• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : إلاّ... القمر .
                          • الكاتب : عيسى عبد الملك .

إلاّ... القمر

 

 
.في صغري كنت أسأل أسئلة كبيرة.كلّما كبرتُ، كبرتْ وكبرت معها الصفعات والكفُّ التي تصفعني .ـj
ــ لولا الأكسجين لماتت الكائنات الحيّة . قال المعلّم .
ـــ لولا القمر لمات نخيل البصرة .قلت معقباً .ضحك التلاميذ وعنفني المعلم. .مرة بصق بوجهي رجل دين رفضت أن أقبّل يده قائلا لماذا أقبّلها ؟ . في صغري كنت أحب القمر حدّ الوله وأدعو لحبه . القمر يمنح دون منّة .دون قوائم حساب .القمر ينظم المدّ والجزر. يروي نخيل القرية وزرعها والضرع . يبدد الظلام . تختفي الأشباح و اللصوص. ينشر الأمن . يحلو السمر فتسهر القرية . يسهل صيد السمك . تحبه العذارى لأمر لا أعرفه كما لا أعرف لماذا يكثر الغناء وتكثر مناجاة القمر فترة ظهوره ولم يغنّ أحد في العتمة ؟.كنت داعية لحب القمر !.كنت رئيس فريق أحباب القمر .وكانت لنا لعبة مفضلة نلعبها عندما يصير القمر بدرا فليس في القرية ساحات لعب ولا أراجيح ولا متنزه لعائلة ولا مصباح إضاءة عام ولا مستوصف إذا ما جرحنا ..لعبتنا المفضلة عظم .عظم كبير ناصع البياض يقذفه أحدنا بقوة بعيدا ونروح نبحث عنه . لقد وجدته . وجدت العظم ، يصيح أحدهم بصوت عال ويركض نحو نقطة البداية جذلا .يركض الجميع وراءه كي يأخذوا العظم منه عنوة ...لم نكن نعلم نحن الأطفال أنّ على الحكومة أن ترعانا .بل لم نكن ندرك أن هناك حكومة إلّا حينما قبض على جابر صاحب الدكان الذي كان يقرأ كتبا محرمة ممنوعة يجلبها من المدينة كما قالوا أو حينما تفتش القرية بحثا عن مطلوبين للحكومة أو حينما تعلق صور أشخاص لا تشبه وجوههم وجوه أهلنا البائسة .يبتسمون بشكل مضحك . أشخاص متواضعون جدا .ودودون جدا . ينحنون حتى للأطفال بشكل متقن مدروس . يسبقهم الشيخ يوسع الطريق ويوزع الصور. كان الشيخ حارس الحكومة على القرية وعينها ولو كان أعورا مكروها .كنا نحن الأطفال نتجمع منبهرين حول سياراتهم الفارهة كما لو أنهم من عالم آخر. لم يكونوا يظهروا دائما .ملابس أنيقة معطرة وأربطة عنق وأحذية مدهونة تلمع . كل سنين أربع تراهم القرية ثم يختفون ونروح نلعب بالصور نحن والرياح ..إنهم ظاهرة .كان يقول صابر ،أكبر الأولاد .. 
.ذات ليلة أرعبنا شيء غريب .بدأ القمر ينقص شيئا فشيئا والظلام يطرد النور الفضي الدافئ اللذيذ .تحلق الأطفال حول جدتي .رحنا نسألها بإلحاح وهي تتلو صلاة الآيات للمناسبة .التفتت إلينا وهي تسبّح وقالت:
ــ إن الحوت يبتلع القمر يا أولاد ، حوت نهم شرير ليس كباقي الحيتان . صعقنا .وصحنا بصوت واحد ، لن يبتلع قمرنا حوت نهم شرير , لن ندعه .
ـــ لكنه ماكر محنك لا تستفزوه فيبتلع كلّ القمر .عندها لا مدّ ولا جزر ولا ألعاب وستظهر الغيلان وتكثر اللصوص .ستفقدون القمر يا أولاد .تصرفوا بحكمة فالقمر بمحنة .
ـــ نريد حلّا جدتنا الكريمة .ما العمل ؟
ـــ باغتوه بصدمة .اخرجوا جميعا . كل محبي القمر يخرجون دون ضجيج .تسلحوا بالطبول والدفوف والأبواق وبكل ما يربك ثم خذوه بصيحة واحدة بقوة . خذوه بالصيحة .يا أولاد .صيحة رجل واحد هاتفين : يا حوت خلّيه، خلّيه هذا قمرنا الغالي.ولكن حذار فللحوت أسنان كالأنياب وقد يجرح القمر إن لم تحسنوا العمل والله معكم .



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=39598
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 11 / 23
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 08 / 1