• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : شبهات وردود .
                    • الموضوع : برنامج (فقه الشريعة) وتفضيل الأنبياء على الأئمة ؟ .
                          • الكاتب : شعيب العاملي .

برنامج (فقه الشريعة) وتفضيل الأنبياء على الأئمة ؟

سؤال رقم5: ذكر أحد المشايخ في برنامج (فقه الشريعة) على إحدى القنوات (اللبنانية) أن الأنبياء أفضل من الأئمة الاثني عشر المعصومين، وقال بأن تفضيل الأنبياء مروي عن الإمام الرضا فهل هذا صحيح ؟
لأن قوله يخالف ما نعتقده، فما هو الحق في ذلك ؟

الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
من الطبيعي جداً أن يعجز الناس عن إدراك مكانة الإمامة، وهي التي قال فيها إمامنا الرضا عليه السلام: إِنَّ الْإِمَامَةَ أَجَلُّ قَدْراً وَأَعْظَمُ شَأْناً وَأَعْلَى مَكَاناً وَأَمْنَعُ جَانِباً وَأَبْعَدُ غَوْراً مِنْ أَنْ يَبْلُغَهَا النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ أَوْ يَنَالُوهَا بِآرَائِهِم‏.. (الكافي ج1 ص199)
ولكن من غير الطبيعي أن يُقَدَّم على الإمام من لا حق له في التقدم من نبي أو رسول أو ملك مقرّب دون حجة وبرهان، فمع اعترافنا بالعجز عن إدراك حقيقة الإمام والإمامة، ندرك أنها تفوق مرتبة النبوّة دون شك وشبهة، فقد صار إبراهيم إماماً بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة.

على أن بحث التفاضل بين المخلوقات هو بحث عن حقائقَ ووقائعَ لا تتغير بحسب آرائنا ونظرياتنا، فلو اعتقد شخصٌ ما بأن إبليس أفضل من الملائكة لم يُغيّر اعتقاده من واقع كون الملائكة مطيعين لله محبوبين له، ومن كون إبليس عدواً لله تعالى. وكذا الأمر في التفاضل بين الأنبياء والأئمة عليهم سلام الله جميعاً.

والمعوّل عليه في مثل هذه الأمور هو الأدلة القطعية التي لا يرقى إليها الشك، سواء كانت أدلّة عقليّة أو نقليّة.
وقد أقام الشيعة البراهين الساطعة على تفضيل الأئمة المعصومين الاثني عشر عليهم السلام على كافة الأنبياء إلا الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله، ثم لم يكترثوا بعد ذلك لمن أنكر عليهم ضوء الشمس من رمد.

وقد روي عن إمامنا الصادق عليه السلام قوله: يَا هِشَامُ لَوْ كَانَ فِي يَدِكَ جَوْزَةٌ وَ قَالَ النَّاسُ فِي يَدِكَ لُؤْلُؤَةٌ مَا كَانَ يَنْفَعُكَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا جَوْزَةٌ ؟
وَلَوْ كَانَ فِي يَدِكَ لُؤْلُؤَةٌ وَقَالَ النَّاسُ إِنَّهَا جَوْزَةٌ مَا ضَرَّكَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا لُؤْلُؤَةٌ ؟!

وها نحن نعرض لكم أربعة عشر دليلاً (على عدد المعصومين) من أدلة الشيعة ثم نبين حال الرواية التي سألتم عنها.
1. عن النبي (ص): فَنُودِيتُ يَا مُحَمَّدُ: هَؤُلَاءِ أَوْصِيَائِي وَأَحِبَّائِي وَأَصْفِيَائِي وَحُجَجِي بَعْدَكَ عَلَى بَرِيَّتِي وَهُمْ أَوْصِيَاؤُكَ وَخُلَفَاؤُكَ وَخَيْرُ خَلْقِي بَعْدَكَ (عيون أخبار الرضا ج1 ص264)
وهو صريح في كون الأئمة (خير الخلق) بعد الرسول، فيفضلون كافة الأنبياء والرسل سواه صلى الله عليه وآله، ولو كان الأنبياء أفضل منهم لكان ينبغي أن يقال: خير خلقي (بعدك) وبعد الأنبياء والرسل، أو خير خلقي بعد الأنبياء والرسل.

2. وعنه (ص): وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالنُّبُوَّةِ وَاصْطَفَانِي عَلَى جَمِيعِ الْبَرِيَّةِ إِنِّي وَإِيَّاهُمْ لَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ نَسَمَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُم‏ (أمالي الصدوق ص113)
والخلق تشمل الأنبياء والرسل، وهم أكرم على الله تعالى وأحب إليه وإلى الرسول من الأنبياء، ولا شك بأن الله تعالى لا يقدم المفضول على الفاضل، فلم يقدمهم على غيرهم إلا لأنهم أفضل ممن عداهم.

3. عن أبي عبد الله عليه السلام: نَحْنُ شُهَدَاءُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَحُجَجُهُ فِي أَرْضِه‏ (الكافي ج1 ص190)

4. عن أمير المؤمنين عليه السلام: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى طَهَّرَنَا وَعَصَمَنَا وَجَعَلَنَا شُهَدَاءَ عَلَى خَلْقِهِ وَحُجَّتَهُ فِي أَرْضِهِ (الكافي ج1 ص191)
و(الخلق) في الحديثين يشمل كافة الأنبياء والمرسلين، وهم الشهداء عليهم فهم أفضل منهم بلا شك.

5. إِنَّ الْإِمَامَةَ خَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ع بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَالْخُلَّةِ مَرْتَبَةً ثَالِثَةً وَفَضِيلَةً شَرَّفَهُ بِهَا (الكافي ج1 ص199)
فإنه أثبت كون الإمامة أرفع من النبوة رتبة فيثبت تفضيل الأئمة على الأنبياء.

6. عن النبي (ص): نحن أهل بيت... وَنَحْنُ خَيْرُ الْبَرِيَّة (إرشاد القلوب ج2 ص404)
وهو صريح في كونهم خيراً من الأنبياء والرسل كافة لأن هؤلاء من البريةّ..

7. عن رسول الله ص: أَنْتَ يَا عَلِيُّ وَوَلَدَايَ خِيَرَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ. (عيون أخبار الرضا ج2 ص58)
بتقريب أن مقتضى حكمته وعدله تعالى أن يكون اختياره للصفوة المفضلة على الآخرين جميعاً.

8. وعن الصادق عليه السلام: نَحْنُ خِيَرَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ وَشِيعَتُنَا خِيَرَةُ اللَّهِ مِنَ أُمَّةِ نَبِيِّهِ ص‏ (أمالي المفيد ص308)
بنفس التقريب المتقدم، وفيه قرينة مؤيدة على كون المراد من الخلق كل الخلق وليس من في هذه الأمة فقط، إذ الشيعة خيرة الله من هذه الأمة والأئمة خيرته من كل الخليقة بمن فيهم الأنبياء والمرسلون.

9. وعنهم عليهم السلام: فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْ‏ءٍ تَعْلَمُهُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّسُلُ إِلَّا نَحْنُ نَعْلَمُه‏ (الكافي ج‏1، ص: 256)
بتقريب أن الله تعالى لا يجمع علوم الأنبياء والملائكة أجمعين في شخص إلا كان أفضل منهم جميعاً.

10. عن الصادق عليه السلام:  إِنَّ مِنْ حَدِيثِنَا مَا لَا يَحْتَمِلُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ، قُلْتُ فَمَنْ يَحْتَمِلُهُ ؟ قَالَ: نَحْنُ نَحْتَمِلُهُ.(بصائر الدرجات ج‏1، ص: 23)
وما احتمالهم لما لا يحتمله الأنبياء المرسلون إلا لأفضليتهم عليهم وكمال منزلتهم وسموهم وارتفاعهم حتى عن هؤلاء الأنبياء العظام.

11. عن رسول الله (ص): ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَؤُلَاءِ خِيَارُ خَلْقِي‏ (تفسير فرات ص101)
وهو صريح في تفضيلهم.

12. عن أمير المؤمنين عليه السلام: نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ لَا يُقَاسُ بِنَا أَحَد (عيون الأخبار ج2 ص66)
فهم أفضل من كل أحد ولا قياس بينهم وبين أحد من الخلق، وهذا يشمل الأنبياء والمرسلين.

13.عن الصادق (ع): وَمَا بَرَأَ اللَّهُ بَرِيَّةً خَيْراً مِنْ مُحَمَّدٍ ص.
بضميمة آية المباهلة (أنفسنا وأنفسكم) فإنها أثبتت أن علياً نفس النبي إلا النبوة، فكل ما ثبت له صلى الله عليه وآله ثبت لعلي عليه السلام، ومنه التفضيل على الأنبياء والمرسلين.

14. قولهم عليهم السلام: لَوْ لَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فَاطِمَةَ لِعَلِيٍّ مَا كَانَ لَهَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كُفْوٌ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ. (من لا يحضره الفقيه ج3 ص393)
فلا يصل آدم ولا سواه من أولاده إلى مرتبة علي عليه السلام.

فإن قيل: نحتاج إلى مراجعة أسانيد هذه الروايات.

قلنا: مضمون هذه الروايات متواتر، فهناك عشرات الروايات في شتى أبواب الحديث تدل على هذا المعنى، والتواتر يفيد العلم بلا شك وشبهة، وهو أقوى من الخبر الصحيح يقيناً.. هذا كله بغض النظر عن صحة أسانيد الكثير من هذه الروايات..

ثم نحيل القارئ الكريم على الكتب المختصة لمزيد من الأدلة والتفصيل ومنها: تفضيل أمير المؤمنين عليه السلام‏ للشيخ المفيد المتوفى سنة 413 هـ، والرسالة العلوية في فضل أمير المؤمنين عليه السلام على سائر البرية، للكراجكي المتوفى سنة 449 هـ..
أو غيرها من الكتب التي ألفت في ذلك والتي قد تصل إلى عشرين كتاباً ورسالة، كالذي كتبه الشريف المرتضى والشيخ المجلسي والشيخ هاشم البحراني والشيخ عز الدين العاملي وغيرهم..

أما الرواية التي سألتم عنها فمورد الحاجة منها ما يلي:
ٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى قَالَ رَوَى أَصْحَابُنَا عَنِ الرِّضَا ع أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ كَيْفَ صِرْتَ إِلَى مَا صِرْتَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَأْمُونِ ؟
فَكَأَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
فَقَالَ: لَهُ أَبُو الْحَسَنِ ع: يَا هَذَا أَيُّمَا أَفْضَلُ النَّبِيُّ أَوِ الْوَصِيُّ؟
فَقَالَ: لَا بَلِ النَّبِيُّ.
قَالَ: فَأَيُّمَا أَفْضَلُ مُسْلِمٌ أَوْ مُشْرِكٌ ؟ .... (علل الشرائع ج1 ص238، ومثله عيون أخبار الرضا)
ثم احتج عليه الإمام بتولي يوسف النبي ع خزائن الأرض عند عزيز مصر الكافر، وهو خارج عن محل الكلام.

وهذه الرواية لا يمكن الاستدلال بها على تفضيل الأنبياء لسببين:

أولاً: أن الرواية لا تدل على تفضيل الأنبياء، إذ لم يقل الإمام عليه السلام أن الأنبياء أفضل من الأوصياء، بل ألزم الرجل بما يعتقده من تفضيل الأنبياء، فبحسب (اعتقاد الرجل) إن كان النبي قد تولى خزائن الأرض من كافر وهو أفضل من الإمام، فلا بأس ان يتولى الإمام ولاية العهد من مسلم، وهذا الأمر ونظائره من الإلزام يجري في باب الاحتجاج عند كافة أصحاب الملل والأديان والمذاهب بلا نكير، وليس في الرواية ما يدل على تفضيل الأنبياء أبداً..

ومن الواضح أن الرجل لا يعتقد اعتقاداً تاماً بالإمام عليه السلام، فإنه لم يسأل مستفسراً إنما سأل مستنكراً (فَكَأَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ)، فإما أن يكون موالياً لا يعرف مكانة الإمام ويعتقد بتفضيل الأنبياء عليه، أو مخالفاً لا يعتقد بالإمامة أساساً إنما جاء مخاصماً ومحاججاً، وعلى كلا التقديرين تكون من باب الإلزام والاحتجاج فلا تثبت تفضيل الأنبياء.
وإن أبيت عن ذلك، فهي مجملة لاحتمال أن تكون ناظرة لولي ذلك النبي، فكل نبي أفضل من وليه، ولا دلالة فيها على أن كل نبي أفضل من كل ولي ولو كان ولياً لنبيّ آخر.

ثانياً: لو تنزّلنا وقلنا أن الإمام أقرّه على هذا المعنى، فإن الرواية ضعيفة السند بالإرسال (رَوَى أَصْحَابُنَا) فلا تكون معتبرة في نفسها.
ولو تنزلنا وقلنا باعتبارها فلا تعارض الأدلة المتواترة التي تعرضنا لبعضها، لإمكان حملها على التقية لموافقتها العامة، وإن لم يمكن ذلك تسقط عن الاعتبار للمعارضة.

فتبقى أدلة تفضيل الأئمة على كافة الأنبياء سوى سيد المرسلين سليمة من أي شائبة، وهو ما عليه الشيعة أعزهم الله تعالى.
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=95451
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 06 / 06
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 08 / 19