ليست المشكلة في الذين يختلفون معك ، فذلك حقٌّ طبيعيٌّ في السياسة والفكر والحياة ، بل المشكلة في أولئك الذين يهربون من الموقف نفسه ، لأنهم أعتادوا النجاة من أثمان الحقيقة ، والوقوف دائماً في المنطقة التي لا تُغضب أحداً ولا تُلزمهم بشيء.
هؤلاء الذين قيل عنهم قديماً :
"الأكل عند معاوية أدسم، والصلاة خلف علي أتم ، والجلوس على التل أسلم"
لم يكونوا مجرّد صورة عابرة في كتب التراث، بل وصفاً دقيقاً لشخصية ما زالت تتكرّر في كل الأزمنة ، بأسماء مختلفة ووجوه جديدة ، لكنها تحمل الروح ذاتها ، روح الانتهازية التي تعرف أين توجد المصلحة ، لكنها تتظاهر دائماً بأنها تبحث عن الحكمة ، إنهم الناجون دائماً من شرف الموقف ،
يعرفون أين الحق ، لكنهم لا يقتربون منه إذا كان مكلفاً ،
ويعرفون أين الباطل ، لكنهم لا يبتعدون عنه إذا كان قادراً على منحهم الامتيازات ..
لهذا تراهم قريبين من كل سلطة ، بارعين في تلوين اللغة، وفي تبديل القناعات كما تُبدَّل الستائر في قصور الحكّام ،
وتراهم حول كل رئيس جمهورية ، وكل رئيس حكومة ، وكل مسؤول يمتلك نفوذاً أو قراراً.
فإذا كان الحاكم قوياً بالغوا في المديح حتى يكاد التصفيق يتحول إلى عقيدة ، وإذا ضعف أو سقط كانوا أول من يتبرأ منه ، وكأن ذاكرتهم السياسية تُمحى مع تغيّر صورة الحاكم على الجدار ،
إنهم لا ينتمون إلى فكرة ، بل إلى النجاة فقط ، ولا يؤمنون
ولايهتمون بالمواقف بقدر إيمانهم بسلامتهم الشخصية ومصالحهم الصغيرة ..
ولهذا يفضّلون دائماً "التل" ، ذلك المكان المرتفع الذي يسمح لهم بمراقبة المعركة من بعيد ، دون أن يشاركوا في دفع أي ثمن أخلاقي أو وطني ..
وحين تنتهي المعارك، ينزلون من التل بملابس نظيفة، ويتحدثون عن الحكمة والاتزان والعقلانية ، بينما الحقيقة أنهم كانوا يهربون من شرف الانحياز حين كان الانحياز ضرورة أخلاقية ..
فالمواقف الحقيقية ليست شعارات تُقال بعد انتهاء الخطر ، بل مسؤولية تُدفع أثمانها في اللحظة الصعبة ،
أما الذين ينتظرون دائماً معرفة المنتصر قبل إعلان آرائهم، فهم لا يمارسون الحياد ، بل يمارسون نوعاً ناعماً من النفاق السياسي والاجتماعي ..
ولذلك لا يبقى في ذاكرة الشعوب إلا الذين وقفوا بوضوح ، حتى لو خسروا ، أما أهل التل فيربحون اللحظة فقط ، ثم يذوبون في النسيان ، لأن التاريخ قد يغفر الخطأ أحياناً، لكنه نادراً ما يحترم الذين نجوا دائماً من شرف الموقف ..
❖ كتابات في الميزان ❖
يناقش المقال شخصيةً سياسية واجتماعية تختار السلامة والمصلحة بدلًا من الموقف، وتبدّل خطابها تبعًا لموازين القوة. ويوظف صورة «الجلوس على التل» بذكاء للكشف عن الحياد الزائف الذي ينتظر المنتصر قبل إعلان الولاء له. وخلاصة النص أن خسارة صاحب الموقف قد تحفظ اسمه، بينما لا يمنح التاريخ مكانًا دائمًا لمن أمضوا حياتهم في الهروب من دفع ثمن الحقيقة.
