العلاقة بين الجنون والشعر علاقة وثيقة، وقد كتب عنها الكثير من النقاد، لكننا أمام شغف مجنون من ثنايا عشق أعمق. قرأت في منشور عابر أن عاقلاً قال لمجنون: «أنت مجنون»، فأجابه: «وأنت عاقل!». والجنون عندنا حصرًا على من غلبهم الوجد، وحدد المجتمع لنا الوجد بعشق المرأة، وهناك أنواع من الوجد نكابدها: وجد المكان والزمان، ووجد القداسة والكمال، ووجد الوطن، وخاصة حين يحمل الوطن قداسة المكان والرموز التي رفعت رايات محبتها عزًّا وكرامة.
تتبلور قدسية الرموز التاريخية في أنماط كتابية تتباين أساليبها من حيث إظهار المرتكز المحوري (المعنى)، فهناك كتابات تجيد التأويلية، وأخرى تجيد التفسير المباشر للعرض. والمباشرة في العرض الأدبي هي من التقاليد الكتابية السائدة، ومثل هذا العرض يستمد وجوده من الفيض الإيماني الذي يعمّر مغزاه، فيبني المعنى المباشر.
وفي مراجعة لقصائد «وضوء الروح» للشاعر حسين كاظم الشمري، نجد أن هناك ارتكازًا تامًا على مرجعية تاريخية يتخذها الشمري كمعتقد إيماني، بدءًا من العنونة؛ حيث تكررت كربلاء في خمسة عناوين صريحة، إضافة إلى بعض تسمياتها، مثل: «مدينة الحسين» و«مدينتي». ووردت بعض الرموز العاشورائية لتكون دلائل عنونة، مثل الحسين (عليه السلام) والسيدة فضة، وعن رموز السلب: يزيد.
تأسست شعرية «وضوء الروح» لتنقل ارتباط الواقع المعاش بالتاريخ من خلال تدوين بعض الرموز الإنسانية والزمانية والمكانية. فلو ركزنا الاشتغال على الرموز الإنسانية، لوجدنا ورود اسم الحسين (عليه السلام) مع متعلقات الاسم من كنى وألقاب: «ريحانة الرسول»، «سبط الرسول»، «الغريب»... وشخصية العباس (عليه السلام) ومتعلقاته: «قمر»، «قربة»، «شارع»، «الطفل الرضيع»، «فضة»، «أم البنين»، «الحر»، «حبيب»، «القاسم»، «الحوراء»، وبعض الرموز الولائية: «حمزة الصغير»، «الوائلي»، «المنظور»، «شيخ هادي»، «النويني»، «الكلكاوي»، «المهاجر»، «القزويني»، «الرميثي»، «عبد الزهرة الكعبي»، «باسم الكربلائي»، «الكاظمي»، «أبو بشير»، «الصافي»، «محمد حمزة الرادود»، «صادق ملك»... وهناك رموز مكانية: «شارع الإمام علي (عليه السلام)»، «عكد شير فضة»، «المخيم»، ورموز زمانية: «كل خميس»، «العصور»، «الحاضر»، «الماضي».
وتتجسد طريقة بناء قصائد «وضوء الروح» على مكونات شعورية تخدم في كل مكوناتها المعنى الإيماني، وكذلك تدخل الكثير من المكونات التي تشكل خصوصية كربلاء وقدسيتها، مثل: «الياس»، و«الحناء»، و«خبز العباس المستعجل»، و«ماء الورد». فيدخل المعنى الخاص لهذه المدينة المقدسة في بنية المرتكز، كاشتغالات مضمون زيارة وارث، ويستند على قراءة الأدعية. ومثل هذا النقل الحرفي يعمّق لنا الصورة العميقة لواقع إيماني.
ويعني لنا أن همّ الشمري الشعري يسعى لإلغاء الذاتية أمام المحور الموضوعي، وهذه مسألة إيمانية لا تعطي أهمية للمرتكزات النقدية الفنية، بل هي تمثيل جاد أمام المعتقد الروحي؛ فسعى ليتقرب بتلك القصائد إلى سيد الشهداء الحسين (عليه السلام). وهذا هو الوجد الحسيني المعطر بالصلوات.
✦ كتابات في الميزان ✦
ينطلق الكاتب من مفهوم الوجد بوصفه جسرًا بين الشعر والإيمان، ثم يقرأ مجموعة «وضوء الروح» بوصفها تجربة شعرية تستند إلى الذاكرة الحسينية وكربلاء بوصفها مكانًا ورمزًا ومرجعية روحية. ويكشف النص كثافة حضور الشخصيات والأمكنة والمفردات العاشورائية في قصائد الشمري، بما يجعل القصيدة امتدادًا للذاكرة الحسينية في الواقع المعاصر. وتنتهي القراءة إلى أن الشعر هنا لا يتحرك من الذات الشاعرة بقدر ما يتحرك من الإيمان والولاء، فيتحول الشعر إلى تعبير وجداني وتقرب روحي.
