• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الجنس في التراث العربي .
                          • الكاتب : سردار محمد سعيد .

الجنس في التراث العربي

هذا هو القسم الأول من بحثي بالعنوان أعلاه وستليه الأقسام الباقية من البحث

تباعا ً راجيا ً أن تكون التعليقات في إطاره العلمي .

مقدمة

*****

 

أشك بأن ماسيسرد في هذا البحث سيمر بلا اعتراض ولا مناقشة أو جدال ،

وقدلا يرضى عنه البعض ، وما كانت غايته ارضاء قوم أو فئة على حساب

النهج العام للفكر والحقيقة العلمية ، ولا لمنفعة شخصية ترجى ، فبغيته

الرئيســة ابراز واقع موثـّق ورؤيتي كما أعقلها وأفهمها ، والرؤى المتباينة

تجد ناصرا ًمساندا ًوتجد معارضا ًداحضا ًولأجل هذا وصفت بأنها متباينة .

الشك واليقين سمتان من سمات العقل البشري الذي هوسلبي بفطرته يقول (لا)

ويقول (نعم ) ، ولا يأتمربمايسمع كما في شريط التسجيل ولولا هذه السلبية فيه

لما نشأت الأديان والحضارات ، واكتسب التساؤل والشك مشروعية ، وعاد

من الحقوق البشرية التي لا استعباد فيها ، وصارت محاولة استعباد الرأي

وفرض القبول بالرأي المباين قسرا ً من مخلفات الفكر البشري وديدن الطغاة

والعتاة والجبابرة كأنهم لم يسمعوا أو يفهموا ، وأشك أنهم فقهوها : 

( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ً )، وما من ضير في الرأي المباين لو كان يفضي إلى التفاعل والتلاقح ليخدم المسيرة الإنسانية ، والتباين

لا يأتي من فراغ أو من دون منهج متخذ سلفا ً ، غير أني أجد من الضرورة

عند قراءة هذا البحث أن لا يشحذ كل منتهج لفكر ما سيف لسانه قبل أن تفهم

الغاية منه دون روية وتمعن .

الخشية من التصريح وتبيان حقائق موثقة لا يمنعني منها مانع، لا سيما إذا

علمنا أن هناك المئات من الكتب والصفحات الأدبية والشعر والأقوال أبانت وأفصحت عنها بطرق وبيان فاضح أو عفيف واستعملت ألفاظا ً فاحشة أو

كنى لطيفة عفيفة.

يعدّ بعض الناس تناول هكذا مواضيع حساسة يثير الغرائز ، وربما يظن أنه

يدعو للممارسات غير الطبيعية وغيرالمقبولة أو المقننة ، وهذا أراه جهلا ً

، ومحض لغو ،و شبيه بمن يصف المتحدث بمسألة الكفر بكافر .

التحدث في موضوع غريزي خُلق مذ خلق البشر وسيبقى إلى يوم الساعة

ليس فيه ما يعيب ، ولو كان له نصيب من الصحة لما تحدثت عنه الكتب السماوية

ولهج به الأنبياء والفقهاء والعلماء ، والعيب فيمن يقف بوجه التطور الفكري ويكون

حجر عثرة وعقبة كأداء في وجه الحضارة السائرة دون توقف يرافقها تغير

السلوك وتغيرات اجتماعية مستجدة ، وآمل أن يكون البحث ممهدا ً لدراسات

نفسية واجتماعية وفلسفية أوسع ومتخصصة ولا يثنيها نظرة قاصرعلماً وثقافة

وفهما ً. 

سمات بشرية عامة

الغرائز والشهوات

*******

أرى أن هناك خلط بين الغريزة والشهوة ، فيقال أن الغريزة موجودة في نفس

الكائن الحي أو جبلـّته  أو طبعه ، والشهوة مركوزة فيها ، وأجد أن هذا المفهوم

للغريزة لا يختلف عن مفهوم فرويد للغريزة ( التي تعبر عن قوة نفسية

راسخة تصدر من صميم الكائن الحي العضوي ) ولا أفهم معنى جبلـّة ولا

معنى مركوزة بغير هذا الشكل والإختلاف في التعابير والألفاظ اللغوية وأجد

أن الخلط بين الغريزة والشهوة ما يزال قائما ً، غير أن المتفق عليه أن الغريزة مخلوقة بالفطرة ، ورأيي أن الشهوة هي فعل داخلي آخر الذي يمثل الغريزة التي

أصابها نقص بحاجة لسد وتدارك، وعلى وفق هذا فإن الغريزة لا يمكن تعطيلها

لكن الشهوة يمكن تعطيلها أو التحكم بها ، فالقول أنا أشتهي كذا يعني أن الغريزة

بحاجة لإشباع ، وقمع الشهوة لا يعنى التخلي عن الغريزة أو قتلها ، وهو كما

تقول الفرس موجود وأستطيع كبح جماحه لابقتله والقضاء عليه، وقول الشاعر :

أنا والله أشتهي سحرعينيك وأخشى مصارع العشاق .1

هو قول صادق يعني أنه لو لم يكبح شهوته ويؤجلها فإنه سيصرع ومن هنا كانت خشيته ، وبالتأكيد فإن اشباع الغريزة تصاحبه اللذة فمفهوم الخشية يعني تأجيل اللذة

لوقت آخر حين يتم الإشباع وتقبل التأجيل يكون مع ألم بسبب مايسمى بالكبت .

بمعنى آخر أن الغريزة شيء وفعل الغريزة شيءآخر وهو الإشتهاء ، ولقد

جاء في الذكر الحكيم ( زين للناس حب الشهوات ) 2بمعنى أن الإشتهاء كالزينة

والزينة تكون لشيء موجود أساسا ً وهو فعل تابع لمتبوع ، ومن الواضح أن الشهوة

تفعل فعلها بعد تحفيز الغريزة فسحر العينين كان الحافز للغريزة  لتثيرالشهوة عند الشاعر ، وهنا يتضح أن الحافز يكون بفعل مادي فتفرز بعض الغدد إفرازات تحسس الكائن بحاجة المنكح أو المطعم على أن هذا لايشترط أن يكون

المحفِز الشيء المنشود نفسه فيمكن أن يكون عن طريق جسم مادي آخرموح ٍ ،

مثلا ًلا يشترط رؤية العشيقة حتى تثار غريزة الجنس فربما رؤية صورة لها أو زهرة أهدتها له تثيرها ،بعبارة أخرى أن التخيل له دوره هنا ، والخوف

من عذاب يوم القيامة يثير في الإنسان شهوة الإيمان وإن لم ير يوم القيامة ،

ومن هذا سبب اقشعرار الجلد وخفقان القلب عند سماع آي من القرآن الكريم

فقط.

الشهوة تكون في أمور عدة وأهمها عندي شهوة المطعم حتى قيل أن بقراط قال: المريض الذي يشتهي : أرجى عندي من الصحيح الذي لا يشتهي بمعنى أن

الذي يشتهي غريزة المطعم عنده ما تزال سليمة فاعلة ، وقد قيل للخليل في علته :

أتشتهي شيئا ً؟ قال : لا بودي أن أشتهي 3 أي أنه يود أن تستدعي الغريزة فعل

الإشتهاء . وهو نفس ما قاله سيبويه في مرضه عندما سأله النظام : ما تشتهي

فقال : أشتهي أن أشتهي .4

من أخبار المغنية سلامة القس قالت لعبد الرحمن الملقب بالقس لكثرة عبادته

وكان قد شغف بها وشغفت به :( والله أشتهي أن أعانقك وأقبلك . فقال : والله وأنا أشتهي مثل ذلك ) وزاد أنه يشتهي مضاجعتها ...و..... و فقالت ( فما يمنعك من ذلك . والله إن المكان لخال ٍ قال : يمنعني منه قوله عز وجل : "الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " ، فأنا أكره أن تحول محبتي عداوة يوم القيامة ). 5 وهنا أثيرت غريزة المنكح فطفحت الشهوة لكنه كبح جماحها  ، وهذا يذكر بحادثة النبي يوسف عندما دعته امرأة العزيز لفعل المنكر فأبى .

وهناك شهوات كثيره منها سماع صوت المغنين ويذكر أنه يكون أجمل لو كانت

به بحة معينة وقيل في ذلك :

أشتهي في الغناء بحة حلق   ناعم الصوت متعب مكدود

كأنين المحب أضعفه الشو      ق فضاهى به أنين العود .6

 

 ويقال أن السري السقطي قال : أشتهي أن آكل أكلة لا يكون فيها لله عز وجل علي تبعة ولا لمخلوق ، فما وجدت .7

ويقال أن شخصا ً اسمه موسى لقب موسى شهوات إذ كان يجلب الشهوات

كالقند والسكر من أذربيجان فغلب عليه اللقب ، وقيل بسبب بيت قاله في

يزيد بن معاوية :

لست منا وليس خالك منا        يا مضيع الصلاة بالشهوات .8

إن كبح جماح فعل الغريزة وأعني به الشهوة يتم في مجمله بإشغال العقل

بشيء مفيد كالتعبد والقراءة ووسائل كثيرة إن لم يكن فيها فائدة فمجنبة لضرر ، ولقد رُبط العقل بالغريزة بل قيل هي نفسه 9 ، أما صد الغريزة بمعنى التعطيل فغير جائز ، فقد روي في الجليس الصالح والأنيس الناصح للمعافى بن زكريا عن المرأة التي تأخر زوجها عنها لإنشغاله كجندي في الحرب وقد فاضت بها الشهوة للجماع ولم تستطع كبح الغريزة فقالت :

تطاول هذا الليل تسري كواكبه    وأرّقني أن لا ضجيع ألاعبه

ألاعبه طورا ً وطورا ً كأنما       بدا قمر في ظلمة الليل حاجبه

يسر به من كان يلهو بقربه    لطيف الحشا لا تجتويه صواحبه

فو الله لولا الله لا شيء غيره     لنقض من هذا السرير جوانبه

ولكنني أخشى رقيبا ً موكلا ً        بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه .

وتنفست الصعداء ، وقالت : لهان على عمر بن الخطاب وحشتي وغيبة زوجي عني ، وسمعها عمر ، فكتب في أن يقدم زوجها عليها .

يمكن كبح جماح الغريزة ومن دون تعطيلها ولا تركها بشكل فوضوي وسائب ، فكما هو غير ممكن تعطيل غريزة المطعم فمن غير الممكن تعطيل غريزة المنكح ( وللإنسان قوى معروفة المقدار وشهوات مصروفة في حاجات النفوس مقسومة عليها لا يجوز تعطيلها وترك استعمالها ما دامت النفوس قائمة بطبائعها ومزاجاتها وحاجاتها وباب المنكح من أقواها وأعمها ) 10، أي أن الجاحظ يرى أن غريزة الجنس الأولى تليها غريزة الأكل فقال (وليس بعد باب المنكح له وقع كوقع المطعم . 11، وأرى عكس رأي الجاحظ ، فعدم تلبية غريزة المطعم تودي للهلكة لكن عدم تلبية غريزة المنكح لن تودي بالكائن الحي للهلاك وقد تودي لمرض نفسي أو سلوكي ، أما عواقبهما السلوكية فلا شك أنها وخيمة فكما يدفع غلق باب المنكح للزنا فغلق باب المطعم يدفع للسرقة وربما للمطالبة به بالثورة واستعمال السلاح وحدث ذلك كثيرا ً كما يخبرنا التاريخ ومن هذا الباب أفهم القول المعروف : عجبت ممن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا ً سيفه . 12

لاشك أن الشهوات كثيرة ولكن أهمها شهوتي البطن والفرج كما عبر عنهما

الغزالي ، وقسم فرويد الدوافع النفسية للإنسان إلى مجموعتين أولاهما ( تهدف

إلى الإحتفاظ ببقاء الفرد ) والثانية ( تهدف إلى بقاء النوع ) ويقوم هذاالتقسيم

على أسس بايولوجية (وأطلق على الأولى اسم غرائز – الأنا – وعلى الثانية

اسم الغرائز الجنسية ) / للتفاصيل راجع كتاب فوق مبدأ اللذة لفرويد .

و الأديان السماوية ركزت على شهوة الجنس وشهوة التملك ففي

العهد القديم كانت من الوصايا العشر :

- لاتزن .

- لاتشته امرأة قريبك .

- لا تشته مقتنى قريبك .13

وفي القرآن الكريم ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير

المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ) .14

وينسب أخوان الصفا الشهوات إلى نفوس محددة فثمة نفس نباتية وثمة نفس

نفس حيوانية وثمة نفس إنسانية ناطقة وثمة نفس عاقلة وثمة نفس ناموسية

ملكية . 15

ويلاحظ التأكيد على عبارة ( مركوز في جبلـّة ) وما أفهم منها هو تمييز

الغريزة من الشهوة ، وقد وضعوا غريزة الجنس في القسم الحيواني للنفس

وهذا يجعلني أتسائل عن الصفات المشتركة بين الإنسان بشكله ومواصفاته

الحالية والحيوان مطبوعة في جبلتهم ، وبعده فأنه يعني وجود تشابة في الخلايا العصبية والمتحسسات بحيث يكون الفعل الجنسي بالتأثير المتشابه على الجهاز

العصبي ويؤثر التأثير نفسه في اللذة والألم وبهذا تكون النظرية هذه متشابهة

مع النظرية الداروينية في النشوء والإنتقاء .16

(يتبع )

المصادر والمراجع

1 البيت لبشار بن برد .

2 آل عمران 14 .

3 محاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني .

4 معجم الأدباء لياقوت الحموي . ويقال أنه قيل ذلك للنظام كما ورد في

  البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي .

5 نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري . ورويت باختلاف اللفظ في كتاب

الموشى للوشاء . والآية الكريمة هي 67 من الزخرف .

6 ديوان المعاني لأبي هلال العسكري .

7 نشوار المحاضرة للقاضي التنوخي .

8 خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي .

9 ذكرى العاقل وتنبيه الغافل لعبد القادر الجزائري .

10 الحيوان للجاحظ .

11 المصدر السابق .

12القول منسوب لأبي ذر الغفاري .

13سفر الخروج / العهد القديم / الوصايا 6 ، 9 ،10 .

14 آل عمران 14 .

15 رسائل أخوان الصفا / الرسالة التاسعة في بيان الأخلاق وسبب اختلافها .




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=22108
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 09 / 19
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 09 / 17