• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : قضية رأي عام .
              • القسم الفرعي : قضية راي عام .
                    • الموضوع : قبسات الهدى (3): العصمة بلا عصمة عند شريعتي ! .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

قبسات الهدى (3): العصمة بلا عصمة عند شريعتي !

بسم الله الرحمن الرحيم
وقع الاختلاف بين الشيعة والسنة على (حدود) عصمة النبي (ص)، بل حتى بين السنة أنفسهم، وقد التزموا (في الجملة) بعصمة الأنبياء في (التحمل والتبليغ) أي تحمل الوحي وتلقيه وتبليغه للناس، فجعلوا العصمة مختصة بالجانب الديني التبليغي، والتزموا بإمكانية خطأ الأنبياء في غيرها من الجوانب.. فيما آمن الشيعة بعصمة الأنبياء في أوسع دائرة، ونزاهتهم عن كل خطأ وعيب ورذيلة ورجس ودنس في كل مجال..
بل التزموا بعصمتهم قبل البعثة كذلك، بل منذ ولادتهم، بل نزهوهم عما يخالف المروءة مطلقاً..

أما الدكتور شريعتي فقد قال في العصمة: وهي تعني أن قائد الأمة ومن بيده أمور الناس والمجتمع و يتحمل أعباءهم الدينية يجب أن يكون بعيداً كل البعد عن الفساد والخيانة والضعف والخوف والمداهنة، ولا يحدّث نفسه بارتكاب الرذائل أبداً، واعتقاد الشيعة بالعصمة جعلهم على الدوام في حصانة اجتماعية وفكرية تصونهم عن التلوث بمفاسد السلطات والقوى الجائرة. (الشيع العلوي والتشيع الصفوي ص250)

وللوهلة الأولى، يظن القارئ أن هذا هو معنى العصمة عند الشيعة فعلاً، لكنه يكمل فيرى أنه يفرق بين نوعين من العصمة، فيقول عن النوع الثاني منها: أما في التشيّع الصفوي فإن العصمة عبارة عن حالة فسلجية وبيولوجية وبار سيكولوجية خاصة لدى الأئمة تمنعهم من ارتكاب الذنوب والمعاصي، حسناً إذا كنت أنا مخلوقاً كذلك فلن أستطيع ارتكاب الذنوب حينذاك فما قيمة تقواي إذاً؟ ما قيمة التقوى الناجمة عن العجز عن ارتكاب المعاصي.(المصدر ص251)

ولا ندري من أين جاء الدكتور شريعتي بدعوى أن العصمة تمنع من ارتكاب الذنوب عند أحد من الشيعة قاطبة !! وهذا المجلسي رمز التشيع الصفوي عنده يحتج بكلام من سبقه من العلماء في نفي الجبر هنا ! فينقل في بحار الأنوار ج17 ص94الى96 آراء كبار علماء الشيعة في ذلك ويحتج به ومن ذلك:
الشيخ المفيد: والعصمة تفضل من الله تعالى على من علم أنه يتمسك بعصمته و الاعتصام فعل المعتصم و ليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح و لا مضطرة للمعصوم إلى الحسن و لا ملجئة له إليه بل هي الشي‏ء الذي يعلم الله تعالى أنه إذا فعله بعبد من عبيده لم يؤثر معه معصية له و ليس كل الخلق يعلم هذا من حاله بل المعلوم منهم ذلك هم الصفوة و الأخيار.
السيد المرتضى: اعلم أن العصمة هي اللطف الذي يفعله الله تعالى فيختار العبد عنده الامتناع من فعل القبيح فيقال على هذا إن الله عصمه بأن فعل له ما اختار عنده العدول عن القبيح و يقال إن العبد معصوم لأنه اختار عند هذا الداعي الذي فعل له الامتناع من القبيح‏.
العلامة الحلي: العصمة لا تنافي القدرة بل المعصوم قادر على فعل المعصية وإلا لما استحق المدح على ترك المعصية ولا الثواب و لبطل الثواب و العقاب في حقه فكان خارجا عن التكليف و ذلك باطل بالإجماع و بالنقل..(انتهى)

فماذا تعني العصمة التي أرادها الدكتور شريعتي إذاً ؟ وكيف نفهم عصمة النبي والإمام في سلوكياتهم ؟
يمكن فهم العصمة التي ذكرها والتي يؤمن بها من سائر الموارد التي تحدث فيها عن المعصومين عليهم السلام، ومن ذلك أقواله التالية:
1. اضطراب روح النبي بحثاً عن الحقيقة قبل البعثة
قال: محمد لم يهجر مكة في الفترة بين سنّ الخامسة والعشرين وبين الأربعين، إلا أن حياته انطوت على المرحلتين اللتين يقول بهما توينبي: فراق المجتمع والعودة إليه، سوى أن هاتين المرحلتين تحققتا في وجدانه المليء بالأسرار، وروحه المضطربة بحثاً عن الحقيقة.. (معرفة الإسلام ص261)
ثم يعود ويتحدث عن النبي وغار حراء قائلاً: ... لقد أنهكته الأفكار البعيدة والتأملات الأليمة التي تشابكت في روحه، كأنها لا تريد أن يستقر به المطاف. عاد إلى داخل الغار، وعادت نظراته الفاحصة واختفت في عينيه المتطلعتين إلى المجهول دون أن تفوزا بشيء جرّاء تأملهما ملياً في السماوات والآفاق البعيدة.(ص266)

2. اليأس يصيب النبي بعد البعثة فيتمنى الموت
ثم بعد أن نزل عليه الوحي يقول: غادر الغار فزعاً مذعوراً وانحدر صوب الوادي، الخوف يداهمه من كل صوب، يعدو مسرعاً علّه يصل إلى بيته... لقد استولى عليه الرعب والهلع بما لا يطيق... (معرفة الإسلام ص268)
فهو يرى أن النبي وبعد أن أوحي إليه وأصبح (نبياً) لا يزال يعيش تلك الحالة من اليأس !! فيقول أنه رجع للغار وفي إحدى المرات:
وشيئاً فشيئاً استلّ محمد نفسه من حالة اليأس والقنوط، أجهش باكياً، وثب من مكانه، خرج من الغار، كان مرهقاً للغاية، يعتريه القلق...
خلد محمد إلى النوم تلك الليلة، ولا أمل لديه بالغد !
.. وتوالت أيام اللوعة وليالي الانتظار... ثلاثة أعوام على هذه الحال، ولم يأت النداء. لقد انقطع الوحي ثلاث سنوات، وكل آن من آناتها تنوء بثقلها على صدر محمد لدرجة أنه يتمنى الموت، قتله الانتظار الطويل بلا طائل في جنح الظلام وأعماق الليل... حدّثته نفسه مرات بأن يلقي نفسه إلى أعماق الوادي، كيما يريحه الموت المحتوم من مخالب الحزن واللوعة التي تنشب بروحه ! (ص 274-275)

3. الله يوبّخ النبي (ص) !
يقول: كل ذلك على أساس قرآنه الذي وبّخ فيه نبيّه العزيز، لا شيء إلاّ لمجرد أنه عبس وجهه في وجه الأعمى الذي زاحمه وهو عاكف على تبليغ رسالة السماء وأداء وظيفته الإلهية في هداية الناس إلى الدين القويم .
لم يشفع ذلك له كلّه، فاستحق التقريع والعتاب بشكل صريح وواضح وعلى مرأى ومسمع جميع الناس بل جميع من يخلق منهم إلى يوم القيامة. وهذا يعني أن الإرادة الإلهية لم تكن مستعدة لأن تشمل بكرمها الواسع شخص النبي المصطفى رغم تضحياته الجسيمة وإيثاره العظيم، فتغفر له هذه (التعبيسة ) حفاظاً على كرامته وحرمته بين الناس، أو على الأقل يوبّخ ولكن ليس في القرآن الذي سيبقى مقروءاً إلى الأبد ! (التشيع العلوي والتشيع الصفوي ص271، وتعرض لذلك أيضاً في معرفة الإسلام ص377)

4. أخطاء النبي كثيرة !
يقول: ليست قليلة تلك الآيات القرآنية التي تنتقد النبي وتسجل عليه أخطاءً وملاحظات، بل هي أكثر من الآيات التي تمدحه وتشيد به، وهذا في نفوس من يرون الحب أرفع منزلة من المدح والثناء، هو من أرفع سمات محمد وأحلى ما قاله الرب فيه... ولعل هذا هو تفسير المقولة الرائعة: حسنات الأبرار سيئات المقربين !
ومحمد كان يتلقى هذه العتابات برحابة صدر واستئناس منقطع النظير، ويظل يردّدها في كل مكان، ويكأنه يفتخر بها! (معرفة الإسلام ص378)

5. النبي لا يعرف القراءة والكتابة
النبي أمي لا يعرف القراءة والكتابة: قال عنه (ص): إنسان (أمّي) محروم من نعمة الكتابة والقراءة (معرفة الإسلام ص199 و200) ويقول: النبي لم يكن يعرف القراءة والكتابة (ص379)

6. جهل النبي بالكثير من الأمور يتركه في طريق التكامل
النبي في تكامل ولا يعرف كل اللغات: قال: الشخص المسلم قد يقبل التكامل في كل شيء إلا التكامل على شخص النبي، إذ لا نقص في النبي - في نظر المسلم - حتى يكمل.
إن عوام المسلمين يذهبون في تصوراتهم عن النبي إلى مستوى اعتقادهم بأنه يتقن كل اللغات ويطلع على جميع الأسرار ويحيط بالعلوم كافة، فأي مجال للتكامل بعد ذلك ؟
توجد روايات وأحاديث حول خلقة النبي تتضمن التصريح بأن نور النبي قد خلق قبل خلق العالم ومن ثم خلق العالم وخلق آدم فحل فيه النور المحمدي.
وفي ضوء ذلك فإن خلق محمد كان فعلاً إعجازياً خارج إطار المادة وقوانينها.
هذا في حال أن صورة محمد في القرآن تختلف كثيراً، فهو إنسان يجدّ ويجتهد دائماً ليصبح أكثر كمالاً وفضلاً.
والقرآن نفسه يحث النبي على تكرار الدعاء التالي (وقل رب زدني علماً) ويفهم من ذلك -ضمنياً- أن قانون التطور المعنوي العلمي صادق حتى في حق النبي، فهو أيضاً في حالة تكامل وتطور، بل أن التكامل والازدياد هي أعظم نعمة يطلبها النبي من ربه. (معرفة الإسلام ص121)

7. علي يتردد في قبول دعوة النبي للإسلام
وعلي يتردد في قبول دعوة النبي: من ثم دعا محمد عليا لإنكار الآلهة، وتلا عليه ما أوحي إليه من آيات. علي ما زال صبيا صغيرا لم يتجاوز الثامنة من العمر، وهو ربيب محمد ويؤمن به إيمانا مطلقا، لكن أنّى لرجل عجنت فطرته بالاستقلال والاستقامة أن ينقاد بهذه السهولة لعقيدة أو يتظاهر بالانقياد لها كذبا؟! فكان أن قال:
(أمهلني أفكِّر بالأمر أو أستشير أبي!)
ترك علي الغرفة، واتجه مباشرة نحو فراشه، وأمضى تلك الليلة يفكر في تلك الدعوة، وفي الآيات التي تلاها عليه محمد، وفي محمد نفسه ورسالته، وفي الله، وفي الآلهة والأوثان.. كان يجسّم كل هذه الأمور في ذهنه، هجوم هذه الأفكار جميعا وتقاطرها عليه أبقاه مستيقظا حتى الصباح. وفي الصباح حسم موقفه لصالح محمد، كأنه أيقن أن هذا الأمر مما لا يستشار فيه! (معرفة الإسلام ص280-281)
وهنا يتبنى صريحاً عدم إيمان الإمام قبل إمامته الظاهرية، كما تبنى عدم إيمان النبي قبل جهره بالنبوة، بل وتردده بعد بعثته، وقد تكرر الأمر منه فذكر نظير هذا الكلام في (فاطمة هي فاطمة) ص179 وفي (الإمام علي في محنه الثلاث ص94-95) وفي الهامش كان النقل عن ابن الاثير في أسد الغابة ج4 ص92 (فلست بقاض أمراً حتى أحدث أبا طالب..)
وفي المقابل يلتزم بإيمان أبي بكر دون تردد! قال: كان هذا الشيخ خامس الناس إسلاماً، وأولهم من خارج بيت محمد.
أبو بكر بن أبي قحافة، التاجر المعروف ذو الوجاهة والنفوذ في اوساط قريش، يقبل بدعوة محمد ويؤمن به دون تردد (معرفة الإسلام ص287)

8. فاطمة تقول ما لا تفعل في حس طفولي
يقول: فيتبدل الإحساس الطفولي والحب الواله لهذه البُنية - والتي كانت قد كررت كثيراً أنها لن تتزوج ولن تترك أباها - يتحول تدريجياً إلى عهدٍ واعٍ، ويتخذ لوناً من المسؤولية والرسالة !(فاطمة هي فاطمة ص156)

9. خطأ النبي نوح وجهله
يقول: كلاّ ، لم يتوجّه نوح -عليه السلام –إلى ربّه بالمطالبة بإنقاذ ابنه إلاّ على أساس الوعد الإلهي السابق له بذلك : ولم يكن خطأ نوح هنا سوى أنه لم يكن يدرك بالضبط المراد الإلهي من اصطلاح (أهلك) ففسّره بما هو المعهود من هذه اللفظة بين أهل زمانه حيث تطلق على من تربطهم بالمرء رابطة الدم فيقال أنهم أهله ! (التشيع العلوي والتشيع الصفوي ص272)

هذه بعض موارد النقض على مكانة الأنبياء والأئمة.. ولها نظائر أخرى في كتبه سنتعرض لبعضها بعدها إن شاء الله.
وإذا أردنا أن نقارن بين معنيي العصمة لنرى أي عصمة هي التي يؤمن بها الشيعة (العلويون) حقاً.. نقارن بين رأي الدكتور شريعتي ورأي رمز التشيع الصفوي عنده ألا وهو العلامة المجلسي الذي نراه يقول:
- مذهب أصحابنا الإمامية و هو أنه لا يصدر عنهم الذنب لا صغيرة و لا كبيرة و لا عمدا و لا نسيانا و لا لخطاء في التأويل و لا للإسهاء من الله سبحانه..
- ثم اختلفوا في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: الأول أنه من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله سبحانه وهو مذهب أصحابنا الإمامية.
- العمدة فيما اختاره أصحابنا من تنزيه الأنبياء والأئمة ع من كل ذنب ودناءة ومنقصة قبل النبوة وبعدها قول أئمتنا سلام الله عليهم بذلك المعلوم لنا قطعا بإجماع أصحابنا رضوان الله عليهم مع تأيده بالنصوص المتظافرة حتى صار ذلك من قبيل الضروريات في مذهب الإمامية. وقد استدل عليه أصحابنا بالدلائل العقلية..(بحار الأنوار ج11 ص90-91)

فإذا كان المجلسي يوافق اعتقاد علماء الإمامية السابقين منهم واللاحقين في ذلك، ويخالفهم الدكتور شريعتي، فمن يكون المخالف لتشيع علي عليه السلام ؟ العلامة المجلسي أم الدكتور شريعتي ؟
وهل يكفي أن يصرح رجل باعتقاده ب(العصمة) ثم يلتزم بكل هذه الأمور مما (يبطلها وينقضها) ؟ فهل العصمة هي لفظ فارغ من المضمون ؟ وهي هي مختصة بالحالة الإنسانية والاجتماعية التي يهتم بها علم الاجتماع ؟!
أم ستكون حينها (عصمة بلا عصمة) ؟!

إن تطرق شريعتي للأبحاث من منطلق عالم اجتماعي او باحث حول (الانسان) كما يقول لا يمكن أن يكون مبرراً للالتزام بما يخالف عقيدة العصمة! إذ العلوم (التجريبية او الاختبارية) المبنية على التجارب أو التحليل لا يمكن أن تصمد أمام العقيدة التي لا بد وأن تبتني على أدلة قطعية لا تقبل الشك !
وستأتي الإجابة التفصيلية على هذه الشبهات الثمانية في القبسات الآتية إن شاء الله تعالى.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=64600
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 07 / 21
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 05 / 24