• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الخليفة عمر.. ومكتبة الاسكندرية. .
                          • الكاتب : احمد كاظم الاكوش .

الخليفة عمر.. ومكتبة الاسكندرية.


 جاء في تاريخ مختصر الدول لأبي الفرج الملطي عند كلامه عن فتح مصر على يد عمرو بن العاص ما نصه: وعاش (يحيى الغراماطيقي) إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية، ودخل على عمرو، وقد عرف موضعه من العلوم فأكرمه عمرو، وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها أنسة ما هاله، ففتن به. وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع، صحيح الفكر، فلازمه وكان لا يفارقه. ثم قال له يحيى يوما: إنك قد أحطت بحواصل الإسكندرية، وختمت على كل الأصناف الموجودة بها، فمالك به انتفاع، فلا نعارضك به، وما لا انتفاع لك به فنحن أولى به. فقال له عمرو: ما الذي تحتاج إليه؟. قال: كتب الحكمة التي في الخزائن الملوكية. فقال عمرو: هذا لا يمكنني أن آمر فيه إلا بعد استيذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. فكتب إلى عمر وعرفه قول يحيى فورد عليه كتاب عمر يقول فيه: ... وأما الكتب التي ذكرتها، فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى، وان كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه. فتقدم بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية، وإحراقها في مواقدها، فاستنفدت في مدة ستة أشهر فاسمع ما جرى وأعجب.
هذه الجملة من كلام الملطي ذكرها جرجي زيدان في تاريخ التمدن الاسلامي برمتها. يقول الأستاذ جرجي زيدان: والمؤرخون من العرب وغيرهم مختلفون في كيفية ضياعها. فمنهم: من ينسب إحراقها إلى عمرو بن العاص بأمر عمر بن الخطاب، ويستدلون على ذلك ببعض النصوص العربية، وأشهرها أقوال أبي الفرج الملطي، وعبد اللطيف البغدادي، والمقريزي، والحاج خليفة. ومنهم: من يجل العرب عن ذلك ويطعن في تلك الروايات ويضعفها. وقد كنا ممن جارى هذا الفريق في كتابنا (تاريخ مصر الحديث) منذ بضع عشرة سنة، ثم عرض لنا بمطالعاتنا المتواصلة في تاريخ الإسلام، والتمدن الإسلامي ترجيح الرأي الأول.
وكان العرب في صدر الإسلام يقومون بمحو كل كتاب غير القرآن، بالإسناد إلى الأحاديث النبوية، وتصريح مقدمي الصحابة.
وقال عبد اللطيف البغدادي المتوفى 629 الهجري في الإفادة والاعتبار: رأيت أيضا حول عمود السواري من هذه الأعمدة بقايا صالحة بعضها صحيح وبعضها مكسور ويظهر من حالها إنها كانت مسقوفة والأعمدة تحمل السقف وعمود السواري عليه قبة هو حاملها. وأرى إنه الرواق الذي كان يدرس فيه أرسطو طاليس وشيعته من بعده وأنه دار المعلم التي بناها الإسكندر حين بني مدينته، وفيها كانت خزانة الكتب التي أحرقها عمرو بن العاص بإذن عمر رضي الله عنه.
وقال الأستاذ نبيل فياض: على الصعيد الحضاري - الإنساني، يبرز لعمر موقفان هامان:
أولا: موقفه من أهل الكتاب من العرب الذين حاربوا إلى جنب الجيش العربي الإسلامي في العراق. فقد عامل هؤلاء، بعد انتهاء الحروب بقسوة بالغة الأمر الذي ما تزال بقايا من آثاره موجودة في مجتمعنا حتى الآن. رغم مخالفة موقف عمر هذا لما يقول به القرآن الكريم، وما أوحت به السنة النبوية.
ثانيا: إحراقه مكتبة الإسكندرية. فقد ذكر جمال الدين القفطي في كتابه (أخبار العلماء بأخبار الحكماء): أن عمرو بن العاص (أرسل إلى عمر بن الخطاب يسأله في أمر مكتبة الإسكندرية، فأجابه: إذا كانت هذه الكتب تتفق مع ما جاء في كتاب الله فلا تمس، وإذا وجد فيها ما لا يوافق كتاب الله فتحرق، فأمر عمرو بأن توزع الكتب على حمامات الإسكندرية وتستخدم كوقود لها، واستغرق حرقها ستة أشهر، حتى استنفدها جميعا.... وكان عدد حمامات الإسكندرية آنذاك أربعة آلاف حمام.
لكن: كيف استطاع ابن العاص التأكد من أن كل هذه الكتب لا توافق (كتاب الله)؟! لقد حاول بعض كتابنا دفع تهمة إحراق مكتبة الإسكندرية عن عمر، معتمدين في ذلك على رأي يقول: إن الذي أورده هذه القصة هو أبو الفرج بن العبري - غير موثوق كيهودي تحول إلى السريانية الإرثودكسية، لكن الحقيقة إن أول من أورد هذا الخبر هو الكاتب عبد اللطيف البغدادي، المعروف بابن اللباد، الذي أقام في بلاط صلاح الدين الأيوبي في القاهرة عشرة أعوام وتوفي عام(1331م) فقد جاء في كتابه (الإفادة والاعتبار بما في مصر من الآثار)، عن الإسكندرية ما يلي: وفيها خزانة الكتب التي حرقها عمرو بن العاص بأمر من عمر بن الخطاب. وذكر بعده الخبر بتفاصيل أكثر ابن القفطي المتوفى عام (1248م) ، ثم ابن العبري (توفي عام 1268م) في مختصر تاريخ الدول. ثم أبو الفداء (توفى عام 1331م) في تاريخه وأشار إليه المقريزي (توفي عام 1441م) في خططه، في حديثه عن عمود السواري.
من ناحية أخرى فإن فهمنا لشخصية عمر بن الخطاب يؤدي بنا حتما إلى عدم استغراب صدور تصرف كهذا عنه. ذكر الزهري عن عروة: أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن النبوية فاستفتى أصحاب رسول الله فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا. وعن أبي وهب، قال: سمعت مالكا يحدث أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب هذه الأحاديث، أو كتبها ثم قال: لا كتاب مع كتاب الله. وعن يحيى بن جعدة قال: أراد عمر أن يكتب السنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار من عنده شيء فليمحه.
وفي فهرست ابن النديم المتوفى 385 إيعاز إلى تلك المكتبة المحروقة قال: وحكي إسحاق الراهب في تاريخه ابن بطولوماوس فيلادلفوس من ملوك الإسكندرية لما ملك فحص عن كتب العلم وولى أمرها رجلا يعرف بزميرة فجمع من ذلك على ما حكي أربعة وخمسين ألف كتاب ومائة وعشرين كتابا . وقال له : أيها الملك قد بقي في الدنيا شئ كثير في السند والهند وفارس وجرجان والارمان وبابل والموصل وعند الروم. 
ومؤسس تلك المكتبة هو بطليموس الأول وهو الذي بنى مدرسة الإسكندرية المعروفة باسم الرواق وجمع فيها جميع علوم تلك الأزمان من فلسفة ورياضيات وطب وحكمة وآداب وهيئة وكانت المدرسة توصل للقصر الملكي، وبويع لولده بطليموس الثاني - الملقب بفيلادلفوس (أي محب أخيه) - بالملك حياة أبيه قبل موته بسنتين سنة خمس وثمانين ومائتين قبل الميلاد أي سنة سبع وتسعمائة قبل الهجرة وله من العمر أربع وعشرون سنة ومات سنة ست وأربعين ومائتين قبل الميلاد أي سنة ثمان وستين وثمانمائة قبل الهجرة فكانت مدة حكمه ثمانيا وثلاثين سنة ، وكان على سيرة أبيه في حب العلم وأهله والعناية بخزانة كتب الإسكندرية وجمع الكتب فيها. وكان رأي الخليفة هذا عاما على جميع الكتب في الأقطار التي فتحتها يد الاسلام قال صاحب (كشف الظنون) 1 ص 446: إن المسلمين لما فتحوا بلاد فارس وأصابوا من كتبهم كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في شأنها وتنقيلها للمسلمين فكتب إليه عمر رضي الله عنه: أن اطرحوها في الماء، فإن يكن ما فيها هدى؟ فقد هدانا الله  بأهدى منه، وإن يكن ضلالا ؟ فقد كفانا الله . فطرحوها في الماء أو في النار فذهبت علوم الفرس فيها.
وقال في أثناء كلامه عن أهل الاسلام وعلومهم: إنهم أحرقوا ما وجدوا من الكتب في فتوحات البلاد.
وقال ابن خلدون في تاريخه: فالعلوم كثيرة والحكماء في أمم النوع الانساني متعددون، وما لم يصل إلينا من العلوم أكثر مما وصل، فأين علوم الفرس التي أمر عمر رضي الله عنه بمحوها عند الفتح؟.
وفي هذا الصدد يقول العلامة الأميني: ليس النظر في كتب الأولين على إطلاقه محظورا ولا سيما إذا كانت كتبا علمية أو صناعية أو حكمية أو أخلاقية أو طبية أو فلكية أو رياضية إلى أمثالها، وأخص منها ما كان معزوا إلى نبي من الأنبياء كدانيال إن صحت النسبة ولم يطرقه التحريف، نعم: إذا كان كتاب ضلال من دعاية إلى مبدء باطل، أو دين منسوخ، أو شبهة موجهة إلى مبادئ الاسلام يحرم النظر فيه للبسطاء القاصرين عن الجواب والنقد، وأما من له منة الدفع أو مقدرة الحجاج فإن نظره فيه لإبطال الباطل وتعريف الناس بالحق الصراح من أفضل الطاعات. ولا منافاة بين كون القرآن أحسن القصص وبين أن يكون في الكتب علم ناجع، أو حكم أو حكمة بالغة، أو صناعة تفيد المجتمع، أو علوم يستفيد بها البشر، وإن كان ما في القرآن أبعد من ذلك مغزى، وأعمق منتهى، وأحكم صنعا، غير أن قصر الأفهام عن مغازي القرآن الكريم ترك الناس لا يستنبطون تلك العلوم، مع إخباتهم إلى إنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، فالمنع عن النظر في تلك الكتب جناية على المجتمع وإبعاد عن العلوم، وتعزير الناظر فيها لا يساعده قانون الإسلام العام كتابا وسنة. والله يعلم ما خسره المسلمون بإبادة تلك الثروة العلمية في الإسكندرية وتشتيتها في بلاد الفرس من حضارة راقية، وصنايع مستطرفة لا ترتبطان بهدى أو ضلال كما حسبه الخليفة في كتب الفرس، ولا تناطان بموافقة الكتاب أو مخالفته كما زعمه في أمر مكتبة الإسكندرية العامرة، وما كان يضر المسلمين لو حصلوا على ذلك الثراء العلمي؟ فأوقفهم على ثروة مالية، وبسطة في العلم، وتقدم في المدنية، ورقي في العمران، وكمال في الصحة، وكل منها يستتبع قوة في الملك، وهيبة عند الدول، وبذخا في العالم كله، وسعة في أديم السلطة، فهل يفت شئ من ذلك في عضد الهدى؟ أو يثلم جانبا من الدين؟ نعم أعقب ذلك العمل الممقوت تقهقرا في العلوم، وفقرا في الدنيا، وسمعة سيئة لحقت العروبة والاسلام، وفي النقاد من يحسبه توحشا، وفيهم من يعده من عمل الجاهلين، ونحن نكل الحكم فيه إلى العقل السليم، والمنطق الصحيح. على أن الخليفة كان يسعه أن ينتقي من هذه الكتب ما أوعزنا إليه مما ينجع المجتمع البشري، ويتلف ما فيه الالحاد والضلال، لكنه لم يفعل ومضى التاريخ كما وقعت القصة.

 


كافة التعليقات (عدد : 2)


• (1) - كتب : ابو ازهر الشامي ، في 2022/09/14 .

يا عمري انت رددت على نفسك !
لانك أكدت أن أول مصدر تاريخي ذكر القصة هو عبد اللطيف البغدادي متأخر عن الحادثة 550 سنة مما يؤكد أنها أسطورة لا دليل عليها !
فانت لم تعط دليل على القصة الا ابن خلدون وعبد اللطيف البغدادي وكلهم متأخرون اكثر من 500 سنة !


• (2) - كتب : نبیل محمد حسن ، في 2015/02/13 .

بسم الله الرحمن الرحيم
الاخ كاتب المقال ، هناك بحث عنوانه (إحراق مكتبة الاسكندرية بين الأقباط والمسلمين والآرثوذكس) تناول موضوع حرق مكتبة الاسكندرية بطريقة موضوعية ، اتمنى ان تطلع عليه ، وهذا رابطه:
http://nabilalkarkhy.com/new_page_108.htm

تحياتي.





  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=51182
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 09 / 19
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 11 / 30