• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : في ذكرى استشهاد سيدة نساء العالمين الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (ع) .
                          • الكاتب : د . جواد المنتفجي .

في ذكرى استشهاد سيدة نساء العالمين الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (ع)

ليكن ثمار استشهادها..
      درسا لجمع الصف ووحدة الكلمة
                                                                     
           -1-
رغم زمجرة السيوف ،
و قرقعت نبال الرماح !
رغم كسر نياط القلوب
من البكاء والنواح !
رغم وهج سيل النزف ،
وتخثر الدم على الأرض الطاهرة !
ولأجل  بريق الأمل الممتد شعاعه في أغوار وأعنان السماء ..
الأمل الذي جنت ثماره الأجيال المتعاقبة ، منذ أن توافدت خيول أول الأتقياء لنيل وسام الشهادة في سوح النضال .. ومنذ ذاك وليومنا هذا كانت ولا زالت هنا وهناك مآثر تلوح للباب عقولنا .. بان امرأة وقفت بكل بصلابة لينز من جبهتها ضياء ونور الصالحين منذ أن أصرت وبكل معاني البطولة والجهاد على أن توهب فلذات كبدها لشعاع كان ولا يزال يسمى الإسلام ..
ولولا ضربة سيوف رجاله.. لما توحدت صف الكلمة ، ولولا غرزت رماح أصحابه الميامين التي أطاحت بالرؤوس العفنة .. لما انقشعت عنا الحلكة التي ظلت تطغي على دوامة دوائر همومنا لعقود ظلت كواكبها غافية ..
ولكن الطواغيت ؟ كل الطواغيت ، ومن ركع لعبادة الجبت والأصنام والوثن ، وجميع من تاهوا في ظلام الأمية والجهل ، راحوا يراهنون على رجحان كفتهم الخاسرة ، فاكتسحتهم رياح الإصرار التي هبت بلا هوادة من كل صوب وحدب ومنها ما تمثل بوقفة أولئك المؤمنين الأتقياء لتقويم مسيرة ديننا ، والبقاء على نهج الرسالة التي جاهد لرفع لوائها نبينا محمد المصطفى (ص) والذي لا زال ذكراه خالدة تعطر أفول الزمن ..
وبعض من يأس تشوبه ريح صفراء عاوية .. والكثير من البقع الفاقعة التي أحاطت بقلوبهم السوداء ، منذ أن انحدرت مجامعهم الكافرة وعبر كل تلك السنين العجاف ، نضحوا كالمياه الآسنة من مخابئهم ، بل عاودت كرتها لتخترق  جدار صف الوطن الأشم .. فصدتهم قامات الرجال.. رجال أبات ،  كانوا كالدروع الحصينة قوامهم ، على الرغم من سيلنا الجارف من نزف الدم الذي لم ينضب جريانه يوما ما كدية راح الجميع يدفعها وفاء لهذا الوطن ، منذ أن فتئوا يسقون بها كل بقاع الأرض ، الدم الذي كان زواداتنا حتى صار كالعشق المبهور القادم من سالف الأعوام المسلوبة منا، عاود بهديره ، وبرفق اليوم لنتذكر وبإجلال ووفاء يوم استشهاد سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع)، ليسدل بجناحيه الرحيمة على  صنا الوطن الآفل ،
فمن دمنا ملئنا شطآنك السرمدية
يا وطني لتكون الأجمل والأحب ،
و هو هذا مغزى الأسطورة .. فهيا معي يا أحبة لنبتدأ سوية بترتيل نشيد تلك الحكاية .. هيا لنوقف جريان نزيف الدم .. هيا لنتمالك أنفسنا، ورباط جأشنا ، فهلموا لنلم شملنا ، ولتكن ضربتنا أينما شئنا مؤلمة لتلك الفئة الباغية الغاشمة.. ومن جهادها وصبرها تعلمنا حلاوة معاني الصمود والتحدي ! وبوحدة كلماتنا تعلمنا كيف نفتت شهوة غريزتهم القاتلة ! وبألفة وحدتنا تعودنا كيف يكون ولوجنا في صلب الأرحام التي أنجبتهم ..
فهيا لنشتت شباك جموعهم الكافرة ..
هيا يا جميع أحبابي واخوتي لنشد على أيدي بعضنا ..
هلموا لنلم جمعنا تحت خيمة وطننا الذي صار اجمل واحب ،
وحتى انتم  يا شماتة .. يا عذال ..هلموا وتهيئوا لمعركتنا القادمة..
فالإحساس بالفقدان قاعدة ، وكل ما عدى ذلك استثناء !                                          -2-
هي ذي ولادة الحقيقة !
الولادة الجديدة الحق..
الحق الذي لا زال ينبع من شفر وحفر أراضي وطننا لنشم منها عبق الرفات التي دفنت قسرا في بطائح الأرض الهامدة على أيدي الهولاكيون الجدد..
هي ذي الصرخة الناطقة بالحق ، والتي ينبغي أن تطلقها أفواه جموعنا المؤمنة لقوام مسيرتنا آلاتية الظافرة ..  فالصمت المطبق نخر كل شيء فينا ، بل ولا زال يمط بشمعه الأحمر على طول وعرض خطوط الشفاه الساكتة .. فالإحساس بالفقدان قاعدة ، وكل ما عدى ذلك استثناء
 -3-      
كم هي غالية فدية العقيدة والوطن ؟ 
وها نحن نتذكر هذا اليوم وقفتك يا سيدتي الزهراء
يا من يرقد جثمانك الطاهر بين أضلعنا ،
فدتك كل عيوننا..
يا من علمتنا كيف يفتدى الدين في هذا الوطن المؤمن ،
فمن أجلك يا وطني يا مقلع الثوار ،
من أجلك وأجلهم يا سيدتي .. 
نفديكم سوية فلذات قلوبنا .. وإلا فلماذا لا زال خلودك باقي يحتفي به الفارس الذي نسميه الوطن .. أنشودة خلفتها لنا عبر آلاف السنين ، لتقص علينا بشجاعة كيف زوقت أسطورتها صفحات التاريخ وصارت في عرفنا
كرونق القصيدة .. 
كحزم من نور ،
تأتينا لتنير أواخر الليل..
كخاطرة طيبة
تنساب خلسة نحو الذاكرة ،
ومن ثم ، وبكل هدوء تنهمر وتنساب منا الدموع ،
دموع الخشوع
لك يا أيتها المرأة الأسطورة .. 
أواه يا لجمر هذه الدموع
 كلما حلت ذكراك العطرة ! 
كلما ازداد حفر ملحها في أقبية الجفون ..
فصرخنا بنشيج مثار:
- أواه يا أم الشهداء
  لا فرارا من ذكراك ،
  فهذا محال
  فدتك كل العيون التي ستبقى بخلودك حالمة .
 -4-   
وتجّول في ذاكرتنا معاني  تلك الأنشودة..
وتصير في أول ساعات الفجر
كبلابل تتلو أساريرها  في  ساعات السحر ،
 فمن أبصرها بروية ، أو تمعن جيدا في المآذن التي تزين القبب المذهبة لأئمتنا الميامين الأطهار ، والتي رصت كفيروزات صار نحتها ينّز منها عبق الأيمان والأمل الأمل الموشوم بالفرح.. الأمل الذي من فرط إحساسنا به صار كالجود الذي طالما سمعنا به ، ولكننا وبهمة الغيارى ومن هذه البقعة سنراه .. بل وسنلمسه في يوما ما بعزيمة كل أعلامنا ، والرجال الغيارى وفقهم الله جميعا .. ليكون صوتهم موحدا كما كان صوتها
كعصف لا يهدأ ولا يحد ..
بعد أن أمسى يأتينا كل عام من آخر الدنيا ماخر عواء  صديد المحن..
حتى  ظننا أن بشراها والذي طالما حلمنا به ربما سيفاجئنا يوما !
 أو ربما سيأتينا في غير ميعاده بغتة.
فالإحساس بالفقدان قاعدة ، وكل ما عدى ذلك استثناء !                                     -5-
هو ذا مغزى أحجية الأسطورة التي سأتلوها ألان عليكم يا جمع أحبتي !
فمن كوكب آخر.. كوكب غير الأرض أو الشمس والقمر، ربما من نيزك ، أو جرم سماوي آخر ، لا أفقه أين هو يحلق بالضبط.. شعرت فجأة بأنني قد سقطت عنوة من إغفاءتي لطول شدي المفرط بتضحيات تلك المرأة الخالدة، ووجدتني وكأنني أسير في مدن كان دخانها يتصاعد كالهب الخانق ، في البدء ظننتها الفوهات الساخنة الواقعة في آتون براكين خط الاستواء ، ولما استفقت صدفة وعلى عجل  ، وجدتني أدور حول محور عازل كان يسمونه ممن لاقيتهم هناك مركز نواة الأرض ، إذ ذاك فطنت إلى نفسي وأنا اقف على شطان الوطن الآفل .. الوطن الأحب .. نظرت وبخشوع إلى طيف ممن ارتحلوا بركب الشهداء منذ أن توالت قوافلهم في الساعات الأول من فجر معارك الطف الخالدة ، كانت يداي مرفوعتان لله .. كانت كعذقان متدليان يتأرجحان صوب المنائر المذهبة التي ظل شعاع أقبيتها محفورة في ضمائرنا ، وعلى بعد أميال من تلك الأقبية كانت هناك ثمة من بيارق خضر تنثر همي ريح باردة ، كانت تطفي وبسلام آمن على كل بقع القارات المحترقة بين ثنايا هذا الكون المفتون بالدمار ، وكثيرا من حزم النور حيثما راحت تبدد الوحشة التي ملئت قفار كل الأمكنة والزوايا ، بعد ما كان لاشيء يضيء مفازاتها القصية التي كان لا يسكنها سوى ذلك الوهج الذي كان يلفينا بين الفينة والفينة من عصف صواريخ الدمار الذي خلفه الشرر المتطاير ، ومن أزيز رصاصات بنادق شرذمة المجامع الحاقدة .. غزاة الأرض الذين ألفونا من عالم أخر .. عوالم غير مأهولة لا وجود لها على سطح هذه الفانية .. جاءوا ليدمروا كل ما هو جميل على هذه الأرض المعطاة ، فبمجرد ضغطهم على زر صغير كانوا ولا يزالون يقتلون آلاف الأبرياء ، بل ويغتالون فرحة الأمل المتافق في عيوننا ، فلا تتعجبوا أن لم يتوانوا أبدا عن بقر البطون ، وتثليج العقول ، وقتل حتى الرضع ! لحظتها لم يعد يتملكنا سوى رعب تلك الهمهمات التي ما فتئت إلا أن يعلوها صراخا ينط من هوى الأفئدة ، فأواه يا لهذه القلوب ! أواه يا لهذا البكاء العارم ! والذي لا ينقطع جريانه بمجرد ذكر هدير عشق الوطن ..أحدهم قال ، وهو يخترق حشد من الواقفين على ناصيتي صوبي ذلك الشارع الذي فجرت نهرانه إحدى مفخخاتهم الحاقدة ، قال بعد أن شمر عن ساعديه وهو يرفع إحدى الجثامين الصغيرة إلى الأعلى لتعانق روحه عنان السماء:
- تعالوا !! انظروا ...هو ذا الطفل ( عبد الله ) الذي قتلوه في حضن أمه ، فلا تتعجبوا من هذا ، فبالأمس ذبحوا أبيه .. والان قتلوهما أمام أنظار الجميع وعلانية !
نعم اغتالوا عيونهما لأنها كانت تشع بفرح الأمل ، وها هو التاريخ يعيد نفسه ..فهلا تتذكرون ( عبد الله الرضيع ) ؟
ثمة طفلة كانت قد زينت ضفائرها بشرائطها المدرسية المذهبة ، كانت قد اندلقت باكية عند باب مدرستها القريبة من الحدث ، لما سمعت ساعتها دوي تلك الانفجارات الصاخبة ، قالت ، وشفتيها قد يبست منها زؤام الكلمات المرتبكة والتي يند منها الخجل:
- انظروا إلى فياء تلك الأشجار !! أنظروها جيدا.. كيف صارت موحشة بعد أن قتلوا عصافيرها ذات الزقزقة اليتيمة بشظية طائشة ، مسكينة تلك العصافير والتي كانت قد عادت  للتو من هجرتها لتهنئا من جديد بأعشاشها بعد طول سنين هجرتها.. مسكينة هي تلك العصافير حيث أبت أن لا تموت في غربتها .. وانما أصرت على الموت هنا حيثما هو وطنها ! 
أما المعزيين الذين توافدوا على سرادق مآتم الشهداء ممن قتلوا جورا وظلما .. فقد حزموا أمرهم فيما بينهم على قرار ألا وهو:
- أن الإرهاب لا دين له ، وهو يبقى العدو اللدود للشعوب المضطهدة !
وبضع من نفرهم الضال .. ممن أرادوا المجازفة ليدمروا كل ما هو جميل لنا بأحزمتهم الناسفة ، اصطدموا بذلك الجدار .. جدار صارت تغلفه وحدتنا !
وبدون انفعال مثار .. يتردد السؤال الذي ما برح أن يختلج من أفكارنا:
- متى الانتصار على الإرهاب الذي لا يخلف سوى الدمار ؟
وهنا يبزغ قمر صبرك الفتي يا سيدتي الزهراء ..
يا من خلدك الزمن .. وهنا ينط شعاعك الآفل بالسحر من بين الكواكب التي برؤاك لازالت حالمة ، يوم أشرقت شمسك من هناك كالكلمة التي أشهرت حروفها بوجه الأمويين ، كان لمعان أشعتها .. كالحزم ، وكأنها هالات فرحة نصرك الذي راح ينث منه الأمل ، وكأنه يبدد الوحشة المظلمة ، صار كالزهو الذي يرسم لنا أمانينا القادمة ، وأمست الجموع ، كل الجموع تهتف من لحظتها لتنادي بوحدة الكلمة:
- رغم انهم قتلوا نبضات الحب في صدورنا ،
 رغم انهم حطموا صحون الانتظار.. 
ألا أننا ابتدعنا صمودنا
من كفن الشهداء ..
ففدتك قلوبنا يا سيدتي فاطمة الزهراء   
فلا فرارا من حبك  ،
وكذلك أنت يا وطني ..
وحيثما ستبقى في عيوننا أمل مستنير  
هو ذا أخر قرارا : 
- انه لا فرار من حبكما
هذا محال !

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=5040
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 04 / 17
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 08 / 17