• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : قوقعة الشعر وحياة الشعراء العراقيين .
                          • الكاتب : جمعة الجباري .

قوقعة الشعر وحياة الشعراء العراقيين

 منذ قرون خلت، لم يكن عالم النثر جذاباً أو مترفاً، وايضاً لم يكن مشاكساً في مسيرته؛ بل كان النثر خشن النبرة، عارياً عن الحلم، خالياً من المغامرة.. بيد انَّه كان "نافعاً بطبيعته" كما يقول (سارتر) وطيعاً وعملياً على الدوام.. مقابل ذلك عاش الشعر بتحديه الازلي له  في عالم الترف والشغف والخيال الجامح والمغامرة والعذوبة بين القصور واروقة الادب واجنحة الادباء والشعراء، يبتل بانين الروح، يتماهى مع تشوفاتها الغامضة الحارة؛ يغدق على مسامع القاصي والداني سمفونيات الحان الحياة وتباريح الوجدان وابتهالات النفس البشرية الاثمة، وتنهدات الروح الملآى بعذابات الدنيا، وسعادات الانسان المغتبط.. الشعر تنفيس الشاعر عن زغاريد الحياة المؤلمة، وتوجعات الحيثيات العميقة، وانجرافات الخيال الطائشة، وتمنيات الذات؛ لافاق اجمل، وخيالات كونية طائرة الى فضاءات لا وجود لها في عالم الواقع المتشابك السقيم.. الشعر تعبير عن ماورائيات النفس البشرية المعذبة، الدالة على واقع مغبر وسوداوي مليء بتدرجات اللون الرمادي، هو عبارة عن قراءة شفافة لكينونات الانسان في عالم الغيبيات والاماكن المظلمة للذات، والجانب الاخر من الحياة..
هذا هو رأيي عن الشعر؛ وللنقاد والشعراء والكتاب آراء مختلفة حول كينونة الشعر وماهيته: يقول عنه  
(زكي نجيب محمود) حين قارن بين (صلاح عبد الصبور) و (محمود عماد) و (محمود حسن اسماعيل) ليخلص بعد نقاشه و مقارنته إلى: "ان الذي لاتخطئه العين هو الاختلاف في الشكل , في القالب, في الإطار، فهاهنا اذن يجب ان يكون النقاش، فالجديد يتميز بتخففه من الالتزام الشكلي، فهو ان حافظ على شيء من الوزن فهو لايريد ان يلتزم بالقافية، فمهما يقل الشعراء الجدد ومهما يقسموا بالله العظيم كما اقسم صلاح عبد الصبور في احدى مقالاته، بل انه جعل هذا القسم عنوانا لمقاله أنهم ينظمون شعرا موزونا فلا اظنهم ينكرون ان مدى التزامهم اقل من مدى التزام الشاعر الذي يحافظ على عمود الشعر الموزون".
وقالت (غادة السمان) عن الشعر: "الود مفقود بيني وبين التعابير النقدية, انها غالبا لاتمثل لي شيئا, اصطلاح (الشعر العربي المعاصر) مثلا لا يرضيني, بالنسبة لي هنالك شعر جيد و شعر رديء وبالاحرى لا شعر، الشعر الجيد هو دوما معاصر بطريقة ما ويمس وترا في اعماق الانسان, في كل زمان ومكان. في حقل الشعر يحدث الآن ما يحدث باستمرار وفي امكنة أخرى : هنالك شعراء يبدعون وهم ندرة وهنالك من لا".
(جميل صدقي الزهاوي) واحد من الذين دعوا إلى نظم الشعر، سواء كان على أوزان الخليل أو غيرها، حيث قال عنه: "لعمرك ليس الشعر شيئا هو الوزن، ولا هو لفظ ضاق عن فهمه الذهن، بل الشعر معنى رائع يوقظ الهوى، ولفظ رقيق مثلما يطلب الفن.. إذا كان معنى الشعر ينظمه الفتى جميلا ورق اللفظ ؛ تم له الحسن، إذا مابه غنى المغنون هاجني، فربما غنوا سروري أو الحزن، أنْ الشعر لم ينهض بآداب أمة، إذن خابت الآمال في الشعر و الظن".
لاشك أنَّ التعاريف الكثيرة للشعر ابهرَ الشعراء والنقاد وجعلتهم يدورون في حلقة مفرغة، مما حدا بي اللجوء الى ابسط تعريف لي وهو: "تعبير عن خوالج النفس وارهاصاتها المعذبة" اذ انَّ العذابات البشرية هي التي تدفع بالشاعر الى استشعار الكلمة واستنطاقها لتخرج بالتالي تعابير تدخل الى الوجدان دون استئذان؛ كونها تعبر عنا جميعاً، لانها هي ذاتها التي نكابدها ونعانيها يومياً وابداً..
اساليب الشعراء للتعبير الشعري والدق على مفاتيح الكلمات كثيرة، والشاعر الجهبذ هو الذي يجد عبر تلك الاساليب طريقاً مختصراً الى النفاذ لقلوب القراء وايصال صوته لمسامعهم باقل قدر من الجهد..
الشعراء العراقيون لهم باع طويل في الكتابة، لهم مع الشعر ودٌّ عميق وصداقة مؤلمة وعداوة قوية.. يحاولون مسايرة الواقع عبر كلمات قصائدهم لينهضوا من جديد اثر الكبوات المتتالية لبلادهم التي تعصف بها الرياح، وتقلق مهجعها..
الانين والحنين – الالم والسعادة – الحب والحرب – الجمال والقبح – الفوضى والنظام – التسيب والقانون – الثواب والعقاب – وهلم جرا؛ لم تعد هذه المصطلحات المتضادة سارية المفعول بتضادها في عالمنا اليوم؛ اثر تداخل كل الاشياء في بعضها وتخبط كل المفاهيم مع بعضها البعض، لدرجة اصبح الفساد في كل شىء سارياً وطبيعياً، وبات الطبيعي في كل شىء غريباً وعجفاً!
لايمكن لانسان سوي، متمسك بديدنه القديم الرصين، وقانون الحياة التليد، والاصول النبيلة؛ ان يعيش طبيعياً بين مخلوقات هذا الزمن، فهو "يغني خارج سربه" سربٌ يظن انه يطير على مسارٍ صحيح، والمغرد هو الذي ضل الطريق!! وبين كل هذه المتضادات المتشوهة، والمفارقات المؤلمة، والحيثيات الحزينة للواقع اليومي المعاش بين شريحة ضالة واخرى موجوعة وثالثة مدقعة الفقر؛ ظهرت في العراق شريحة شرسة كشرت عن انيابها؛ تقطع من اللحم العراقي؛ لتسد به نفقات ملذاتها وحياتها المترفة... كلُّ هذا يعصف بالشاعر العراقي ليأخذ موقع الدفاع عن الحياة عبر كلمات تكاد من كثر رومانسيتها ان تصبح ثورية نضالية؛ تبغي استرداد واقع مضى من الاباء والكبرياء والعزة والشموخ.. انه الشعر الذي يستطيع خلق اجواء مثالية. عالم اخر يصبغ الواقع المؤلم بدينونة التحرر ومسك السعادة.. فهنيئاً للشاعر العراقي الذي استطاع خلق تلك الاجواء والعيش في كونه السعيد؛ بعيداً عن تجاذبات الزمن العقيم والتافه، ليدعونا عبر قصائده للالتحاق به..




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=62536
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 05 / 30
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 05 / 11