جهاد النفس -10- (علامات أهل الدين) 

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ((إنَّ لأهلِ الدينِ علاماتٍ يعرفونَ بها: صدق الحديث، وأداء الأمانة، ووفاء العهد، وصلة الأرحام، ورحمة الضعفاء، وقلَّة المراقبة للنساء، -أو قال وقلة المواتاة للنساء-، وبذل المعروف، وحسن الجوار، وسعة الخلق، وﭐتباع العلم، وما يقرب إلى الله - إلى أنْ قال: - إنَّ المؤمن نفسه منه في شغل، والناس منه في راحة، إذا جَنَّ عليه الليل ﭐفترش وجهه، وسجد لله بمكارم بدنه يناجي الذي خلقه في فكاك رقبته، أَلا فهكذا فكونوا)).
[وسائل الشيعة، الشيخ الحر العاملي  ج15 ص190]
             **
       إنَّ الحديث فيه إضاءات كثيرة ومهمة في بناء الشخصية والمجتمع الإسلامي، تؤكده تلك التعاليم العظيمة للشريعة الإسلامية المقدسة، ومن الضروري التأمل في هذا الحديث وغيره الذي يعدُّ منهجًا إنسانيًّا تربويًّا في نشر الخير والصلاح.
     وفي الحديث بيان مهم في توسعة مفهوم (الدين)، وبيان آثار تلك العبادات التي تربط العبد بالله تعالى، فليست قائمة على العبادات المعهودة وأدائها ظاهرًا، بل لا بد من ظهور آثارها في سلوك المؤمنين بحيث تكون ظاهرة معروفة عند الآخرين (يعرفون بها) بالعمل بها دائمًا لتكون (مَلَكَةً) هذا من جهة، وهناك حثٌّ من الإمام على الالتزام بذلك حتى يكون مؤهَّلا في انتمائه للدين، وتمثيله أمام الآخرين والدعوة إليه من جهة أخرى؛ لذلك فقد ختم الحديث بقوله (أَلا فهكذا فكونوا) وابتدأ بحرف الاستفتاح (أَلا) الدال على التنبيه والحث على الأمر.
 وفي الحديث تأكيد على موضوعات تربوية (14) يمكن بيانها إجمالًا بالآتي  : 
1- صدق الحديث. وقد وردت روايات متعددة بذلك بما يؤكد أهمية هذه الصفة في بناء الإنسان عامة، والمؤمن خاصة.
2- أداء الأمانة. وكذلك الآيات والروايات كثيرة فيه، فالأمانة لا تقتصر على الأموال، بل يمكن توسعة ذلك على أمانة الأبناء في وجوب معاهدة تربيتهم، وأمانة الحفاظ على الزوجة، وأمانة الحفاظ على الممتلكات العامة، وأمانة محافظة الموظف على دقائق العمل وساعاته اليومية وغير ذلك ..
3- الوفاء بالعهد. وقد وردت الآيات والروايات التي تحث على ذلك.  
4- صلة الأرحام. وقد وردت الآيات والروايات التي تحث على ذلك، وما فيه من معانٍ إنسانية في بناء المجتمع الإنساني، وقطيعة الرحم من الذنوب الكبائر.
5- رحمة الضعفاء. والروايات فيه كثيرة في مساعدة الفقراء والمحتاجين، وما فيه من معانٍ إنسانية في بناء المجتمع الإنساني.
6- قلَّة المطاوعة للنساء. لما في ذلك من جهاد النفس للشهوات واللذات قدر المستطاع، خصوصًا في غير الحلال حيث وجوب الاجتناب.
7- بذل المعروف. والروايات فيه كثيرة ومصاديقه متعددة، ومعانيه إنسانية عظيمة.
8- حسن الجوار. والروايات فيه كثيرة، ومعانيه إنسانية عظيمة.
9- سعة الخُلُق. لقد أكدت الشريعة الإسلامية على الأخلاق كثيرًا وأعظمه ما كان من بيان أخلاق النبي محمد "صلى الله عليه وآله وسلم" ((وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [القلم: 4].
10- ﭐتباع العلم. إنَّ الدين الإسلامي هو دين العلم والمعرفة والعقل، وأول كلمة نزلت من السماء إلى الأرض كانت تدعو إليه ((اقرأ))، والآيات والروايات كثيرة في ذلك.
11- ﭐتباع كُلِّ ما يقرب إلى الله تعالى. حيث معرفة تعاليم الشريعة المقدسة والعمل بها، وهذا جزء من شخصية المؤمن.
12- المؤمن نفسه في شغل بها. لعلمه الحقيقي بأنه في سفر في هذه الدنيا، وعليه الاستعداد للحياة الحقيقية في الآخرة، ومعرفة حاله عند الوقوف بين يدي الله تعالى حيث ((وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ)) [الصافات: 24]، ثم يرى كتاب عمله يوم القيامة حيث ((مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا)) [الكهف: 49]، بل يتأمل كثيرًا حيث ((يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)) [الشعراء: 88- 89] وغيرها من المواقف.
13- الناس في راحة من المؤمن. لأنه ذو شخصية قائمة على الخير والمعروف والإحسان، فضلًا عن تمسكه بتعاليم الشريعة المقدسة التي تحث على ذلك.
14- صلاته بالليل وتهجُّده مناجاة الله تعالى. لعلم المؤمن بعظمة هذه العبادة، وتأكيد الآيات والروايات التي تبيِّن ذلك حيث أنها السبيل إلى الدرجات الرفيعة ((وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)) [الإسراء/79]، وفي الروايات أنها (شرف المؤمن).

 ختامًا  .. 
 إنَّ هذه الصفات تؤكد: 
1-  ضرورة المعرفة بتعاليم الشريعة المقدسة؛ ليكون العمل موافقًا لها.
2-  أهمية تدريب النفس على المجاهدة ليمكنها أداء هذه الأعمال، والغلبة على شياطين الإنس والجن.
3-  وجوب أنْ تكون هذه الصفات ظاهرة وموافقة للقول بالإيمان والانتماء إلى الدين.
4-  العمل الجاد من أجل نشر هذه الصفات الفاضلة في المجتمع حيث الدعوة العملية لها.
5-  التشرف في حمل علوم آل محمد وتبليغها الناس للعمل بها وبيان أنَّ (الإسلام يقود إلى الحياة الطيبة) وأنَّ (الناس لو سمعوا محاسن أهل البيت لاتَّبعوهم) كما ورد في أحاديثهم.
 اللهم وفقنا في جهاد أنفسنا وتربيتها تربية صالحة، ووفقنا لنكون أهلًا لوصايا النبي وآله والعمل بها والدعوة إليه والسلام  .

جهاد_النفس.jpg