الكيانُ الصهيونيُ … بينَ الإدانةِ الدولية، واختبارِ القانونِ 

    تتغيرُ لغةُ العالم، تتبدلُ مواقفُ الدول، وتتعددُ الخطبُ والبيانات، لكنَ السؤالَ يبقى واحدا: متى تتحولُ الإدانةُ إلى فعل، ويصبحُ القانونُ أقوى منْ القوة؟ في أروقةِ الأممِ المتحدة، وعلى مدى سنوات، تتكررُ الدعواتُ إلى حمايةِ المدنيينَ الفلسطينيين، ووقفِ الحرب، واحترامِ القانونِ الدولي، وإنهاءِ الاحتلالِ الصهيوني، وإقامةِ دولةٍ فلسطينية.
   أنَ كثرةَ البياناتِ والخطاباتِ تطرحُ سؤالاً أكثرَ إلحاحا: هلْ ما زالَ القانونُ الدوليُ قادرا على فرضِ نفسهِ عندما يتعلقُ الأمرُ بالكيانِ الصهيوني؟
   لعلَ المشهدَ الحاليَ الأكثرَ دلالة، عندما ألقى رئيسُ الوزراءِ الصهيونيُ (بنيامين نتنياهو) خطابهُ أمامَ الجمعيةِ العامةِ للأممِ المتحدةِ في دورتها الحاليةِ للعامِ 2026، فغادرتْ وفودُ دولٍ عدةٍ القاعة، فيما كانتْ وفودا أخرى غائبةً أصلا، ووفقَ قائمةٍ نشرتها مصادر صهيونية، بلغَ عددُ الدولِ التي لمْ تحضرْ الخطاب، أوْ غادرتْ عندَ بدايتهِ 77 دولة، بينها العراقُ وإسبانيا وإيرلندا ودول عربية وإسلامية وأفريقية وأميركية لاتينية، لكنْ منْ المهمِ التمييزُ بينَ منْ غادرَ احتجاجا، ومنْ لمْ يكنْ حاضرا، مهما اختلفتْ أسبابُ الغياب.
     إنَ صورةَ القاعة، وهيَ تفقدُ عددا كبيرا منْ الوفودِ حملتْ دلالة سياسية واضحة، لقدْ كانَ ذلكَ تعبيرا علنيا عنْ اتساعِ الاعتراضِ الدوليِ على الحربِ في غزةَ والسياساتِ الصهيونية، لكنهُ بقيَ في النهايةِ موقفا سياسيا ورمزيا، لا إجراءً قانونيا ملزما.
   هنا تكمنُ المشكلةُ الحقيقية: الإدانةُ موجودة، ولكنْ أينَ أثرها عندما يصطدمُ القانونُ بإرادةِ القوة؟ ففي الوقتِ الذي كانتْ فيهِ الوفودُ تغادرُ قاعةَ الأممِ المتحدة، كانتْ دولاً أوروبيةً تتخذُ مواقفَ أكثرَ وضوحا.
   فقدْ أعلنتْ فرنسا في أيلول/ سبتمبرَ 2025 اعترافها بدولةِ فلسطين، ودعا الرئيسُ الفرنسيُ (إيمانويل ماكرون) إلى وقفِ الحربِ وإيصال المساعداتِ الإنسانية، مؤكدا أنَ القانونَ يجبُ أنْ ينتصرَ على القوة، والاعترافَ بحقوقِ الشعبِ الفلسطينيِ ، كما اتخذتْ إسبانيا مواقف أكثر تشددا تجاهَ استمرارِ الحرب، ودعا رئيس حكومتها (بيدرو سانشيز) ولمْ تقتصرْ الإداناتُ على المواقفِ العربيةِ والدولية، بلْ امتدتْ إلى عواصمَ غربيةٍ كانتْ تعدُ تقليديا أكثر قربا منْ الكيانِ الصهيوني
 منْ جانبٍ آخر؛ أكدَ وزير الخارجيةِ البريطانيّ إدا ميليباند، في تصريحٍ لهُ أمامَ مجلسِ العمومِ البريطانيِ في 8 أيلول/ 2026، بأنَ الانتهاكاتِ الصهيونيةَ الخطيرةَ والمتعمدةَ للقانونِ الدوليِ الإنساني، إذا ثبتت، قدْ ترقى إلى جرائمِ حرب، وهكذا لمْ تعدْ القضيةُ الفلسطينيةُ محصورةً في المواقفِ العربيةِ والإسلامية، بلْ أصبحتْ جزءا واضحا منْ النقاشِ السياسيِ والقانونيِ الأوروبيِ والدولي. وهذا التطورُ مهم، لكنهُ لا يجيبُ عنْ السؤالِ الأصعب.
السؤال الذي يطرح؛ هلْ تكفي المواقفُ السياسيةُ إذا بقيَ تطبيقُ القانونِ متعثرا؟
  إنَ المشكلةَ اليومَ، ليستْ في غيابِ القواعدِ القانونية، فالقانونُ الدوليُ الإنساني، وقرارات الأممِ المتحدةِ واضحة، وإنما في مدى احترامها وتطبيقها على الجميعِ دونَ انتقائية، فإذا كانَ المجتمعُ الدوليُ يطالبُ باحترامِ السيادةِ وتنفيذِ القرارات، فإنَ السؤالَ يفرضُ نفسهُ بشأنِ الأراضي الفلسطينية: 
هلْ يبقى القانونُ الدوليُ قاعدة واحدة للجميع، أمْ يتراجعُ عندما تصطدمُ نصوصهُ بموازينِ القوة؟ 
 لقدْ تجاوزتْ القضيةُ مرحلةَ البياناتِ والخطابات؛ فالمطلوبُ هوَ ترجمةْ القانونِ إلى أفعال، تبدأُ بحمايةِ المدنيينَ وإيصالِ المساعدات، ولا تنتهي عندَ تنفيذِ القراراتِ ومحاسبةْ منْ تثبتُ مسؤوليتهُ وفقَ الآلياتِ القانونية، فالقانونُ الذي لا يطبقُ يفقدُ جزءا منْ قوته، والقراراتِ التي تبقى بلا تنفيذٍ تفقدُ شيئا منْ هيبتها. 
   منْ هنا، أصبحتْ فلسطينُ اختبارا حقيقيا لمصداقيةِ النظامِ الدولي، ولقدرتهِ على إثباتٍ أنَ العدالةَ ليستْ مبدأً يطبقُ على البعض، ويستثنى منهُ البعض الآخر. لقدْ شهدَ التاريخُ نهاياتٍ كثيرةً للاحتلال، وأثبتَ أنَ استمرارَ الواقعِ السياسيِ لا يعني خلوده. فالجزائر، التي عاشتْ أكثر منْ قرنٍ تحتَ الاستعمارِ الفرنسي، أصبحتْ دولة مستقلة، بما يؤكدُ أنَ الحقوقَ قدْ تتأخر، لكنها لا تفقدُ مشروعيتها بمرورِ الزمن.
   في هذا السياق، يمكنُ استحضارُ الآياتِ القرآنيةِ التي تتحدثُ عنْ بني إسرائيلَ في سياقها الدينيِ والتاريخي، دونَ إسقاطها على اليهودِ أوْ أتباع دين بعينه: ( وقضينا إلى بني إسرائيلَ في الكتابِ لتفسدنَ في الأرضِ مرتينِ ولتعلنَ علوا كبيرا، فإذا جاءَ وعدُ أولاهما بعثنا عليكمْ عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلالَ الديارِ وكانَ وعدا مفعولا) الإسراء: 4- 5، والمغزى هنا ليسَ تحويل النصِ الدينيِ إلى أداةٍ للكراهية، كما لا ينبغي أنْ يتحولَ القانونُ الدوليُ إلى أداةٍ انتقائية.
   لقدْ قالتْ الدولُ كلمتها، وأصدرتْ الأممُ المتحدةُ مواقفها، وارتفعتْ أصواتُ المنظماتِ الدولية، كما اعترفتْ دولٌ جديدةٌ بدولةِ فلسطين، وشهدتْ الجمعيةُ العامةُ مواقفَ رمزيةً تمثلتْ في مغادرةِ وفودِ عدةِ قاعةِ الخطاب. لكنْ يبقى السؤالُ الأهم:
  ماذا بعدَ الإدانة؟ إنَ قيمةَ القانونِ الحقيقية، تظهرُ عندما يكونُ تطبيقهُ صعبا ومكلفا، وهنا يختبرُ المجتمعَ الدولي: هلْ يستطيعُ تحويل قواعدِ القانونِ الدوليِ إلى ممارسةٍ فعلية، أمّ تبقى القراراتُ والخطبُ حبيسةً قاعات الأممِ المتحدة؟
 إن القضيةُ الفلسطينية، لا تحتاجُ إلى مزيدٍ منْ العباراتِ المكررةِ بقدرِ ما تحتاجُ إلى إرادةٍ دوليةٍ تجعلُ القانونَ معيارا واحدا للجميع، فلا تمنحُ القوةُ صاحبها حصانةً منْ القواعدِ التي يفترضُ أنْ تحكمَ العلاقات الدولية.
   يبقى السؤالُ مفتوحا أمامَ العالم: هلْ تبقى العدالةُ معلقةً بينَ جدرانِ الأممِ المتحدة، أمْ تتحولُ الإدانةُ الدوليةُ إلى فعل، ويفتحُ القانونُ الطريقَ أمامَ الشعبِ الفلسطينيِ نحوَ حقوقهِ المشروعةِ ودولتهِ المستقلة؟ فالمشكلةُ لمْ تعدْ أنَ العالمَ لا يعرفُ ما يحدث، بلْ إنَ العالمَ يعرفُ ويدينُ ويتحدث. . . ثمَ ماذا يفعل؟ وهنا يبدأُ الاختبارُ الحقيقيُ للقانونِ الدولي.

الكيان_الصيوني.jpeg