• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : قضية رأي عام .
              • القسم الفرعي : قضية راي عام .
                    • الموضوع : (يا جناب الأب. بالحقيقة) تكونون أحرارا .
                          • الكاتب : إيزابيل بنيامين ماما اشوري .

(يا جناب الأب. بالحقيقة) تكونون أحرارا

 كثيرة هي حواراتي إن لم اقل صداماتي مع مختلف رموز الأديان فلم تكن حواراتي حكرا على اليهودية والمسيحية لا بل هناك اشتباكات وقعت بيني وبين الوهابية التي تزعم انها تمثل الاسلام. وكذلك السلفية ومع بعض علماء البوذية والهندية لابل كانت لي اشتباكات مضنية مع الملاحدة. ومن طريف ما اذكره هو أن الشهرة هي التي تدفع البعض إلى تقحّم أسوار إيزابيل والتحرش بها فأنا مسالمة بطبيعتي وأدبي وهدوئي يسبقني في كل حوار حتى في أكثر حالات التصعيد التي يقوم بها بعض المحاورين من أجل هز جبهة صمودي الاخلاقية والانجرار وراء مهاتراتهم وسفاهاتهم. فلم يحصلوا مني إلا على الابتسام وعدم التحديق في وجه محاوري وهذا ما يدفعه للجنون فتظهر عوراته أمام الناس .

واقولها وبخجل وتواضع أني كنت دائما افوز عليهم وفي الحقيقة الصادقة في أكثر الأحيان عندما اقع في الحرج اجد الجواب حاضرا على لساني وكأن شخصا ينطق مكاني واقسم على ذلك. فلم اجد تبريرا لهذه الفيوضات إلا أني مؤمنة بالروح القدس الذي كنت احبه منذ نعومة اظفاري، حيث كانت عمتي مربيتي (1) هي من لقنني ذلك فتسلل الروح القدس إلى قلبي بصدق الطفولة وعفويتها، فكانت عمتي تُكرر على مسامعي في كل يوم بأن الرب يعطي الروح القدس لمن يحبونه ويتكلمون بصدق امامه (2).

آه منك يا عمتي هل اطمع من الرب يوما أن يعطيها الغفران الكامل وهي التي وضعتني في أول طريق الحقيقة ، فلا زالت كلماتها تداعب اذني إلى هذا اليوم : (يا إيز ، متى ما كنت مع الرب فإنه سوف يكون معك). طبعا هي تقصد الرب يسوع المسيح وهذا ما تعلّمته من الإنجيل وما لقنهُ إياه الآباء الفاسدين. ولكن ونتيجة علاقات عمتي الطيبة مع جيرانها المسلمين في مدينة الديوانية فقد تشبعت بحب الرب الذي تسمعه ولعدة مرات يوميا تُرددهُ المآذن في جنبات المدينة، ولذلك كانت دائما ما تُقسم بقولها : (والله العظيم) وفي يوم سمعتها تقسم بقسمٍ غريب حيث قالت لزوجها : (واخو عيسى) ، فاستغربت وسألتها وقلت لها لماذا لم تذكري لي من هو اخوعيسى، هل هو (يعقوب أويوسي أوسمعان أويهوذا)؟ فهي كانت تذكرهم كلما مررنا بالنص الذي يقول بأن مريم العذراء تزوجت من يوسف النجار ورزقت منه بأربعة أولاد هم اخوة يسوع. (3)

فقالت لي بأن اخوعيسى هو نبي المسلمين، فهم طيبون كرماء أمناء وهو علّمهم ذلك . فقلت لها نعم صديقاتي في المدرسة ايضا طيبات وأنا احبهن.

بعد هذه الفرشة الجميلة المطرزة التي فرَشتها نفسي على أديم أسماع أصدقائي الطيبين أقول:
مشكلتنا في الحوار في المسيحية وغيرها هي أننا لا نُحاور الآخر بما عنده ، بل نُحاوره بما عندنا وهذه انانية مقيتة لا يصل صاحبها إلا إلى طريق مسدودة . المفروض بأي متحاور أن يرى ما عنده أولا ثم يتناول ما عند الآخرين. كيف أحاور شخصا في قضية أعاني منها أنا ؟ ما يُدريني أن محاوري على اطلاع بما عندي فيوقع بي ويُخزيني أمام الناس؟

الانصاف هو أنك يجب ان تكون خاليا من الذنب الذي تريد اصلاح الآخرين منه كيف يقول الأعوج للآخرين استقيموا؟
وهذا ما يحصل لي دائما ويُحزنني أن أرى آباء مقدسين تعتمد عليهم المسيحية وتعتبرهم من افضل علمائها ولكنهم في حواراتهم مع الآخرين يُمزقون عقائد الناس ويُبعثرون أشلائها ويتغافلون عما عندهم من طامات. والمشكلة الأكبر هو أن المحاور الآخر لنفرضه مسلما ، هذا الآخر لا يعلم ما عند محاوره ولم يطلّع على كتبه فيُحاور مثلا شخصية مسيحية بآيات القرآن الذي لا يؤمن به محاوره ، والمسيحي يُحاور المسلم بقرآنه فيُثير عليه اشكالات من نفس كتابه فترى الآخر يبقى في موقع الدفاع ولا يقوى على شن هجوم معاكس لأنه لا يدري ماذا عند محاوره المسيحي.

متى نحضى بأكاديميين يحملون عقولا موسوعية تنطلق في حوارها من قاعدة علمية رصينة يركن إليها الناس ويستريحوا من هموم الصراعات العقائدية والمذهبية التي كلما طال امدها زاد عذاب الناس وكثُرت جراحاتهم.
من هذا المنطلق انطلق دائما في حواري مع الآخر فقبل اي حوار في اي قضية، أذهب أولا لأرى ما عندي وما هي نقاط الضعف والقوة فيما سوف اقوله ثم اواجه محاوري بحزمة من الإرادات الصعبة.

يضاف إلى ذلك انا لا اكذب، وهذه نقطة ضعفي. مشكلتي هي أني اذكر اسمي كما هو فيعمد محاوري إلى غلق الخط او طردي مباشرة وقبل البدء بالرد عليه، لأنه يعرف بأني لم أدخل للحوار إلا وفي جعبتي اشياء لا يرغب بسماعها . صحيح أني في أكثر الاحيان اندسّ متنكرة ، ولكن عندما يطلبوا اسمي اذكره كما هو فلا يتركوا لي مجالا للحوار.

ولكن من نقاط قوتي أيضا أني استغل التجمعات والمناسبات فأقوم بالرد المباشر امام الناس فلا يستطيع المحاور أن يهرب لأن الناس تريد منه الجواب فيقوم باللف والدوران والتهرب والتملص من الاجابة بشتى الاعذار ولعل اهم طوق نجاة يُرمى له هو (التلفون). فعلى ما يبدو أن الكثير من الآباء المقدسين يتفقون مع اشخاص يندسون بين الحضور او في الكواليس عندما يصل الحوار إلى نقطة اللاعودة ، يقوموا بالاتصال فيتذرع الاب بأنه وردته مكالمة مهمة سيعود بعدها لمواصلة الحوار ، ولكن هيهات ، وهل يرجع الطير إذا تحرر من قفص آسريه؟.

في حواري مع الاب الاقدس (سمعان يوسف بصري) حول اشكالية القرآن ونقصه وزيادته اعتمد هذا الاب على ما جاء في كتب أهل السنة صحيح البخاري ومسلم وغيره من كتب التفسير التي يزعم اكثرها بأن هناك زيادات ونقصان في القرآن وأن النعجة اكلت بعض الايات. وبعد انتهاءه من ذلك انهالت عليه الاسئلة من كل جانب ومكان. وكنت احد من رفع يده للسؤال . فقال تفضلي . فقلت له : يا ابتي لمعرفة الحقيقة يجب عليكم ذكر كافة الآراء ولا يجوز التوقف عند رأي واحد.

فقال : ماذا تقصدين ؟ فقلت له : انك ذكرت يا قداسة الاب رأي طائفة من المسلمين حول قرآنهم ولم تذكر رأي الطوائف الأخرى التي لربما تخالف رأي هذه الطائفة.

فقال من تقصدين ؟ فقلت له : اقصد طائفة الشيعة مثلا حيث انهم اكبر المذاهب الاسلامية ولهم رأيهم في مسألة الزيادة والنقص في القرآن.

فقال الأب الاقدس ساخرا : فليذهبوا ويتوحدوا اولا ثم يأتوا لنا برأي واحد نقبله وعندها سوف نُحاورهم. فإذا كانوا هم انفسهم لم يتحدوا على قول واحد فما ذنبنا نحن ؟

قابل الحاضرون جوابه بارتياح واستحسنوه .
فقلت له : يا جناب الاب اسمح لي أن اضرب لك مثالا. قال تفضلي . قلت له في المسيحية توجد مذاهب ــ كنائس ــ كثيرة حالها حال الإٍسلام ، ومنها خمسة كبرى لا تزال موجودة وهي (الكاثوليكية ، الارثوذكسية ، اللوثرية ، البروتستانت والانجيليين).(4) فكل كنيسة من هذه الكنائس ترى ما لا يراه الآخر حول الكتاب المقدس وتختلف في عقائدها اختلافا جوهريا أدى إلى صراعات مذهبية دموية مروّعة راح ضحيتها الملايين ، فهل يجوز لنا ان نتوقف عند رأي كنيسة دون الأخرى؟ فلماذا يا جناب الاب لا تطلب من الكنائس ـــ المذاهب ــ المسيحية الكبرى أن تتحد في رأي واحد ، كما تطلب من المسلمين ذلك ؟
فضجت القاعة واستحسنوا ذلك مني كثيرا ولكن البعض اعتبرني زائغة الإيمان لكوني أدافع عن المسلمين. فقلت لهم : المسألة ليست دفاع عن أحد ، وإنما المسألة هي دفاع عن الحقيقة التي مات من أجلها يسوع وعلمنا إياها فقال : (فقال يسوع للذين آمنوا به: إنكم إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي... بالحقيقة تكونون أحرارا). (5)

فسكت الجميع واتجهت الانظار لي . فقلت له : يا جناب الاب أنك تقول بأن هناك اختلافات في القرآن ولا أدري لماذا لم تُناقش الاختلافات في كتابنا المقدس وترفع الحيرة عن اتباع الانجيل وتترك ما للمسلمين لهم هم يحلون اشكالاته.فهل يجوز نقد كتاب المسلمين وكتابنا المقدس مليء بالندوب؟!
خذ مني يا جناب الاب هذه الفروقات واطلب منك تبريرها او وضع تفسير لها لكي يرتاح المؤمنين بيسوع فهي كانت السبب وراء انشقاق المسيحية إلى طوائف ومذاهب وكنائس، وهي اختلافات مصيرية بالنسبة لنا لأنها تؤسس إلى عقيدة الشك بالرب وهل فعلا يكون هذا كتابه ؟

خذ مثلا أهم فقرة في الكتاب المقدس وهي التي اسسست الايمان المسيحي وهي عقيدة الثالوث والتي ذكرها يوحنا الرسول في رسالته الأولى 5: 7 والتي جاء فيها : (( فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة ، الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد )).

لقد بقيَتْ هذه العقيدة طيلة الفين عام هي السائدة في المسيحية برمتها ولكن تبين أنها فقرة مزيفة ليست موجودة في الأصول اليونانية المعوّل عليها ، أي إنها فقرة دخيلة ليست من المتن وقد انتبهت الكنيسة أخيرا إلى هذا الخطأ المريع ، وبالفعل قامت بحذف هذه الفقرة المزيفة من كافة الترجمات والطبعات الحديثة ومنها على سبيل المثال: (الترجمة الرهبانية اليسوعية المطبوعة سنة 1986 ، ومن التراجم الكاثوليكية العربية الحديثة وتم حذفها من الترجمة الفرنسية المسكونية ومن ترجمة (لوي سيجو) الفرنسية وتم حذفها من جميع الترجمات الغربية الحديثة كالترجمة القياسية الانجليزية وغيرها). فقط البروتستانت ما زالوا يطبعون هذه الفقرة ضمن الترجمة العربية للكتاب المقدس عنادا وتميزا منهم لبقية الكنائس. (6)
فحصل لغط شديد في القاعة استغله الأب الأقدس ليُغطي على عجزه فقال : الستِ الآن انتِ ايضا احدثتي شقاقا في الكنيسة ؟
فقلت له لا يا جناب الأب الاقدس أنا لم أحدث انشقاقا وإنما قرأت في الأنجيل يقول في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي 22: 19(وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوة، يحذف الله نصيبه من سفر الحياة). أليس حذف هذا النص الكامل هو حذف من أقوال النبوة ؟؟

اليس الرب يقول في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي 22: 18 (لأني أشهد لكل من يسمع أقوال نبوة هذا الكتاب: إن كان أحد يزيد على هذا، يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب).

فقلت له : على ضوء ذلك يا جناب الاب إذا كان ما حذفوه زيادة فإن الرب سوف يزيد عليهم ضربات العقاب في الدنيا والآخرة . وإذا كان ما حذفوه ليس زيادة إنما هو من الاصل فهذا يعني حرمان من حذفه من نصيبه في سفر الحياة ، في الدنيا والآخرة.

صفق الحاضرون بشدة ، واضطر الاب الاقدس ان يُصفّق معهم وابتسامة صفراء تلوح على جوانب شفتيه، ولكنه لم يعط رأيه.

المصادر والتوضيحات.
1- ولمعرفة المزيد عن ذلك اقرأ الموضوع على هذا الرابط

http://www.kitabat.info/subject.php?id=31671
2- إنجيل لوقا 11: 13(الآب الذي من السماء، يعطي الروح القدس للذين يسألونه).
3- إنجيل متى 13: 55 (أليس هذا ابن النجار؟ أليست أمه تدعى مريم، وإخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا). إنجيل متى 1: 19(فيوسف رجلها إذ كان بارا).
4- اسئلة اللاهوت والايمان والعقيدة ، الاختلافات بين الطوائف المسيحية الكبرى. موقع ( AT.TAKLA ).وكذلك كتاب الفروق العقيدية بين المذاهب المسيحية - القس إبراهيم عبد السيد.
5- إنجيل يوحنا 8: 31 ـ 36 .
6- راجع كتاب الحياة والكتاب المقدس طبعة دار الكتاب المقدس في مصر.


كافة التعليقات (عدد : 2)


• (1) - كتب : فياض ، في 2021/12/27 .

ماشاء الله تبارك وتعالى، وفقكم الله وسدد خطاكم...

• (2) - كتب : imad shershahee ، في 2015/11/07 .

بارك الله عليك وآمنك يوم الفزع الاكبر بحق محمد وآل محمد الطاهرين . دوما تكتبين بقلب حاضر فنحضر معك شكرا



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=69797
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 11 / 07
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 08 / 17