في عالم العلاقات الدولية المعاصرة، لم يعد النصب والاحتيال مجرد عمليات فردية تُدار في الغرف المظلمة، بل تحول إلى «صناعة» مهيكلة تعتمد على سيكولوجية العلاقات العامة، والثغرات البيروقراطية، وإساءة استخدام أدوات الدبلوماسية الموازية.
العراق، البلد الذي خرج من عقود الحروب، والحصار، والعزلة الدولية، يجد نفسه اليوم أمام واقع جديد؛ فالأبواب المفتوحة عالميًا أمام بغداد، والرغبة الوطنية الجارفة في الاندماج بالمنظومة الدولية والإعمار، تحولت، للمفارقة، إلى نقطة استقطاب لشبكات احتيال دولية تجيد العزف على أوتار «الشراكات الشبحية» و«الشو الإعلامي».
أولًا: سيكولوجية الاستغفال و«صناعة الوهم الرقمي»
تعتمد شبكات الاحتيال الدولي في ولوجها إلى الساحة العراقية، سواء عبر بوابة المؤسسات الرسمية أو المنظمات والشركات المحلية، على آلية ثلاثية الأبعاد:
استغلال عقدة الانفتاح
يوظف المحتالون رغبة العراق في إثبات اندماجه الدولي وتجاوز حقبة المقاطعة، فيتقدمون بصفة «مُنقذين» أو «جسور دبلوماسية واقتصادية» لربط بغداد بالعواصم الكبرى.
الشو الإعلامي كحصان طروادة:
استخدام المؤتمرات الفخمة، والصور الملتقطة بعناية مع مسؤولي الصف الأول، والبيانات الصحفية مدفوعة الثمن.
هذا البهرج الإعلامي يُصنع خصيصًا لخلق «شرعية وهمية» تحجب الرؤية عن غياب الرصيد الحقيقي على أرض الواقع.
المصطلحات الفخمة وتدليس الصفة:
استخدام مصطلحات فضفاضة، مثل: «شراكة استراتيجية، وتمويل دولي مفتوح، وبروتوكولات تعاون حصري»، وإضفاء هالات تفخيم على وثائق يُكتشف لاحقًا أنها لا تساوي ثمن الحبر الذي كُتبت به في بلد المصدر.
ثانيًا: التفكيك القانوني لوثائق «بلا قيمة»
المحتال الدولي الذكي لا يزور الأوراق الرسمية، بل يمنح الوثائق العادية قيمة مضخمة لا تمتلكها في المنظومة القانونية لبلده الأصلي، مستغلًا ضعف آليات «الفحص النافي للجهالة» (Due Diligence) لدى الجهات العراقية.
شهادات التأسيس الصورية:
إبراز رخص تأسيس شركات أو منظمات يمكن استخراجها رقميًا في دول مثل بريطانيا أو بعض الولايات الأمريكية بـ100 دولار، وفي غضون دقائق، وتصويرها للجانب العراقي على أنها «تزكية وتكليف حكومي من أعلى المستويات».
فخ مذكرات التفاهم (MoU):
توقيع «مذكرات تفاهم» غير ملزمة قانونًا، ولا تترتب عليها أي التزامات مالية، ثم تضخيمها إعلاميًا لإيهام الرأي العام العراقي بأنها «عقد القرن».
غياب التثبت الدبلوماسي:
يعتمد المحتالون على يقينهم بأن الجهة العراقية المستهدفة، بسبب البيروقراطية أو ضعف أدوات التحقق الرقمي المباشر، لن تقوم بمراسلة الغرف التجارية، أو السفارات، أو المراجع الأصلية لتدقيق الصفة التمثيلية للمدعي.
ثالثًا: المعادلة المعكوسة: سرقة الأفكار واحتراق السمعة الدولية
هنا تكمن النواة الأخطر لهذه العمليات، وهي عملية احتيال مركبة ومقلوبة لا تهدف إلى التنفيذ داخل العراق، بل تتخذه «رهينة تمويل» في الخارج، وفق الآلية التالية:
1- الاستحواذ على المسوّدات
تبدأ الجهات المخادعة بتوقيع بروتوكولات عامة وفضفاضة، تطلب بناءً عليها من الطرف العراقي تزويدها بـ«مقترحات مشاريع، ودراسات جدوى أولية، ومسوّدات أفكار» بحجة دراستها وتطويرها.
2- التمويل الخفي بأسماء عراقية
يأخذ المحتال هذه المسودات والأفكار العراقية ويقدمها إلى الحكومات الأجنبية، أو الصناديق السيادية، أو المنظمات المانحة في بلده الأصلي، كـ«مشاريع جاهزة للتنفيذ» تحت إشراف ورعاية منظمته أو شركته الواجهة، مستغلًا حاجة العالم لدعم العراق.
3- جدار الصمت المالي
يتم حجب أي معلومة أو تدفقات مالية عن الجانب العراقي.
تُستحصل أموال طائلة وتُصرف كـ«نفقات تشغيلية ورواتب خبراء ومستشارين أجانب»، بينما يظل الطرف العراقي بانتظار خطوة لا تأتي.
4- المشاريع المحترقة
النتيجة النهائية هي إما عدم تنفيذ أي شيء على أرض الواقع، أو تنفيذ مشاريع مشوهة ودون المعايير. وهنا تقع الكارثة:
تحترق سمعة ومصداقية الجهة العراقية أمام المجتمع الدولي؛ حيث تظهر بغداد في صورة الطرف «الفاسد» أو «العاجز» الذي تسلم تمويلات ولم ينجزها، بينما الحقيقة الصادمة أن الطرف العراقي كان مجرد غطاء تمويلي لا يعلم بوجود تلك الأموال أصلًا.
هذا السلوك لا يمثل قرصنة مالية فحسب، بل هو تخريب ممنهج للأمن القومي الاقتصادي، يؤدي إلى إغلاق نوافذ الدعم الدولي الحقيقي، وتنفير الشركات العالمية الرصينة خوفًا من التورط مع شبكات الاحتيال هذه.
رابعًا: خارطة الطريق: الثورة التوعوية والجهاز الاستقصائي السيادي
إن مواجهة هذا التهديد العابر للحدود تتطلب الانتقال الفوري من موقف «الانفعال والدفاع» إلى موقف «المبادرة والردع المؤسساتي»، عبر مسارين متوازيين:
1- تأسيس «الجهاز الاستقصائي الوطني لتدقيق الشراكات الأجنبية» (وحدة الأمن الاقتصادي)
الهيكلية:
وحدة استخبارية-قانونية مشتركة تضم ممثلين عن: دائرة مسجل الشركات، والدائرة القانونية في وزارة الخارجية، وجهاز الأمن الوطني/ الأمن الاقتصادي، وهيئة النزاهة الاتحادية.
الصلاحيات:
تُمنع منعًا باتًا أي وزارة، أو محافظة، أو مؤسسة عامة، أو منظمة محلية من توقيع أي بروتوكول، أو عقد، أو مذكرة تفاهم مع جهة أجنبية ما لم تمنح هذه الوحدة «صك الغفران القانوني والمالي» (Clearance).
آلية العمل:
تتولى الوحدة مراسلة المراجع الرسمية في بلد المصدر، عبر القنوات الدبلوماسية والأمنية المعتمدة، للتحقق من الملاءة المالية، والتاريخ القانوني، والصفة التمثيلية الحقيقية للجهة الأجنبية قبل أي خطوة إعلامية.
المساءلة القانونية:
تجريم «التضليل الإعلامي المؤسساتي»؛ حيث يُحاسب قانونيًا كل مسؤول أو جهة تروج لمشاريع وهمية بناءً على بهرَج إعلامي، واعتبار ذلك تبديدًا لسمعة الدولة وهدرًا غير مباشر لأمنها الاقتصادي.
2- ثورة التوعية والشفافية الرقمية
إلزام كافة المؤسسات باعتماد أدوات الفحص الرقمي وقواعد البيانات العالمية للسجلات التجارية، مثل OpenCorporates وغيرها، كخطوة أولية إجبارية.
فرض «الشفافية المطلقة» عبر إلزام الجهات الحكومية بنشر تفاصيل أي تفاهم دولي رقميًا، مرفقًا بالروابط الرسمية للشركات الأجنبية ومواقفها المالية المدققة؛ لقطع الطريق على الغرف المغلقة التي تنمو فيها بذور الاستغفال.
ختامًا
أود الإيضاح أن هذا المقال هو لتثبيت أركان العمل المؤسساتي الصحيح، ولا يستهدف بالضرورة نشاطًا أو جهة ما، بل قد يكون تحذيريًا لمواقف ستأتي مستقبلًا، وليس آنيًا. بل إننا شهدنا انفتاحًا لكثير من الجهات الأجنبية التي تعمل بشكل مهني صادق وسليم، وهي معروفة للجميع.
إن انفتاح العراق على العالم علامة قوة وصحة، لكن يجب ألا يتحول هذا الانفتاح إلى ثغرة يُنفذ منها العابثون بالسمعة الوطنية.
حماية الهوية الاقتصادية للعراق وتبني معايير صارمة في التدقيق والشفافية ليس خيارًا إداريًا، بل هو واجب سيادي لحفظ مكانة الدولة وثرواتها ومصداقيتها أمام العالم.
❖ كتابات في الميزان ❖
يطرق المقال ملفًا بالغ الحساسية يتعلق باستغلال الرغبة العراقية في الانفتاح الدولي لصناعة شراكات ظاهرية قد تتحول إلى أبواب للاحتيال والتمويل غير الشفاف. وتكمن أهميته في انتقاله من توصيف الخطر إلى اقتراح منظومة للتدقيق والمساءلة. ومع ذلك، فإن قوة الطرح الاستقصائي تزداد عند إسناد الأنماط المذكورة إلى وقائع موثقة وأمثلة قابلة للتحقق، مع التنبيه إلى أن مذكرات التفاهم لا تكون جميعها غير ملزمة؛ إذ تتحدد طبيعتها وفق نصوصها والقانون المنطبق عليها.
