• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : بصيرة الأعمى وعمى البصيرة .
                          • الكاتب : د . فراس مصطفى .

بصيرة الأعمى وعمى البصيرة

 مثلما للمبصر ذوق في تقييم البيئة المحيطة به والإعجاب بكل ما هو جميل, كذلك هو الحال للمكفوف الذي فقد بصره, فهو كالمبصر وربما أكثر في تذوق الأشياء عبر حاسته السادسة؟ مخطئ من يتوقع أن من ولد أعمى في هذا العالم لا يبدع كما يبدع المبصر فقد خلد التاريخ مكفوفين تركوا أعمالا أصبحت منارا للبشرية رغم أنهم لم يروا النور في حياتهم, وما المعري وبرايل وطه حسين وهيلين كير إلا شُعُعا من ذلك النور الساطع.

 
قبل أيام دعيت لمعرض فني في مدينة مونتبلييه الفرنسية وقد ضم المعرض تحفا ومنحوتات وقطعا أثرية قيمة كان قسم منها من مقتنيات متحف اللوفر الشهير وبعض المتاحف والمعارض العالمية التي لا تقل أهمية عن اللوفر وكان لحضارة وادي الرافدين وجودا قويا ونصيبا كبيرا فيه, وكغيره من المتاحف والمعارض فقد ضم تماثيل ومنحوتات نحتت ببراعة وأحجارا صماء حولها أجدادنا الى أجساد بشرية لم ينقصها سوى أمر الله كي تتحرك أو تتكلم؟
 
رغم روعة القطع المعروضة في هذا المعرض، لكنها لم تثر انتباهي بقدر ما أثاره مكفوفون كانوا يتحسسون برؤوس أصابعهم الرقيقة تلك التحف بتأمل ودقة, ممررين أناملهم على كل بوصة في جسد كل قطعة فنية معروضة لأن المعرض أعد في الأصل للمكفوفين مع دعوة بعض المهتمين بالآثار والقطع الفنية؟
 
لم أر في حياتي اهتماما كهذا, لا من حيث الأعداد ولا من حيث الرواد, فالفكرة غريبة, معرض ضخم بمحتوياته وترتيبه لمن لا يبصر والأغرب أن تجد مكفوفين يستمتعون بالتحف بأناملهم الرقيقة؟ إنهم ينظرون للجمال بقلوبهم ويمتعون خيالهم بتلك الأنامل السحرية ويحققون ما عجزت العيون من تحقيقه؟
 
الموضوع برمته يعطيك فكرة بأن للتاريخ قيمة وللحجر الميت قيمة ولإحساس الإنسان المعاق وذوقه قيمة مثلما لإحساس المعافى قيمة, هناك ثمة رابط بين تلك القيم رغم عدم اكتمال الصورة, لكل شيء معنى, فالأثر يربطك بالتاريخ ويجدد ذاكرة الانتماء لذلك التاريخ, لكنك بحاجة لعين ثاقبة لتأخذك بعيدا لعمق التأريخ, فكيف أذا كان ذلك التاريخ هو الذي منح الخصوبة لمجتمعات عقيمة؟ أليس غريبا أن يرى المكفوفون تاريخنا ونحن المبصرون لا نراه؟ فرق شاسع في أن يعيش الإنسان في مجتمع يرى فيه المكفوف من العيش في مجتمع يغوص مبصريه في أعماق الجهل؟
 
ربما يعلق البعض ذلك على شماعة الوضع الأمني والفوضوي الذي يعيشه الإنسان العراقي؟ ثمة تساؤلات تفند هذا التبرير, لماذا يتسابق العراقيون لزيارة المطاعم الجديدة؟ أو لماذا تنفذ تذاكر حفلة أحد الفنانين الشباب قبل موعدها بشهر؟ ولماذا تمتلئ مراكز التسوق بالناس طيلة أيام السنة؟ ولماذا يتجمهر الناس عند رؤية شخصية معروفة؟ لماذا لا يهتم العراقي بالتاريخ مثلما تهتم الشعوب الأخرى بتاريخها؟ ولماذا لا يصطحب الأب أبنائه يوم العطلة لزيارة المتحف العراقي والاطلاع على حضارة العراق؟ ربما الوضع أكثر أمانا في المتحف منه في مطعم أو مول للتسوق؟ فمن يريد التفجير لا يفكر في المتحف بقدر ما يفكر بما يجمع العدد الأكبر من الناس مثل المطعم والمول ؟ هناك خلل في أحد طرفي المعادلة, فالوضع الأمني ليس المشكلة طالما أن الناس تتوجه لأماكن تعلم أنها أكثر خطرا واستهدافا من الإرهابيين؟
 
أين تكمن المشكلة إذن؟ لو أعدنا النظر في تحليل طرفي تلك المعادلة لوجدنا أن المشكلة هي في المجتمع نفسه؟ فعندما ينشأ الطفل في بيئة تعتبر كل سلوك يسلكه عيبا وإن كان صحيحا وأن كل تصرف يقوم به حراما ولو كان حلالا فسيعيش حياته كلها لا يميز بين ما هو السلوك غير المعيب وما هو التصرف الحلال؟ وعندما لا يجد المعلم جوا نظيفا للتعليم ولا يجد الطالب معلما ناصحا مربيا قبل أن يكون ملقنا فستكون هناك حلقة مفقودة في التعليم؟ وعندما تتخصص الفضائيات بعرض الفنون الهابطة والخطابات الطائفية وأخبار القتل والدمار والعنف فإن أداة القتل هي التي ستزدهر؟ وعندما تصدح بعض الأصوات الشاذة علنا بالطائفية والتحريض وقتل الآخر فإن الموت سيحل محل الحياة؟ وعندما تضع العشيرة القوانين ويعطل القانون ستكون شريعة الغاب هي الفيصل؟ وعندما يسمي المسؤول رموز الحضارة والتاريخ أصناما فأن العيون سوف تصاب بالعمى ولو كانت مبصرة وسوف ترى ما حولها بالأسود والأبيض إن لم تره أسودا فقط؟ فلا علاقة للأوضاع مهما بلغت سوءا أن كان هناك من يوجه ويربي ويعلم, ولو عمت البصائر فسوف ترى الناس الأشياء بقلوبها.



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=90492
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 03 / 08
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 10 / 23