لا تطلبوا جزاءً ولا شكورًا على فعل الخير

 حينما يتصدق بعض المؤمنين على المحتاجين، يطلبون منهم الدعاء لهم بقضاء الحوائج، وينطلقون في ذلك الطلب من عقيدتهم بأن المحتاج قريب من الله؛ لما يعانيه من الحرمان والتوجه الدائم إليه تعالى، وأنه يدعو بدافع خالص للمتصدق الذي أدخل السرور عليه وأشعره بالاهتمام والمحبة؛ حيث يشعر الطرفان أن دعاء المحتاج يمثل نوعًا من الوفاء للمتصدق، ومجازاة الإحسان المالي بالإحسان المعنوي.

وهذه الطريقة في التفكير لدى بعض المتصدقين ليست خاطئة، إلا أن الأفضل هو تحلي المتصدق بخلق أعلى من هذا التعامل، بأن لا يطلب من المحتاج الدعاء له، ويترك الأمر له؛ إن شاء دعا، وإن لم يشأ لم يدعُ، وإن كان في دعاء المحتاج منفعة له؛ حيث إن دعوة المؤمن لأخيه المؤمن مستجابة، حسب ما ورد في الروايات؛ لأن المفترض أن يكون العطاء خالصًا لله تعالى، وطلبًا لوجهه، ورغبةً فيما عنده من الثواب الجزيل، وخوفًا من عذابه، ورجاء نيل بركات التصدق في الدنيا، وهي مضمونة بلطف الله من دون دعاء الآخرين: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.

وذلك الخلق حكاه القرآن عن أهل بيت النبوة؛ الإمام علي والزهراء والحسن والحسين (عليهم السلام)، الذين تصدقوا على المسكين واليتيم والأسير: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾، ولسان حالهم: ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. فهم لم يستهدفوا حتى الحصول على كلمة شكر، فضلًا عن أي جزاء كطلب الدعاء، وإنما ذلك لكون عملهم خالصًا لله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾، وخوفًا من ربهم، ودفعًا لأهوال القيامة: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾. فليكونوا لنا أسوةً بأن نجسد ذلك الخلق عند التصدق، فلا نطلب أي مقابل، حتى الدعاء.

كما على المتصدق أن يعي أن إحسانه إلى الآخرين هو في الحقيقة إحسان لنفسه: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾، و﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾، والخير والثواب يعودان عليه؛ وبالتالي فإنه ليس من المناسب أن يطلب المتصدق جزاءً على عمل يحسن فيه لنفسه في حقيقة الأمر.

لقد كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) يساعد المحتاجين وهو متخفٍّ؛ لأنه يعرف أن لا حاجة إلى كشف شخصه لضمان الإخلاص لربه، وما دامت النتائج تعود عليه، فهو لا يطلب جزاءً لشخصية زين العابدين (عليه السلام)، ولا الشكر على ما قدم، بل العكس؛ كان يتحمل انتقاد البعض له، حتى وصل الأمر إلى أن يدعو بعضهم عليه، ولم يعرفوا أنه نفسه الذي كان يتصدق عليهم إلا بعد وفاته.

فإذا كان الإمام المعصوم يحتاط إلى هذه الدرجة، فكيف بنا نحن البسطاء الذين قد يشوب عطاءنا المنّ، أو الرياء، أو العجب، أو الشعور بالفضل على الآخرين، أو الرغبة في تحصيل الشكر أو الجزاء الدنيوي؟ فالمسألة دقيقة، وعلينا تصفية النوايا واستحضار الرضا الإلهي عند العطاء، كونه عملًا يحبه الله ويجزي فاعله الخير، وليس علينا النظر إلى أي شيء آخر دون ذلك.

وهذه الملحوظة يجب أن تُراعى في كل أعمال البر والخير التي يسديها المؤمن إلى الآخرين، ولا تقتصر على الصدقة. فلا تطلبوا جزاءً ولا شكورًا على فعل المعروف لإخوانكم.

الصدقة.jpg