل كان امتحانا" شفويا" بالعلوم والفلسفة والادب فحسب، ولم يمض على اول اختبار فرنسي اكثر من عشر سنوات حتى انتشر بسرعة فائقة وكالنار في الهشيم بالدول المجاورة لفرنسا ولاحقا" الى جميع بلدان اوربا، وبالتأكيد كل دولة طورته بأسلوبها وطريقتها الخاصة ومنهاجها الوطني، كل ذلك والمناطق العربية والتي كانت انذاك ترزخ تحت سلطة الدولة العثمانية (الرجل المريض) وكانت في قمت تخلفها وتفتقر ولاياتها العربية للتعليم الحديث في الحجاز والبصرة والشام والموصل وبغداد وغيرها من الولايات العثمانية في الاقاليم العربية، لكن منتصف القرن التاسع عشر وصلت بعثة تبشيرية من رجال الدين المسيحيين واسسوا اول مؤسسة اكاديمية حديثة بأسلوب التعليم الاكاديمي وهي (الكلية البروتستانتية السورية في بيروت) لاحقا" اصبح تعرف بـ (الجامعة الامريكية) كان ذلك عام 1865، اما في العراق فلم تكن هناك مدارس واكاديميات حديثة تتبع النظام التعليمي واساليبه المتطورة خلال فترة الاحتلال العثماني، الا انه وبعد نهاية هذا الاحتلال ووصول البريطانيون الى استعماروانتداب كامل للاراضي العراقية المعروفة بحدودها الحالية فرض وعلى مستوى محدود نظام تعليمي حديث وعصري يعتمد دراسة ثانوية خمس سنوات بعد الدراسة الابتدائية او الدراسة في المداراس الدينية وبنسخة من البكالوريا الفرنسية، حيث بدأ التعليم الثانوي في العراق عام 1919 اما الامتحانات الوزارية (البكالوريا) للدراسة الثانوية فتم تطبيقها لاول مرة في العام الدراسي 1925-1926 (اي قبل قرن من الزمان).
النظام الثانوي الجديد على العراقيين في تلك الفترة كان يتضمن تدريس العلوم الطبيعية والرياضيات والعلوم الاجتماعية واللغة العربية والانكليزية، وكانت المرحلة الثانوية تتألف من خمس سنوات (ثلاث للمرحلة المتوسطة وسنتان للدراسة الاعدادية مع وجود التخصص فيها من فرعين علمي والاخر ادبي في سنتي الدراسة الاعدادية). وعند الصفين الثاني والثالث متوسط يمتحن الطالب امتحان بكالوريا يتوزع على الصفين (الثاني 40% والثالث 60%) وبعدها يتأهل الطالب للمرحة الاعدادية.وتشمل هذه المرحلة صفين فقط هما الرابع والخامس ويكون امتحان البكالوريا فيها بالصفين (الرابع 40% والخامس 60%) بشرط ان لا تقل اسئلة الامتحانات عن (40% الى 33%) من خارج المنهج والكتاب المقرر في المدارس والهدف من ذلك كان اختبار قدرة الطلاب على التفكير وتفكيك المعلومات وليس فقط الحفظ (الدرخ) الاعمى وحصول الاف الطلبة على الدرجات الكاملة وكما يحدث في وقتنا الحاضر من معلات فاقت كل التصورات العلمية والطبيعية ومستويات الذكاء العالمية.
وبعد اعلان نتيجة امتحانات البكالوريا الوزارية للاعدادية في العهد الملكي هنالك اختبار اخر بأنتظار الطالب عند كل كلية يتقدم اليها فعلى سبيل المثال اذا تقدم الطالب للكلية الطبية الملكية العراقية كان هذا التقديم يعتمد على ( معدل الطالب في اخر سنتين والذي بيناه فيما سبق ثم نتيجة اختبار اساتذة الكلية الطبية التحريرية وجميعهم اطباء انكليز ثم نتيجة الاختبار والمقابلة الشفهية والتقييم الذي يجريه اساتذة الكلية للمتقدمين) وقد كان سنويا" يتقدم بالمئات ولا يقبل منهم سوى ثلاثون او اربعون على اكثر تقدير.
أستمر نظام البكالوريا الصارم في العراق والذي كان يعد نظاما"  تعليميا"بريطانيا" اوربيا" من ناحية الرصانة العلمية ومستوى الطلبة الخريجين في كافة المجالات الطبية والهندسية والتربوية والاقتصادية، وكان الخريج من تلك الانظمة والقوانين التعليمية يضاهي خريجو ارقى الجامعات الاوربية العريقة والمعروفة برصانتها العلمية وقد برزت الكثير من الشخصيات العراقية العلمية والمهنية المعروفة وكان يشار لهم بالبنان في مجال تخصصاتهم ومازال صدى اسمائهم يتردد على مسامعنا حتى وقتنا الراهن. اقول استمر نظام البكالوريا في العراق على هذا المنوال والمستوى الرصين لغاية وصول حزب البعث الى سدة الحكم عام 1968 عندها حدث تغير جذري، حيث منذ بداية العام الدراسي لتلك السنة اصبحت الدراسة الثانوية ست سنوات (ثلاث للمرحلة المتوسطة والثلاث الاخرى للاعدادية) وكان التخصص يحدث في الصفين الخامس والسادس اعدادي من (فرع علمي او ادبي) وبذلك اضيف صف دراسي جديد وهو الصف السادس واصبح بموجبه ومن خلاله بأن مصير الطالب يتقرر ولمدى حياته على تلك المرحلة واضحت البكالوريا كابوس يخيم على الطلاب واهلهم كل عام، وفي العام الدراسي 1968-1969 جرى اول امتحان وزاري للصف السادس الاعدادي وبفرعيه وشارك في الامتحانات الوزارية عامذاك (3487) طالبا" وطالبة للفرع العلمي فقط. وبعد ان كان التقديم على الكلية التي يرغب بها الطالب يعتمد (على معدله في امتحان البكالوريا والمقابلة والاختبار الشفوي) قبل ان يتم اختراع وزارة التعليم العالي التي تتحكم بجميع الكليات والجامعات (ضمن شمولية سيطرة الدولة وفكر السلطة الحاكمة على كل تفاصيل التعليم)، وبذلك الغي اختبار القبول الذي يعتمد الرغبة والذكاء الحقيقي في العهد الملكي وما تبعه من عهود حاكمة لغاية عام 1968 واستبدل عنه بنظام بائس متخلف اسمه (الحاسبة المركزية) حيث تقوم بأختيار اعلى معدل من (100 او 200 طالب) وتزجهم في كلية طب بغداد مثلا" بغض النظر عن شغف الطالب ورغبته الحقيقية وهل هو فعلا" حصل على هذا المعدل باستحقاق او بطرق ملتوية (كتسريب اسئلة او شرائها او وضعت له الدرجة في المركز الرئيسي للسيطرة على الامتحانات على سبيل المثال) وهل هو يفهم ومؤهل لهذا الاختصاص ام مجرد (حفظ ودرخ نسخ لصق) وهنالك ظاهرة خطيرة وغير منصفة ولا عادلة في هذا النظام وهي ما يعرف بالامتيازات لبعض الحالات من الطلبة والغير منطقية علميا"، والذي ابتدعه النظام البائد وما زال مطبقا" وبقوة في هذا النظام بعد عام 2003 والذي غبن حق كثير من الطلبة المتفوقين ممن لا يملكون تلك الامتيازات والاضافات في الدرجات الى معدلاتهم والذي حرم عشرات الطلبة من مقاعدهم الدراسية في كليات الطب، كل هذه الخطوات التعليمية الغير صائبة غيرت مسار مؤسسات الدولة وافرغت البكالوريا من معناها الحقيقي واصبح لدينا  اجيال من خريجي (حفظ....درخ....نسخ....لصق). 
 وبالرغم من مرور تلك السنوات على تغير النظام التعليمي الملكي الرصين السابق واستبداله بنظام الامتحانات الحالي الذي لا يعتمد على الفهم والاستيعاب وانما على نظام الحفظ ، قد يتبادر الى اذهاننا سؤال.... لماذا لا يتم او حتى محاولة تغيير نظام الامتحانات المطبق حاليا"، ان الاجابة عن هذا التسأول تكمن بأن الاجيال التي تخرجت من النظام التعليمي والمدارس الحالي وهو يتصدون للمسؤولية الان قد ربطوا  انفسهم وتمسكوا بهذا النظام ويعتقدون انه اذا ما تم تغيره واستحداث نظام متطور مختلف عن ما تخرجوا عليه سيكون طعنا" بعلميتهم وشهاداتهم. وقد اثبت نظام الامتحانات للجميع ونتيجة لمخرجاته بأنه نظام عقيم تخرج منه عشرات الالاف من دون ظهور او بروز النوابغ  والمبدعين فيه بمجالات اختصاصهم العلمي والعملي وحتى الفكري، بل ان اجيال هذا النظام عجزت عن التفكيك والتحليل وتجميع المعلومات، لان المدارس صقلت ادمغة الطلبة في جانب واحد واصبحت اجيال عاجزة بالمطلق عن التفكير خارج الصندوق الذي حوصرو به ومن تعليم يعتمد بالاساس على (حفظ ونسخ ولصق).
واخيرا" لابد من استذكار كلمة (البكالوريا) بوقار واحترام وحسرة لانها اصبحت جزءا" من تأريخ التعليم العراقي الحديث واسمها ارتبط بامتحانات نهاية الدراسة للمرحلة الاعدادية، حيث دخلت تلك الكلمة في الذاكرة الشعبية والتعليمية لاجيال واجيال من العراقيين.

❖ كتابات في الميزان ❖

يقدّم المقال مراجعة نقدية لنظام الامتحانات الوزارية في العراق، ويربط ضغط الصف السادس بسيادة الحفظ وربط مستقبل الطالب بدرجة واحدة. وتبرز أهميته في الدعوة إلى نظام يقيس الفهم والتحليل والميول، لا قدرة الطالب على استظهار الكتاب. ومع وجاهة النقد، فإن المقارنة بين العهدين الملكي والجمهوري تحتاج إلى بيانات ومصادر تربوية موثقة، كي لا تتحول إلى مفاضلة عامة بين مرحلتين مختلفتين.

البكلوريا.jpg