• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : قصة .. ( أم الحشد ..).. .
                          • الكاتب : عبد الهادي البابي .

قصة .. ( أم الحشد ..)..

بعد أن حدثتّني الحاجة (أم حسين) عن قصص وحكايات الكثير من شباب الحشد الشعبي الذين مرّوا عليها في هذا المكان قبل توجههم إلى جبهات الحرب وأكلوا من طعامها وشربوا شايها (المهيّل) الذي - حسب ماسمعته منهم - يشبه الشاي الطيب الذي تصنعه أمهاتهم الجنوبيات في صباح أيام المدرسة .. صمتت أم حسين قليلاً كأنها تعبت من الكلام....مسحت يدها على وجهها.. ثم أستأنفت حديثها وثمة حشرجة ولوعة في صدرها ..قالت :
ولكن أكثر هؤلاء الذين جلسوا في نفس مكانك هناك - وأشارت بيدها الى مجموعة من أحجار طابوق البلوك الكبيرة مرصوفة بشكل نصف دائري قرب مكانها - وأكلوا من طعامي وشربوا الشاي وأبتسموا بوجهي كالبدور الطالعة لم يعودوا من الجبهة مرة أخرى .. ثم أجهشت بالبكاء (بطل حيلي عليهم ) كلهم راحوا ..شهداء وجرحى ..راحوا فدوة للعراق...!!
قلت: كلهم ..!!؟ ولكن لعلهم ذهبوا إلى مكان آخر وجبهات أخرى ياخالتي ..كيف عرفت أنهم أستشهدوا أو جرحوا هناك ..؟
قالت وهي تنظر إليّ بعين حانية شفيقة تشبه نظرات عيون والدتي آخر مرة رمقتني فيها وهي على فراش المرض : أنا في هذا المكان منذ أول يوم مصيبة سبايكر ..و كل من يذهب منهم إلى هناك ويعود في إجازة يمر يسّلم علي ..كلهم ..يأتون يزورون الإمامين - العسكري والهادي- ثم يمرون عليّ وكأنني والدتهم التي تنتظرهم بلهفة... ولكن الكثير منهم لم يأتوا ولم يمروا ..لقد خطفتهم المنايا وإصطلمتهم نار الحرب ..!!
بعد كلامها المؤثر في نفسي ترحمت على الشهداء ..ودعوة بالحفظ للباقين منهم..ثم إقتربت منها مبتسماً وقلت : يعني هل صرت أنا واحداً من أولادك ..وهل عندما لاأعود من هناك ستفتقديني مثلهم ؟
إنتحبت ..وقالت : إسم الله عليك وليدي ..محروس بالحسين ..! وراحت تتطلع بوجهي ...وتركز نظراتها في عيني ..ثم فاضت دموعها وهي تتمتم :
 أنت تشبههُ ..تشبهه عيناً ..!!
أشبه من ياحاجة .. من هذا الذي أشبهه عيناً ..؟
أنت تشبه حسن ..وليدي ..سباّح كلبي..!!
..................
بعد نصف ساعة مضت وأنا أستمع من أم حسين إلى قصتها الحزينة ،حيث فهمت منها  القصة كاملة ..ذهب ولدها الشاب (حسن) مع جماعته إلى قاعدة سبايكر لغرض التطوع هناك .. وبعد أقل من يومين من وصولهم الى القاعدة  دخل داعش إلى المنطقة وحدثت مجازر وحشية هناك ..ولم تعد تسمع الأم شيئاً عن ولدها، وإنقطعت الإتصالات معه تماماً ..ولكنها جائت من الجنوب إلى سامراء بنفسها لتعرف مصير ولدها ..وكلما أرادت الذهاب والبحث أكثر نحو سبايكر يمنعها الجيش لإن المنطقة أصبحت بيد داعش بالكامل ..بقيت أم حسين في سامراء وهي تنام في أحد هياكل المواكب الحسينية القريبة من الحضرة العسكرية ..ووجدت طريقة لتعيل بها نفسها ..فأستعارت بعض أدوات الطبخ والأواني الخاصة بالموكب وقامت بصنع الكبة والشاي وبيع لفات القيمر والجبن بالصمون والخبز للزوار والجنود بقيمة بسيطة..ثم جاء أبناء الحشد الشعبي في أول أيام الغزو الداعشي .. فتحلقوا حولها وأكلوا من طعامها الطيب وشربوا شايها وتعرفوا عليها وهم يسمعون دعواتها لهم بالنصر..فأحبتهم وأحبوها ..وكل من مّر عليها تحمله أمانة ..إذا وصلتم سبايكر شوفولي (حسن ) ...عدل لو (ميت).!! 
سألتُها : وأين والد حسين ..؟ 
رأيتُ كأن خفقة حزن مرّت على وجهها المتعب ..تثاقلت بكلامها ..أطرقت برأسها ..وكوّرت يديها في حجرها .. وبصوت خفيض فيه حشرجة وألم قالت: 
أبو حسين ..ذهب إلى بغداد لغرض معاملة تقاعد سنة 2008 وفي طريق الدورة راح بإنفجار سيارة مفخخة ..لم نجد من أبي حسين أي شيء ....
بس (عگاله) ..!!؟
إي ...بس (عگاله)....!!!!!
آه ياخالة ..مردتي گلبي ..!!
قضيت ليلتي أصارع الأرق قرب المرقد الشريف في سامراء ، لاأستطيع النوم وأنا أرى جثامين الشهداء تتوالى من جبهات القتال ..كل لحظة تأتي جنازة شهيد ملفوفة بعلم العراق وخلفها صيحات الله أكبر ..يدخلونها إلى الحرم  يصّلون عيلها هناك ..ثم ينقلونها إلى الجنوب ....أخذتني قشعريرة خاطفة وأنا أتخيل نفسي شهيداً ..شيء رائع أن أكون شهيداً للوطن ويأتون بي يحملونني على الأكتاف ملفوفاً بعلم العراق ....ومن بعيد أسّلم على ( أم حسين) ..وأعتذر منها ..لإني لم أجد (جثة ولدها حسن) ..ولكن ماأزعج خيالي وقطع علي حبل أحلامي ( أمي المريضة ) ..كيف بها لو رأتني ملفوفاً بالعلم ..لاشك بأنها ستفارق الحياة فوراً ..!!
......
حاولت إستراق بعض الوقت للنوم بعيداً عن ذاكرتي التي تعج بأحداث اليوم الأول ، لم أستطع .. أستيقظت في الصباح الباكر...كان عنوان الجهة التي سألتحق إليها في ورقة تستقر في جيبي ..كل لحظة أخرج الورقة وأدقق فيها ...إنطلقت بنا السيارات في طريق زراعي بإتجاه منطقة الدور ، وكلما تقدمنا أكثر تتباطيء حركة السيارة لخطورة الطريق ووجود بعض القناصة في البساتين ..كانت بوادر الموت تزداد كلما توغلنا في الطريق المؤدية إلى (سور شناز) ..
عند وصولنا إلى نقطة تفتيش ..أمرونا بالترجل من السيارة ..وأن نكمل الطريق مشياً على الأقدام كل إلى وحدته التي يقصدها .. كان معي بعض الشباب المتطوعين .. بقينا نمشي مسافة ساعتين ونصف سيراً على الأقدام في طرق وعرة مليئة بالأحراش والقصب والأشجار الكثيفة ..كنا نرى من بعيد أدخنة سوداء تتصاعد في السماء جراء القصف العنيف لهاونات الإرهابيين على عدة قرى قريبة ، في البداية لم نلحظ إنتشار كبير للحشد الشعبي في تلك المنطقة..ولكن خلال مسيرنا بين الأحراش لاقينا عشرات النازحين الفارين من هول الإشتباكات في منطقة العلم والدور وتكريت  وهم في طريقهم إلى سامراء  بحثاً عن فرصة للنجاة  تقيهم أخطار الأسر أو الموت والذبح على يد داعش .. كان الغالبية منهم أطفال ونساء وشيوخ ساروا لمسافات طويلة في طرق وعرة منذ عدة أيام ..!!
واصلنا سيرنا إلى عمق المنطقة لنصف ساعة أخرى ، كنا نستمع فيها دوي إنفجارات تهّز الأرض التي كنا نسير عليها ولا نعلم مصدرها، خلال الطريق رأينا آثاراً منتشرة لقواعد إمداد خلفية يبدو أنها لبقايا الجيش العراقي من خلال ألبستهم الملقاة على الأرض، تقدمنا قليلاً فالتقينا بمجموعة من رجال الحشد الشعبي الذين قالوا لنا : إن هذه المواقع بمثابة خطوط إنطلاق للوحدات والمجموعات المقاتلة من المتطوعين ..وعلى كل واحد أبراز عنوان وإسم مجموعته التي يريد الإلتحاق بها حتى ندله عليها ..
وصلنا إلى مقر وحدتنا المتمركزة قرب إحدى البلدات الصغيرة جنوب قضاء الدور.. كانت شوارع تلك البلدة تحكي قصص معارك لم يمر عليها وقت طويل، فرائحة الموت تزكم الأنوف في كل مكان ، ولا تزال الشعارات المؤيدة (لتنظيم الدولة الإسلامية ) باقية على جدرانها رغم إنتشار أعلام ورايات الحشد الشعبي  الموجودة بين مبنىً وآخر وسط كل ما يخيم بها من ركام وأنقاض...! 
كانت بعض العوائل التي لازالت تعيش هناك ..وهي بين نارين ..نار الخوف من الإرهابيين ونار القتال الذي سينشب قربها في أي لحظة ..
ما إن غربت شمس ذلك اليوم الأول الذي وصلتُ فيه إلى خطوط التماس مع العدو ، وحلّ الليل معتقاً بسديم عتمته..كنت أمّر بأول تجربة قتالية في حياتي ..حيث هاجمتنا المجموعات الإرهابية منذ اللحظات الأولى من الليل بالهاونات والقاذفات وأستمروا حتى الصباح..كان القتال يدور من شارع إلى آخر ومن شجرة إلى أخرى ..لم يكن المقاتلون من أبناء الحشد الشعبي منظمين في بداية الأمر ..رغم عزيمتهم وإندفاعهم البطولي في مواجهة عصابات داعش ورغم صدمة المعركة ورهاب الموت التي نالت منهم في بداية الأمر ..لكنهم إعتادوا عليها بعد ذلك ، وصبروا لها ..فهم تراهم يتناخون فيما بينهم ويتقاسمون همومهم كل ليلة ولو بمجرد نظرة مواساة ومؤازرة يتبادلونها مع بعضهم البعض، يتشبثون بخيوط الضوء وهي تصارع إحتضار النهار.. هي قصص بطولة وتضحية لامثيل لها ..هي قصص أموات بقوا على قيد الحياة، واقعهم أكثر قساوة من سرده ، وقد تعجز حروف كل لغات العالم عن وصفه كما هو....!!
مضى أكثر من عشرين يوماً على تواجدي في جبهات الحرب ..لم أصل إلى سبايكر ..ولم أف بوعدي لإم حسين ولم أبحث عن مصير إبنها المفقود (حسن) ..ولما سألت آمر مجموعتنا عن المسافة بيننا وبين سبايكر إبتسم وقال : كالمسافة بين الموت والحياة ..!! وعندما رأى علامات التعجب على وجهي قال : ولكننا سنصلها إن شاء الله ..إذا بقيت الحياة ..!
أخيراً ..هاأنا أنزل مع جماعتي من السيارة العسكرية التي أقلتنا من خطوط الأشتباك الأمامية حول تكريت ...هاهي سامراء ..نقطة الإنطلاق والتجمع نحو الجنوب حيث أفواج المتطوعين الذين يتدفقون منها وإليها كل لحظة تلبية لنداء الوطن ولوقف زحف داعش الإرهابي ..وهناك قرب ضريح العسكرين ..وبعد الوضوء جلست أعدل من هيئتي قبل أداء الزيارة ..دخلت إلى الضريح المبارك ..ودعوت الله أن يشافي أمي من (مرضها الذي أتلف صحتها) ..ودعوت الله أن ينصر المجاهدين العراقيين من الجيش وأبناء الحشد الشعبي على أعدائهم الدواعش  ..ودعوت الله أن يحفظ (أم حسين ..(أم الحشد) وأن يفرح قلبها بولدها ..
تذكرت أم حسين وبعد أداء الزيارة هرعت لرؤيتها ..وجدت القدور مغلقة ..وقوري الشاي لازال على الموقد ..سألت عنها بلهفة  .فقال رجل مسن قريب من المكان ..
أظنها ذهبت إلى (الشط ) ..!
وماذا تفعل عند الشط ياعم .؟ 
تذهب ..لعلها تجد جثة إبنها طافية من جهة تكريت ..لإنه في الأيام الماضية رأينا الكثير من شهداء سبايكر جائت جثثهم طافية مع مجرى الماء في نهر دجلة ..!
ركضت مسرعاً إلى النهر ...ومن بعيد لمحت سوادة منحنية على النهر وهي تردد بصوت كله عبرة ورجاء وحزن وبكاء : 
يمه حسن : آنه متانيتك يبعد أمك ..آه ..آه ..!! 
في الوهلة الأولى شعرت بأنها لم تكن تريد ان يُعزيها أحد ، فقد كانت تُعزي نفسها بنفسها والألم يعتصر فؤادها ..ولاتريد أن يسمعها أحد.!!
أردت أن أحتظنها ..فشعرتُ بالخجل ..ولكنها لما شعرت بي أقف بقربها ..رفعت وجهها بوجهي ونظرت في عيني ملياً ثم هتفت بصوت مبحوح : 
وليدي مسلم ؟...هله بيك يبعد رويحتي .. گرّت عين أمك بيك يالغالي ....ثم شرعت ذراعيها وأحتظنتني ..فشعرت بأني في حضن والدتي الحقيقية ..إلاّ إني إستغرب منها وهي تضمني إليها بقوة وتردد :  هله يبني (حسن ) أوف يمه ..أوف يمه (حسن) ياريحة الغالين !!
من حسن...؟ أنا لستُ حسن ..!!!
.......
عندما رجعت إلى البيت حدثّتُ والدتي بقصة (أم حسين) وكيف أنها بقيت في تلك المدينة البعيدة عن أهلها تتطلع إلى معرفة أخبار ولدها المفقود ....فنحبت والدتي وولولت كعادتها عندما تسمع بقصة حزينة ..وقالت بعبرة وحسرة : أويلاه عليهه ..الله يساعد گلبه ..الله يساعدهه حقها .. گلب والده ....!!
وفي تلك الإجازة أعطاني والدي دروساً عظيمة في حب الوطن والإلتزام بالأخلاق العامة والتفاني من أجل العراق وعدم إطلاق الشعارات الطائفية في تلك المناطق ..كما وعبّر لي عن سعادته كوني وأخي الأكبر نقوم بالدفاع عن العراق وقال بأنه يفتخر بنا ويرفع رأسه عالياً بنا وحثنّا على الصبر والجد والإجتهاد والإنتباه أثناء الحركة والقتال ...فشعرت بالحماس يدب في أعماقي من جديد ..!!
وأما والدتي فقبل عودتي إلى الجبهة بليلة واحدة رأيتها مع شقيقاتي - ورغم مرضها الشديد - تصنع كليجة بكمية كبيرة ..ولما سألتها عن عدم حاجتي لهكذا كمية فالطريق طويل والمتاع ثقيل ..قالت:  نصفها لك تأخذها معك وتوزعها على أصدقائك المقاتلين ..والنصف الثاني تعطيه لإم (حسين) وتسلملي عليها ..أريدها تدعولي بالصحة ..وأنا سأدعوا لها ولولدها يم شبا چ العباس.!!
وقبل أن أخرج من البيت أعطتني والدتي حاجة خاصة لإم (حسين) عبارة صرة قماش وضعت فيها عباءتها الجديدة التي لم تلبسها قط ..وقالت .. وليدي : هذه إمرأة بعيدة ومگطوعة عن أهلها ..ولعلها بحاجة لها أكثر مني ..!!
سافرت ليلا ً تفاديا ً للحر وبعد الفجر بقليل وصلتُ إلى سامراء .. ومن بعيد رأيت (أم حسين ) جالسة في مكانها المعتاد بين القدور والصواني وقواري الشاي ..ويتحلق حولها مجموعة من شباب الحشد الشعبي  .. عندما رأتني قادماً من بعيد عدّلت من هيئتها وقالت وهي مستبشرة : هله يمه ..هله بمسلم الغالي ..تعال يمي ..إنطيني حبّه (بوسه) ..شلونه أمك ..إن شاء الله زينه ..آنه أندعيتلها أمس يم شباچ علي الهادي ..أن يشافيها ويعافيها ...!!
 خجلت أن أعطيها الحاجات (الكليجة والعباءة) أمام الناس..ولكني إضطررت لذلك لإني كنت مستعجلاً بالسفر ..فلما فتحت كيس الكليجة شمّتها وراحت تردد :  أوف أوف ريحة أبا عبدالله ..ريحة كربله ..بعد عيني يكربله ...!!
ثم أخذت توزع الكليجة على شباب الحشد الشعبي المتحلقين حولها  ..وصبّت لهم الشاي وهي تقول : أدعوا لوالدة مسلم بالشفاء والصحة ..تره خطيه مريضة (عمت عيني عليها) ..!!
ماأعظمك ياأم حسين ...ماأعظم نفسك الطيبة ياأم (الحشد ) ..! 
بعد الشهور الأولى ومرحلة تثبيت العدو والنجاح الرائع في الدفاع ..تكاملت كتائب الحشد الشعبي وتطورت قدراته القتالية وأصبح بعد ذلك في تمام الجهوزية لتحرير الأراضي والمدن التي إغتصبها العدو الداعشي في بداية الإجتياح .. وفعلاً تم تحرير العديد من الأراضي والمدن والنواحي والأقضية في ديالى وحوض حمرين وشمال سامراء ..وقبلها كان تحرير جرف الصخر وآمرلي ..وأصبح الهدف الآن هو مدن محافظة صلاح الدين وأقضيتها الكبرى ..تكريت والدور والعلم وبيجي ..
كان قاطعنا في منطقة قصر العاشق ومنطقة (مكيشيفة) جنوب تكريت ..وكانت عبارة عن منطقة زراعية مليئة بالأحراش والبردي والقصب والأشجار الكثيفة ..وقد عانينا فيها كثيراً  وأعطينا العشرات من الشهداء والجرحى قبل طرد وإخراج الإرهابيين منها ..ثم إنتقلنا إلى مناطق أخرى ..
كنت أتمنى في نفسي أن أجد خبراً ما عن ( حسن) ...لإكون أول رسول لإم حسين يزف لها بشرى وجوده حتى ولو كان (شهيداً ) كما قالت هي لنا ذات يوم :
أنا لاأتمنى أن يكون إبني أسيراً عند داعش ...بل أتمنى أن يكون مختفياً في مكان ما ..أو شهيداً مع بقية جماعته ..حاله حال أخوه ( حسين) ..!
نعم(حسين) ..نسيت أن أقص لكم قصته وكما روتها لنا والدته ( أم الحشد ) ..قالت وثمة دمعة صافية تنحدرمن عينيها المتعبتين :
 حسين جندي محترف في اللواء  22 المشاة.....في ليلة زفافه إتصلوا به أن يلتحق بالواجب في منطقة الخالدية شمال الفلوجة عام 2014.. خفق قلبي عليه وقلت ولدي هل عزمت على الإلتحاق حقاً ...؟  كان عارف بمصيره.. كان مصمماً على الشهادة.. كان دائماً يقول لي إحنه رجال العراق .... إذا متنا.. هذا شرف إلنا..يمه إنتي ليش خايفة علينا ؟ ودعّنا والتحق بوحدته ..وبعد أن أكمل واجبه نزل في إجازة ليكمل ليلة عرسه ..وفي طريق أبو غريب تعرض إلى عمل إرهابي هو وجماعته فقاتلوا وحدهم قرب حائط بستان لمدة نصف يوم..وحتى بعد أن نفذ عتادهم ..لم يستسلموا للإرهابيين قاتلوا بحرابهم وبقايا بنادقهم حتى إستشهدوا جميعاً ..فقام الإرهابييون بقطع رؤوسهم وتركوهم جثثاً ملقاة على الطريق ..! 
ولكن أم حسين تقول : ولكن حسين لم يترك حرقة في قلبي مثل أخوه حسن ..لإن حسن  لازال صغيراً عمره 16 سنة فقط وهو آخر أولادي ..هو (بزر الگعدة) ..!!
بعد شهور من القتال العنيف وصلت طلائع الحشد الشعبي إلى القصور الرئاسية حيث أماكن القبور الجماعية المحتملة لضحايا شهداء إسبايكر ...وقاعدة سبايكر الجوية الواقعة في مدينة تكريت تعد أحد أكبر القواعد العسكرية في  العراق ... حيث تم فيها إحتجاز 1700 طالب عسكري من المواليد الحديثة كلهم دون (18 سنة ) وهم تحت التدريب في قاعدة سبايكر قرب مدينة تكريت عاصمة محافظة صلاح الدين (170 كم شمال غرب بغداد)، وبعد سقوط الموصل بيد داعش بساعات وعندما كان الطلبة يبحثون عن سيارات تنقلهم إلى أهلهم ومدنهم في الجنوب ، خرج عليهم المسلحون العراقيون الذين ينتمون إلى عشائر في المنطقة وأبلغوهم أنهم سيوفرون لهم سيارات تقلهم إلى بغداد.. وعندما أستقلها الطلاب تم أخذهم غدراً في عملية إختطاف جماعية إلى منطقة القصور الرئاسية التي شيدها الرئيس السابق الدكتاتور صدام حسين في مدينة تكريت ثم أحتجزوا في قاعات في داخلها وكان الإرهابيّون يخرجونهم على شكل مجاميع تضم المجموعة الواحدة بين 200 و300 فرداً ، ثم يعدمونهم جماعياً باطلاق الرصاص على رؤوسهم..كما وأرغم الارهابييون المئات منهم بالاستلقاء على بطونهم في أرض مكشوفة ثم إطلاق الرصاص على رؤوسهم وأجسادهم بطريقة مروعة ، وتم أيضاً إقتياد آخرين وإطلاق الرصاص على رؤوسهم ، واحدًا بعد الآخر، ورميهم في نهر دجلة الذي إصطبغ ذلك اليوم بلون الدماء القانية .!!... 
بعدها عثرنا على مقبرة جماعية وأخرى وثالثة ورابعة ..ولكننا لم نعثر على أي إسم لحسن أو أي شيء يدل عليه ..ولم يبق غير مقبرة جمعوا فيها الأطراف والرؤوس وبعض أجزاء الجسم من المقتولين ودفنوها في مكان واحد ..
لما رجعت وأخبرت أم حسين ..بأنه لايوجد إسم أو علامة تدل على ولدها ..سألتني هل هناك شيء آخر ..؟ فذكرت لها قصة المقبرة الخاصة بالأطراف والرؤوس المقطوعة دون وثائق ومستمسكات ..
بعدها نزلت إلى أهلي ..ثم عدت مسرعاً بعد سماعنا خبر الأستعداد للهجوم الحاسم على قلب مدينة تكريت وتحريرها نهائياً ..وكان محور تقدمنا يبدأ من ناحية العلم ...وفي طريق التقدم مررنا على مقبرة الأطراف والرؤوس المقطوعة ..وكم كانت دهشتي كبيرة حيث رأيت أم (حسين ) تجلس هناك  مع بعض أهالي ضحايا سبايكر ..وكان ثمة شيء ملفوف بين يديها  وهي منحنية عليه ..وقبل أن أسألها : هي من بادرتني :
أتذكر ..عندما كان عمر (حسن) 6 سنوات إلتوت يده من (العضد) في أول أيام المدرسة ..فلم ينم ليلته تلك من الألم برغم أني دهنتها له عدة مرات ..فمسكته بقوة وثبته بين فخذي ووخزته بالأبرة على عضده الصغير المتورم حتى سالت الدماء الفاسدة من يده وهو يصرخ... ولم أريد أن أشّوه يده الجميلة الصغيرة ..فوشمت في المكان عليها - كما كانت تفعل أمي رحمها الله - (صورة سعفة نخيل )..!! 
ولما فتحت (أم حسين ) ذلك الشيء الملفوف بخرقة بيضاء ..وإذا بذراع مقطوعة من الزند ومشوهة ..وثمة صورة (وشم السعفة) لازال واضحاً على عضدها ..!!
وقبل أن أودع ( أم حسين) لإلتحق مع جماعتي أنتبهت إلى شيء عجيب في تلك اليد المقطوعة ..رأيت كف حسن مقبوضة على أصابعها .إلاّ من سبابته (المدماة ) التي كانت تشير إلى جهة العدو ..وكأنه يقول لنا ..لاتتوقفوا ..إنطلقوا ..!!!!
فأنطلقنا ..!
....إنتهت ..

كافة التعليقات (عدد : 1)


• (1) - كتب : ابو كيان شريف باشا ، في 2017/02/05 .

بسم رب الشهداء والجرحى والمضحين
اللهم صل على محمد وال محمد ( وعجل فرج ال محمد)
انا حاليا في غرب مدينة تلعفر وهنا نقول بين الأصدقاء وصانا الى هنا يوما بعد يوم نتقدم مند بدا عمليات قادمون يا نينوى وقد حررنا هذه الارضي بدما الشهداء والجرحى



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=78582
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 05 / 18
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 11 / 30