• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : الاستهلال في قصائد الجواهري .
                          • الكاتب : عبد الله الجنابي .

الاستهلال في قصائد الجواهري

  الاستهلال لغة : الابتداء (1) . يقال  ( هل الشهر ) أي ظهر الهلال والهل بالهاء المكسورة تعني استهلال القمر . والهلال غرة القمر لليلتين او ثلاث (2) . وبراعة الاستهلال : البراعة لغة : كمال الفضل (3) وتعد براعة الاستهلال فرعا فرعه المتاخرون مما يسمى ( حسن الابتداءات ) ويرى السيوطي ان براعة الاستهلال اخص من حسن الابتداء لان البراعة لابد فيها من الاشارة الى ما سبق من الكلام لاجله بخلاف حسن الابتداء فلا يشترط فيه ذلك (4) على ان الخطيب القزويني لايرى فرقا بين حسن الابتداء وبراعة الاستهلال فكلاهما شيء واحد وبايهما سميت كنت مصيبا  فاحسن الابتداءات ما ناسب المقصود وسمي براعة الاستهلال  . "وحسن الابتداء ، او براعة المطلع : هو ان يجعل الكلام رقيقا سهلا ، واتضح المعاني ، مستقلا عما بعده في مناسبة المقام ، بحث يجذب السامع الى الاصغاء بكليته لانه اول ما يقرع السمع ، وبه يعرف ما عنده ، قال ابن رشيق : ان حسن الافتتاح ، داعية الانشراح ومطية النجاح وتزداد براعة المطلع حسنا اذا دلت على المقصود باشارة لطيفة ، وتسمى براعة استهلال اذا اتى الناظم او الناثر في ابتداء كلامه  بما يدل على مقصودة منه بالاشارة لا بالتصريح ( 5 )
 
   والاستهلال اصطلاحا هو ضرب من ضروب الصنعة التي يقدمها امراء البيان ونقاد الشعر وجهابذة الالفاظ بان يبدا المتكلم بمعنى ما يريد تكميله وان وقع اثناء الكلام ( 6).
 
"ان عتبة الاستهلال حلقة بنائية مهمه فقد يقرر مصير القصيدة الفني وهي ما يأهل القارئ للمرور من العتبة الى متن النص وتفتح المجال امام ابواب التاويل كافة  .
 
        والاستهلال هو احد القوالب اللغوية الكلية التي يتطابق فيها الفهم المادي والفهم الثقافي   ، فاللغة ليست كائنا معزولا وخاصا بفهم دون اخر ، وانما هي نتيجة منطقية للتوافق القائم بين العقل والواقع " (7) ، وفي الاستهلال عادات اجتماعية ودينية والمسلمون غالبا ما يبدءون كلاهم بالبسملة ( بسم الله الرحمن الرحيم )  ذلك لوقعا على نفس المستلم فتنفذ الى   لبه وتشد انتباهه الى كلام المرسل . اذن الاستهلال هو لحظة الاشراق والتنوير . وجاءت لغة القران مؤكدة اهمية حسن الابتداء فقرع اسماع العرب بما لم يكن مطروقا من قبل ( الم ، كهعيص ، ...) لتهيئة اسماعهم لما سياتي بعد ذلك من القول  .
 
        في العصر الجاهلي فقد "كان الاستهلال معزولا عن جسد القصيدة وكانت عن الاطلال والنسيب لذلك ظهرت مطالع القصائد تقليدية معادة مكرورة وكانها  معزولة لا علاقة لها بمتن القصيدة  " (8) . الا ان التمرد على قالب القصيدة الجاهلية وبخاصة الاستهلال قد ظهر فعلا فذاك زهير بن ابي سلمى يقول :
 
ما ارانا نقول اللا معارا             او معادا من قولنا مكرورا
 
وابو نواس اذ يقول :
 
انسى رسم الديار ثم  الطـلالا     وارفض الربع دارسا ومحيلا
 
هل رايت الديار ردت جوابـا      واجابت لذي سـؤال سؤولا
 
واشربتها كانــها عين ديك       يطرد الهم طعمها والغليـلا (9)
 
 
 
    الا ان ذلك لا يعني قطعا ان الشاعر في العصر الجاهلي لم يحسن استهلاله ولم ينجح في ربط استهلاله بمتن القصيدة فذلك  "امرؤ القيس قد اجاد ايما اجادة شهد له الرسول محمد ( ص) اذ قال :  قاتل الله الملك الضليل وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب ومنزله في مصرع واحد " (10)    
 
 
 
وكان ذلك بحق قصيدته التي مطلعها :
 
     قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل      بسقط اللوى بين الدخول فحومل
 
 
 
    اما على مستوى الحكايات الشعبية في ايامنا هذه فقد جرت العادة ان يبدا المرسل بقوله ( كان يا كان )  وهي دعوة وتنبيه بسيط يدعو فيه المستمع الى الانتباه  فينقطع الضجيج وترهف الاسماع وتشخص العيون وتلك هي البوابة الاسرة التي تشد المتلقي لما خلفها فيندفع محاولا كشف اسرارها . والشاعر الذي يحسن الابتداء يكون قد وفق في قصيدته تماما مالم ينحدر مستوى القصيدة فتضيع حلاوة استهلاله ، والجواهري لم يسمح لقصيدته بالانحدار من استهلاله القوي الى متن متواضع حتى ليبدو ان كل بيت في قصيدته استهلالا ، ففي قصيدته العزم وابناؤه يقول :
 
    هو العزم لا ما تدعي السمر والقضب        وذو الجد حتى كل ما دونه لعب
 
 
 
وهو يضع هنا بين ايدينا قاعدة الحكمة وعليها تقاس الاشياء ما دونها وما فوقها ، فالعزم هذا تعريفه وذو الجد هذا وصفه حتى كانه قمة كل ما بعدها سفح ( لعب )
 
ولعل ذلك الاستهلال الجميل قد تبعته ابيات بمستوي روعة استهلاله  :
 
ومن اخلفته في المعالي قضية     تكفل في انتاجها الصارم  العضب
 
ومن يتطلب مصعبات مسالك     فايسر شيء عنده المركب الصعب
 
ولم يجد الا ذعاف مذلـــة    ورودا فموت العز مورده عـذب (11)  
 
 
 
      ولكي يكون الاستهلال لافتا فانه غالبا ما يستهل باساليب الانشاء من استفهام ونداء وامر ونفي وتعجب وغيرها وقد يبدا بجملة خبرية ومن ذلك قول الجواهري في رثاء صديقه السيد محمد علي الحكيم الذي توفي بالبصرة وهو في ريعان شبابه :
 
بم استهل بموته ورثائــــه ؟           ام قبل ذاك بعرسه وهنائه ؟ (12)
 
 
 
وقوله في قصيدة ياشعب :
 
زعموا التطرف في هواك جهالة         اكذا يكون الجاهل المتطرف ؟ (13)
 
والسؤال الاستنكاري هنا لاشك مدبب يستغرب فيه الشاعر من الذين يزعمون ان التطرف في حب الوطن جهالة  . واستهلاله في قصيدة اعترافات :
 
يقول : لم اعتزلت ؟ فقلت  لم لا      وخير من تظاهري اعتزالي (14)
 
وفي رثائه لعبد المحسن السعدون بعيد انتحاره استهل قصيدته بالقول :
 
فيم الوجوم ؟ وجومكم لا ينفع         نفذ القضاء وحم ما لا يدفع (15)
 
اليس ذلك ابلغ واحلى من قول المتنبي :
 
ارق على ارق ومثلي يارق          وجوى يزيد وعبرة تترقرق (16)
 
او قوله :
لا يحزن الله الأمير فأنني            لاخذ من حالاته بنصيــب
 
وقد علق الصاحب بن عباد على ذلك بقوله " لاادري لم لا يحزن سيف الدولة اذ اخذ المتنبي بنصيب من القلق "
 
او رثائه اخت سيف الدولة اذ قال :
 
يعلمن حين تحيا حسن مبسمه         وليس يعلم الا الله بالشـنب
 
وقد علق الخوارزمي على هذا الاستهلال بقوله " لو عزاني انسان عن حرمة لي بمثل هذا لالحقته بها "
 
    ومن المستحسن ان نشير الى ان الجواهري من اشد المعجبين بالمتنبي لذلك كان استهلال قصيدته ( فتى الفتيان ) جميلا وهو يصفه :
 
تحدى الموت واختزل الزمانا         فتى لوى من الزمن العنانا
 
فتى خبط الدنى والناس طرا         وآلى ان يكونهـــما فكانا 
 
        ان الاستفهام قد ورد كثيرا في استهلالات ألجواهري لنستنتج انه كان يولي استهلال قصائده عناية فائقة فهو القائل  " ما ان ياتي المطلع الا وتنتهي القصيدة أي ان الابيات اللاحقة تاتي طواعية بشكل تلقائي فالجهد يكون مكثفا في الاستهلال"
 
        ومن شروط الاستهلال ان تكون " الالفاظ مأنوسة لا غرابة فيها بعيدة عن كل ما يجعلها قادرة على ايقاع متلقيها بلبس معنوي او مفارقة نصية كما ان الجملة يجب ان تكون سليمة التكويم فصيحة واضحة القصد تؤدي غرضا حال ارســـالها الى المستقبل "(17) كما يشترط ان يكون الشطر الاول غير اجنبي عن شطره الثاني وان يبتعد الناظم عن الحشو وان لا تتفاوت حلاوة وقوة الصدر عن العجز مثل حلاوة وبساطة قول الجواهري في استهلاله وما يليه : 
        حللتم مثلما حل السحاب        وطبتم مثلما طاب الشــباب
 
        وكنتم دعوة في كل صدر      عراقي وهاي هي تســتجاب
 
        نسر بقربكم ونسـاء بدا        فكانكـم المثوبــة والعقاب
 
        مضى عهد يذم به الشباب      ويحسد فيه من شاخوا وشابوا
 
على اننا قد نؤشر ضعفا في استهلال الجواهري في قصيدة يرثي بها الامام الحسين (ع) فيقول :
 
      فداء لمثواك من مضجع           تنور بالابلج الاروع
 
      فالفداء لمضجع احد هو شدة في حبه ومبالغة جميلة الا ان الضعف ظــاهر في ( تنور بالابلج الاروع ) لما فيه من مباشرة وتكرار ، فلو كان التنور بشهامة الحسين او بشجاعته او بكراماته لكان ابلغ واحلى . والحزن اعمق من الفرح لما له من تاثير بالغ في النفس الانسانية وهو مدعاة لاثارة المشاعر وتوهجها مما قد يفصح ذلك عن اعذب الشعر وابلغه الا ان الشاعر لم يستغل فاتحة قصيدته وموضوعة الحزن . الا ان القصيدة كان لها دوي هائل قرع اسماع الناس فاستحسنوها وحفظوها .
 
وفي قصيدته (وصرفت عيني) يقول :
 
وصرفت عيني وهي عالقة     صرف الرضيع برغمه فطما (18)
 
اليست صورة رائعة تستحث بعدها خطى عينيك كي تقرا ما يليها وهذا ما يفعله الاستهلال الموفق .
 
وفي عتاب لنفسه يقول في استهلال قصيدته ( لجاجك في الحب لا يجمل ) :
 
لجاجك في الحب لا يجمل    وانت ابن سبعين لو تعقل
 
تقضى الشباب ، وودعته     ورحت على اثره تُرقًل (19)
 
وفي ختام هذه العجالة نود ان نبين ، للأمانة ،  أن  البحث اقتصر على ما أحسنه الجواهري في استهلالاته ، اما ما كان ضعيفا او باهتا  فلم نبحث عنه او فيه سوى اشارة واحدة لا تشي بان الضوء كان مسلطا على مواطن القوة والضعف ، وللقارئ – طبعا – ان يتصور ان لاعمل يمكن ان نصفه بالمتكامل بما في ذلك استهلال قصائد الجواهري .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الهوامش
 
(1)    ابن منظور ،لسان العرب ،  مادة ( هلل )
 
(2)    محيط المحيط ، مادة (هل )
 
(3)    المصدر السابق ، مادة ( برع )
 
(4)   السيوطي ، معترك الأقران ، ص75.
 
(5)    احمد الهاشمي ، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع ،  ص419 .   
 
(6)    ابن ابي الاصبع ، تحرير التجبير ، ، ص168.
 
(7)   ياسين النصير ،الاستهلال فن البدايات في النص الادبي  ، ص14.
 
(8)   المصدر نفسه ، ص57.
 
(9)   المصدر نفسه ، ص59.
 
(10)       جلال الدين بن عبدالرحمن القزويني ، التلخيص ، ص429.
 
(11)       ديوان الجواهري ، ج1 ، ص87.
 
(12)       المصدر نفسه ، ج1، ص 251.
 
(13)       المصدر نفسه ، ج1 ، 87.
 
(14)       المصدر نفسه ، ج1 ، 379.
 
(15)       المصدر نفسه ، ج1 ، ص 497.
 
(16)       ديوان المتنبي ، دار الجيل للنشر والطباعة والتوزيع ، ص28.
 
(17)       الدكتور فائق مصطفى والدكتور عبدالرضا علي ، في النقد الادبي الحديث منطلقات وتطبيقات ، ، ص22.
 
(18)       ديوان الجواهري ، ج6 ، ص 28 .
 
(19)       المصدر نفسه ، ج6 ، ص33.
 
 
 
 
 
 
 

كافة التعليقات (عدد : 4)


• (1) - كتب : ابو حيدر ، في 2011/09/28 .

شكرا للاستاذ الكبير والاديب الرائع عبد الله الجنابي على هذه السطور النوراء

• (2) - كتب : السماوي ، في 2011/09/28 .

شكرا لكم

• (3) - كتب : اكرم ، في 2011/09/28 .

جميل جدا ودقيق ايضا


• (4) - كتب : عراقي ، في 2011/09/28 .

رائع استاذ عبد الله
لكم كثير الشكر والامتنان



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=9862
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 09 / 27
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 05 / 12