صفحة الكاتب : شعيب العاملي

(13) إلحاد أم عناد ؟! أين الله ؟!
شعيب العاملي

 بسم الله الرحمن الرحيم

عن أمير المؤمنين عليه السلام: من صارع الحق صرعه (قصار الكلمات في نهج البلاغة)
وعن الباقر عليه السلام: من عاند الحق لزمه الوهن ‏(الكافي ج8 ص20)

يلخص هذان الحديثان الشريفان حال من حادَ عن الحق معانداً، ملحداً كان أم مُتَلَبِّساً بلبوس الدين مستأكلاً به.
وفيما يلي يزداد أمر عناد الملحدين وضوحاً وجلاءً.. حتى يصرعهم الحق فلا يستقيم لهم بعد ذلك شيء من أمورهم..

1. هل تخضع الماورائيات للمختبرات ؟!

يحاول العلماء الملحدون إنكار وجود الله تعالى لأن (الأبحاث المختبرية) لم تثبت وجوده كما يقولون.
ومن التزم بهذه القاعدة بقوة أنكر وجود (الروح والنفس والإرادة) أيضاً لأن المختبرات لم تتمكن من رصدها! رغم وضوح آثارها..

ولما قيل لهم أن الموجودات تنقسم إلى:
1. موجودات مادية
2. موجودات غير مادية وهي ما يعبر عنها بـ(ما فوق الطبيعة)

قالوا أن بالإمكان إجراء الاختبارات حتى على الموجودات غير المادية، وأن هذا صار ممكناً بعد تطور التقنيات الحديثة، وبالتالي فإن أجرَينا اختبارات لاثبات وجود الله ولم نتمكن من التوصل لنتيجة مختبرية فإن هذا كافٍ في إمكان جحوده تعالى وإنكار وجوده!

قال الملحد فيكتور ستينغر بروفيسور الفيزياء والفلك في كتابه عن الله: ان عدداً من العمليات الفوق طبيعية أو غير المادية المفترضة يمكن اختبارها تجريبياً باستخدام الطرق العلمية القياسية.(ص23)

لكن استدلالهم هذا عقيم جداً..
إذ أنه على فرض التسليم بإمكان اخضاع الماورائيات إلى الاختبارات التجريبية المختبرية (وهو محل خلاف بين العلماء كما يقرّ ستينغر) فإن أقصى ما يثبته هو خضوع (بعض) الظواهر للاختبار، لا كلّ الظواهر.
والنفي فرع الإحاطة ومتوقف عليها، والإحاطة لا تحصل إلا بعد إخضاع (كل الظواهر) غير المادية للاختبار لا (بعضها). فلا يصح نفي وجود شيء بعد اختبار جزئي، بل ينبغي أن يشمل الاختبار (كل شيء) لنتمكن من نفي وجود الإله. وهذا أمر متعذر بإقرارهم.

ثم إن لنوعية الاختبار تأثيراً، فقد تتمكن من إخضاع ظاهرة طبيعية أو غير طبيعية لاختبار فتفشل فيه وتنجح في ظاهرة أخرى، كأن تتمكن من رصد حال الجو ببعض الالات، لكنك لن تتمكن من رصد الزلازل بهذه الآلة، إلا ان تستخدم آلة أخرى مخصصة لذلك.
ولو تمكن العلم من رصد (بعض) الظواهر الطبيعية بآلة رصد الجو فلا يمكنه ان يدعي ان استعمال الالة كفيل بمعرفة احوال طبقات الارض واحتمالات حصول الهزات الارضية مثلاً.

تصوّر نفسك تبحث عن صديق في فندق من الفنادق، وقد سُمح لك بالدخول الى 4 غرف من اصل 300 غرفة يتضمنها الفندق، فإن لم تجده في هذه الاربعة لا يمكنك نفي وجوده في سائر الغرف!
فالجحود فرع الإحاطة.. وليس لأحد قدرة على الإحاطة.

لكن مثل ستينغر لا يمكنه تجاوز ذلك وإنكاره، فيقرّ في محلٍّ آخر أن البحث عن الإله كالبحث عن لؤلؤة في الكون.. (كتابه عن الله ص33)
هذا لو كان البحث (مختبرياً) فقط.. أما لو كان عقلياً منطقياً فلا شبهة في وجوده تعالى كما تقدّم في الأبحاث السابقة.

لكن ستينغر حاول التخلص بطريقة أخرى عندما قال ان الموقف بالنسبة لله تعالى مختلف، فقال:
لكن الله يفترض أن يكون في كل مكان، بما في ذلك في كل صندوق مهما صغر، ولهذا علينا إما أن نجده مؤكدين بذلك وجوده، أو لا نجده مفندين بذلك وجوده. (ص33)

ورغم أن كلام ستينغر قد ثبت بطلانه من كل الجهات.. إلا أن التساؤل يبقى مطروحاً وينقلنا إلى بحث آخر:
هل يعتقد المؤمنون فعلاً (كما يزعم ستينغر وغيره) أن الله تعالى في كل مكان بما في ذلك في الصندوق ؟!!

2. هل الله موجود في كل مكان ؟! قول النصارى..

نقصر الكلام على أكبر ديانتين سماويتين: المسيحية والإسلام. وأما اليهودية فيظهر حالها من كلمات العهد القديم التي ستأتي.

لقد تكرر في الكتاب المقدس تحديد محل سُكنى (الآب) وأنه في (السماء) ثمانية مرات على الأقل في (الملوك الأول) و(أخبار الأيام الثاني)، وهي مشتركة بين اليهود والنصارى، منها على سبيل المثال:
- وَاسْمَعْ أَنْتَ فِي مَوْضِعِ سُكْنَاكَ فِي السَّمَاءِ (الملوك الأول 8: 30)
- فَاسْمَعْ أَنْتَ مِنَ السَّمَاءِ مَكَانِ سُكْنَاكَ (أخبار الأيام الثاني 6: 30)

وقد ورد ما لا يقل عن 18 مرة التعبير عن (أبينا) أنه (في السماوات):
- أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ (متى 5: 16) ومثلها في مرقس ولوقا مرات عديدة..

وههنا أقوال (قد تنسب) إلى النصارى أو إلى ظواهر بعض كلماتهم:

القول الأول:
أن (الخالق في السماء) وهي (مكان مادي)، وعلى فرض التزام أحد من النصارى بهذا الكلام، فإنه لا ينفع الملحدين، إذ دعواهم تكون باطلة لأنه لا يمكن إجراء الاختبار على من كان موجوداً في السماء فقط، وهي تعني مكاناً بعيداً لا يمكننا الوصول إليه.

القول الثاني:
أن (الخالق في السماء) لكنها (ليست مكاناً مادياً) بل تدل على (السموّ والارتفاع) وهي عالم آخر غير العالم المادي.
وعلى هذا القول أيضاً يكون كلام الملحدين باطلاً.. لأن الخالق لن يكون موجوداً في مكان بل في عالم أسمى من هذا العالم فلا يصح إخضاعه لاختبار (مكاني) لننفي وجوده عند فشل الإختبار.

وممّن صرّح بهذا القول ما ذُكر في (موقع شهود يهوه الرسمي) على الشبكة العنكبوتية في مقال تحت عنوان (هل يسكن الله في مكان محدّد؟‏) نشر في آب/اغسطس 2011 وفيه:

تدل هذه الآيات دلالة واضحة ان (يهوه الله) لا يقيم في كل مكان بل في السماء فقط.‏ طبعا،‏ لا تشير «السموات» هنا الى الغلاف الجوي المحيط بالارض او الامتداد الشاسع للفضاء الخارجي،‏ اذ لا يمكن للسموات الحرفية ان تسع خالق الكون.‏(‏1 ملوك 8:‏27‏)‏ فالكتاب المقدس يخبرنا ان «الله روح».‏(‏يوحنا 4:‏24‏)‏ لذلك يسكن في السموات الروحية،‏ وهي حيّز منفصل عن الكون المادي.‏1 كورنثوس 15:‏44‏.‏.
ليس من الضروري ان يكون الله كليّ الوجود ليعرف ما يجري في موقع ما من الكون (انتهى)

وذكروا في محل آخر من موقعهم الرسمي:
وعندما يقول الكتاب المقدس ان الله يسكن في «السماء» فهو يشير الى سمو مكان سكنى الله بالتباين مع المحيط المادي الذي نعيش فيه نحن.‏ اذًا،‏ يعلِّم الكتاب المقدس ان الله يسكن في مكان محدَّد مع ان هذا المكان مختلف جدا عن الكون المادي (بحث تحت عنوان: وجهة نظر الكتاب المقدس - هل الله حاضر في كل مكان؟‏)

فليس للملحد خبز ولا ملح مع النصارى حتى الآن.

القول الثالث:
أن (الخالق في كل مكان) بمعنى (الحلول في الأماكن) وهي مقولة (الله كليّ الوجود)

ورد في كتاب (أسئلة عن الله) تحت عنوان (أين الله ؟ أين الله عندما نتألم ؟) ما يلي:
رغم أننا نعرف أن حضور الله هو أساساً في السماء، إلا أن الكتاب المقدس يعلمنا أن الله كلي الوجود (أي أنه موجود في كل مكان في نفس الوقت)...

وهو موافق لما ورد في (دائرة المعارف الكاثوليكية الجديدة) بحسب ما ينقل موقع (القاموس المتعدد اللغات على الانترنت glosbe) حيث يقول:
est bel et bien présent en tous lieux et en toutes choses.
أي أنه «حالّ فعلا في كافة الاماكن والاشياء الموجودة».

وهذا الذي قصده ستينغر وعناه بقوله: لكن الله يفترض أن يكون في كل مكان، بما في ذلك في كل صندوق مهما صغر (تقدم عن كتابه ص33)

وقد بيّنا بطلان كلام الملحد حتى عند أصحاب هذا القول، إذ لو كان (الخالق) (حالاً في كافة الأماكن) والعياذ بالله، وأمكن إجراء اختبار على بعضها لم يكن في عدم العثور عليه دليلاً على عدم وجوده لأن لقائل أن يقول: أنكم قمتم ببعض أنواع الاختبارات وينبغي أن تحيطوا بكل ما يمكن أن يجري من اختبارات بكافة أنواعها، والحال أن العلم لا يزال بحاجة إلى أشواط طويلة جداً ليسبر غور العلوم، فكل العلماء في كل المجالات يقرّون بأنهم لم يصلوا إلا إلى قسم يسير من العلوم، وبالتالي يكون الاستقراء ناقصاً والبحث عقيماً، واستدلال الملحد غير موفق أبداً.

لكن هل هذا ما يعتقده النصارى فعلاً ؟ أم أن القول الرابع يوضح رأي شريحة كبيرة منهم ؟

القول الرابع:
أن (الخالق في كل مكان) بمعنى (الإحاطة بالأماكن) لا الحلول فيها.
يفسر بعض النصارى مقولة أن الله (كلي الوجود) بأنها تعني إحاطة الله تعالى بما يجري في كل مكان وزمان، (دون أن يكون خاضعاً للزمان والمكان) ولا محدوداً بهما.. وليست تعابيرهم واضحة في ذلك إنما تحتاج إلى دعم هذه الفكرة من النصوص الإسلامية..

وهذه بعض كلماتهم التي تشير إلى هذا المعنى وإن تفاوت وضوحها في ذلك:

أ. ما قاله ج. كلايد تارنر راعي الكنيسة المعمدانية في عدة مناطق..  في كتابه (هذه عقائدنا) في الفصل الثاني: الإله الواحد الحق.

إن الله كلي الوجود. وهذا لا يعني أنه منتشر في الكون بأسره، لكن الله بكامله حاضر في كل مكان. هناك عبارات في الكتاب المقدس تظهر وكأنما هي تحصر وجود الله في مكان معين "أبانا الذي في السموات" (متى 9:6). "يا ساكناً في السموات" (مزمور 1:123). "الرب في السموات ثبت كرسيه" (مزمور 19:103). إن هذه العبارات يجب أن ننظر إليها كتعابير رمزية تماماً كتلك التي تتكلم عن ذراعيه أو يديه. لا يمكننا أن نحصر الله بمكان أو في مكان. (انتهى محل الشاهد)
إذاً هي تعابير رمزية تدلّ على أن الخالق غير محصور بالمكان.

ب. ما ذكر في موقع (أسئلة من الكتاب المقدس gotquestions.org تحت عنوان: ما معنى أن الله كلي الوجود؟)

إن القول بأن الله كلي الوجود يعنى أن الله موجود في كل مكان. تعتقد الكثير من الديانات بأن الله كلي الوجود، ولكن في كل من اليهودية والمسيحية تقسم هذه النظرة أكثر إلى الإيمان بأن الله سامٍ ومتعالٍ وهو قريب منا في نفس الوقت. فرغم أن الله غير متضمن في الخليقة إلا أنه موجود في كل مكان في كل الأوقات....
كون الله كلي الوجود يعني حضوره في كل وقت وكل مكان، ورغم هذا فهو ليس محدوداً بالوقت أو المكان. ليست هناك خلية أو ذرة من الصغر بحيث لا يكون الله فيها بصورة كاملة ولا مجرة من الإتساع بحيث لا يحدها الله. (انتهى محل الشاهد)
فحضوره في كل وقت وكل مكان بحسب كلامهم لا يعني أنه محدود بالوقت أو المكان..

ج. ما ينقله موقع ويكيبيديا عن (التعليم المسيحي للشبيبة الكاثوليكية) ولم نعثر على المصدر للتحقق منه، وهو قولهم:
تعني صفة الخلق أيضًا أن الله خلق الزمان والمكان، وهذا يؤدي حكمًا لكون الله هو الوحيد خارج نطاق الزمان والمكان.

وهذا القول الرابع عند النصارى ينفي أن يكون وجود الخالق وجوداً مادياً في كل مكان، بل يثبت أنه (خارج نطاق الزمان والمكان)
وهو يستند إلى جملة نصوص في كتابهم المقدس منها:

النص الأول:
المزامير 139
7 أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟
8 إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ.
9 إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ الصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي الْبَحْرِ،
10 فَهُنَاكَ أَيْضًا تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ.

وفسّرها القمص تادرس يعقوب بما يقرب من الرأي الرابع بقوله:
الله ليس فقط عالم بكل شيءٍ، وإنما هو أيضًا حاضر في كل مكانٍ، في ذات اللحظة. حضوره في كل مكان لا يعني وحدة الوجود، أي المذهب القائل بأن الله والطبيعة شيء واحد
... هل يوجد مكان فيه يتجنب الإنسان روح الله؟ هل يوجد موضع يختفي فيه الإنسان من الحضرة الإلهية؟ (انتهى محل الشاهد، وعبائره هذه مع ما يلي منقولة عن موقع الأنبا تكلاهيمانوت القبطي الأرثوذكسي على شبكة الانترنت)

وينقل القمص تادرس قول القديس يوحنا الذهبي الفم:
يشير إلى الله بكونه روحًا وحضورًا، بمعنى أين أذهب منك؟ أنت تملأ كل شيءٍ، وحاضر بالنسبة لكل أحدٍ، ولكن ليس كجزءٍ، بل بكليتك لكل واحدٍ.

النص الثاني:
سفر إرميا 23
23 أَلَعَلِّي إِلهٌ مِنْ قَرِيبٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَلَسْتُ إِلهًا مِنْ بَعِيدٍ.
24 إِذَا اخْتَبَأَ إِنْسَانٌ فِي أَمَاكِنَ مُسْتَتِرَةٍ أَفَمَا أَرَاهُ أَنَا، يَقُولُ الرَّبُّ؟ أَمَا أَمْلأُ أَنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، يَقُولُ الرَّبُّ؟

القمص تادرس يعقوب يبين ذلك بتفسير مشابه لما تقدم فيقول:
يسكن الله في السماء في الأعالي، وكأن الأرض كلها صغيرة بالنسبة له، يراها بكل خطاياها، ولا يقدر أحد ما أن يختفي عنه. وفي نفس الوقت يملأ السماء والأرض، أينما هرب إنسان يجد الله حاضرًا... فهو بعيد ومُنَزَّه عن كل الخليقة، وقريب جدًا وملاصق لها.

النص الثالث:
سفر أعمال الرسل 17
27 لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا.
28 لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ.

ويفسرها القمص يعقوب مجدداً بأن حضور الله هو (حضور إلهي) يملأ به كل مكان وليس حضوراً (مادياً) في كل مكان، فيقول:
أما أين هو الله، فهو ليس ببعيدٍ عن كل أحد، إذ نطلبه نجده في داخلنا قريب إلينا أقرب من التماثيل التي أمامنا. هو حاضر في كل مكان، يملأ السماء والأرض بحضوره الإلهي.

وخلاصة القول..
أن النصارى الذين يعيش أكثر هؤلاء الملحدين بينهم إنما يرجحون القول بأن الله تعالى في السماء وهي تعني العلو والارتفاع لا المكان، أو أنه في كل مكان بمعنى (الحضور الإلهي) غير المحدد بالمكان.
فِي كُلِّ مَكَانٍ عَيْنَا الرَّبِّ مُرَاقِبَتَانِ الطَّالِحِينَ وَالصَّالِحِينَ. (الأمثال15 :3)

ولئن صرح بعضهم بأن الله حالّ في الأماكن.. فإن هذا لا يفيد الملحد في شيء لأن أدوات الملحد (المختبرية) لا تزال عاجزة عن الإحاطة بكل ما يمكن اختباره..
فضلاً عن أن العقل يرشد إلى الله تعالى كما تقدم ولو لم يتمكن الملحد من إثبات ذلك بالمختبر بطرقه المحدودة.

3. هل الله موجود في كل مكان ؟! قول المسلمين

زعم بعض الملحدين أن المسلمين أيضاً يقولون بأن الله تعالى في السماء، وتوهموا ذلك من قوله تعالى:
أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (الملك 16)
لكن السماء هنا تعني: الارتفاع والعلو، فمعنى ذلك أنه تعالى عالٍ في قدرته عزيز في سلطانه.. وقيل: أأمنتم من في السماء: أمره وآياته ورزقه وما جرى مجرى ذلك (أمالي المرتضى ج2 ص168)

وزعم بعض آخر أن المسلمين يقولون أنه (في كل مكان) بمعنى الحضور المكاني، وذلك لما قرؤوا قوله تعالى:
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه‏ (البقرة 115)

لكن الأمر أكثر وضوحاً عند المسلمين، فهم يعتقدون أن الله تعالى خالق المكان والزمان فلا يحويه أي منهما.. وهو المحيط بكل الأماكن، والعالم بها قبل خلقها، والقادر على التصرف بها كيف شاء..
قال أمير المؤمنين ع في نهجه: وَمَنْ قَالَ فِيمَ فَقَدْ ضَمَّنَه‏: فلا يقال لله: في أي شيء هو ؟ إذ هو خالق الأشياء.. وكونه في شيء يعني أن الشيء يتضمنه وهو باطل بلا شبهة.

أَمْ كَيْفَ أَصِفُهُ بِأَيْنٍ وَهُوَ الَّذِي أَيَّنَ الْأَيْنَ حَتَّى صَارَ أَيْناً فَعُرِفَتِ الْأَيْنُ بِمَا أَيَّنَ لَنَا مِنَ الْأَيْن‏: عن الصادق عليه السلام.. (الكافي ج1 ص104، وقريب منها ص78و138)
فهو الذي خلق المكان حتى صار مكاناً، فعُرِف المكان بخلقه له.. ولولا خلقه المكان لم يُعرف المكان بل لم يوجد. فلا يُعقل أن يحويه ما خلقه.
وهو الذي: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ء (الشورى11)

وعن أبي عبد الله ع قال: من زعم أن الله من شي‏ء أو في شي‏ء أو على شي‏ء فقد كفر.. ومن زعم أنه في شي‏ء فقد جعله محصورا.. (الكافي ج1 ص128)

إذاً كيف يجمع المسلمون بين قولهم أنه (ليس في شيء من المكان) وأنه (في كل مكان) ؟
كما ورد في الأحاديث:
عن أبي عبد الله ع: لا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان (الكافي ج1 ص126)
وعنه عليه السلام: في كل مكان وليس في شي‏ء من المكان‏ (الكافي ج1 ص94)

اتّضح الجواب مما سبق حيث أن:
1. المنفي هو وجوده في المكان كوجود أي موجود آخر، وجوداً ذاتياً تلزم منه المحدودية، فإذا وجد في أي مكان حواه ذلك المكان فصار محتاجاً فلم يكن خالقاً له ولم يكن إلهنا الذي نعبده.
2. المُثبَت هو وجوده في المكان بمعنى علمه وإحاطته به وإشرافه عليه وقدرته على التصرف فيه..

عن أبي عبد الله ع: ... وهو بكل شي‏ء محيط بالإشراف والإحاطة والقدرة لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر بالإحاطة والعلم لا بالذات لأن الأماكن محدودة تحويها حدود أربعة فإذا كان بالذات لزمها الحواية. (الكافي ج1 ص127)

وحتى من انحرف عن الإسلام وعن نهج العترة الطاهرة لم يجد بدّاً من الالتزام بأن الله تعالى لا يحتويه مكان.. فهذا المفتي ابن باز يقول:
الله سبحانه فوق العرش، فوق العلو، فوق جميع الخلق، عند أهل السنة والجماعة، هكذا جاءت الرسل بهذا عليهم الصلاة والسلام، كل الرسل جاؤوا بأن الله فوق العرش، فوق جميع الخلق سبحانه وتعالى... ومن قال بأن الله في كل مكان أو ليس في العلو فهو كافر، مكذب لله ولرسوله، ومكذب لإجماع أهل السنة والجماعة (جواب في موقعه الرسمي تحت عنوان: حكم من يقول أن الله في كل مكان)

واتضح بهذه النصوص من العهدين القديم والجديد، ومن القرآن الكريم والحديث الشريف، أن معظم المؤمنين بالله تعالى لا يعتقدونه جسماً تحويه الأماكن، وأن ما يذكره الملحدون بعيد كل البعد عن الدقة والإنصاف.. ولو اعتقد بذلك بعضهم فلا يمكن محاكمة الجميع برأي البعض..
ولا نجد له وجهاً لكلام الملاحدة سوى العناد ومصارعة الحق.. ومن صارع الحق صرعه..

  

شعيب العاملي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2017/11/19



كتابة تعليق لموضوع : (13) إلحاد أم عناد ؟! أين الله ؟!
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق إيزابيل بنيامين ماما آشوري. ، على جهل التوراة هل يعني جهل الله او خطأ الوحي أو كذب موسى ؟ - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : سلام ونعمة اخ صالح السنوسي . إذا كانت الكتب المقدسة مخفية وبعيدة عن متناول ايدي الناس فما الفائدة منها؟ وانا معكم الله لا يترك رسالاته في مهب الريح بل يتعهدها عن طريق الأنبياء واوصيائهم من بعدهم اسباط او حواريين او ائمة يضاف إلى ذلك الكتاب الذي يتركه بينهم ، ولكن اذا كفر الناس بخلفاء الانبياء وحاربوهم وقتلوهم ثم اضاعوا الكتب او قاموا بتزويرها فهذا خيارهم الذي سوف عليه يُحاسبون. يضاف إلى ذلك لابد من وجود فرقة او فئة على الحق تكون بمثابة الحجة على بقية من انحرف. وهنا على الإنسان ان يبحث عن هذه الفرقة حتى لو كانت شخصا واحدا. فإذا بدأ الانسان بالبحث صادقا ساعده الرب على الوصول ومعرفة الحقيقة. ذكر لنا المسلمون نموذجا حيا فريدا في مسألة البحث عن الدين الحق ذلك هو سلمان الفارسي الذي اجمع المسلمون قاطبة على انه قضى عشرات السنين باحثا متنقلا عن دين سمع به الى ان وصل وآمن. والقرآن ذكر لنا قصة إبراهيم وبحثه عن الرب وعثوره عليه بين مئآت المعبودات التي كان قومه يعبدونها . لا ادري ما الذي تغير في الانسان فيتقاعس عن البحث .

 
علّق سيف الزنكي السعداوي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : اهلا وسهلا بالشيخ عصام الزنكي في محافظه ديالى السعديه

 
علّق ايزابيل بنيامين ماما اشوري ، على جهل التوراة هل يعني جهل الله او خطأ الوحي أو كذب موسى ؟ - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : سلام ونعمة وبركة عليكم اخي الطيب صالح السنوسي واهلا وسهلا بكم اخا عزيزا . بحثت في فيس بوك ووضعت اسمكم في الباحث ولكن ظهر لي كثيرون بهذا الاسم (Salah Senussi ) فلم اعرف ايهم أنت . والحل إما أن تكتب اسئلتكم هنا في حقل التعليقات وانا اجيب عليها ، او اعطيك رابط صفحتي على الفيس فتدخلها صديق وتكتب لي اشارة . او تعطيني علامة لمعرفة صفحتكم على الفيس نوع الصورة مثلا . تحياتي وهذا رابط صفحتي على الفيس https://www.facebook.com/profile.php?id=100081070830864

 
علّق صالح السنوسي ، على جهل التوراة هل يعني جهل الله او خطأ الوحي أو كذب موسى ؟ - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : اولا انى اكن لك كل التقدير والاحترام وارجو من الله قبل ان اموت التقى بك والله علي كل شى قدير .........طرحك للحقائق جعلتنى اتعلق بكل ما تكتبين وانا رجل مسلم ابحث عن الحقيقة دائما وارى فيك يد العون منك وانا اقدر افيدك ارجو ان تساعدينى لانى لدى كثير من الاسئلة على رسالة عيسى المسيح عليه صلةات الله هدا معرفي على الفيس Salah Senussi اما بخصوص قدسية الثوراة وبقية الكتب ان الله لا يرسل رسالات الى عباده ويتركها في مهب الريح للتزوير ثم يحاسبنا عليها يوم البعث مستحيل وغير منطقى لدالك الكتب الاصلية موجودة ولكن مخفيةوالله اعلمنا بدالك في القران

 
علّق عمار كريم ، على في رحاب العمارة التاريخية دراسة هندسيه في العقود والاقبية والقباب الاسلامية - للكاتب قاسم المعمار : السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة ... شكرا جزيلا للمعلومات القيمة المطروحة حول هذا الموضوع الهام جدا .... يرجى ابلاغنا عن مكان بيع هذا الكتاب داخل العراق ... واذا كانت لديكم نسخة PDF يرجى ارسالها لحاجتنا الماسة لهذه الدراسة مع فائق التقدير والامتنان.

 
علّق سلام جالول شمخي جباره ، على فرص عمل في العتبة العباسية المقدسة.. إليكم الشروط وآلية التقديم : الاسم. سلام جالول. شمخي جباره. خريج. ابتدائيه. السكن. محافظه البصرة المواليد. ١٩٨٨. لدي اجازه سوق عمومي. رقم الهاتف. 07705725153

 
علّق الشيخ العلياوي ، على البُعد السياسي (الحركي) لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام) - للكاتب د . الشيخ عماد الكاظمي : السلام عليكم بورکتم سماحة الشيخ علي هذا الايجاز، ونأمل ان تشیروا الی البعدین العقائدي والفقهی في خروج سيد الشهداء عليه السلام ولا تترکون القارئ في حيرة يبحث عنهما

 
علّق حسن الزنكي الاسدي كربلاء المقدسة ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : يوجد الشيخ قاسم الزنكي في كربلاء ويرحب بجميع الزناكيه من السعديه وكركوك الموصل

 
علّق احمد زنكي كركوك مصلى مقابل الحمام ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : عشيره زنكي في كركوك بدون شيخ

 
علّق ممتاز زنكي كركوكي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : نحن عشيره زنكي في كركوك مصلى القديمه تعرف المنطقه اغلبها زنكي اسديون الأصل من محافظه ديالى سابقا سعديه وجلولاء ومندلي رحلو من مرض الطاعون سكنوا كركوك

 
علّق كريم زنكي السعديه ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : الف هلا ومرحبا بكل عشيره الزنكي ومشايخها الشيخ الاب عصام الزنكي في السعديه

 
علّق محمد السعداوي الاسدي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : سلام عليكم ديالى السعديه ترحب بكل عشيره الزنكي في العراق والشيخ عصام ابو مصطفى الزنكي متواجد في ديالى وبغداد ومرتبط حاليا مع شيخ عبد الامير الاسدي ابو هديل يسكن منطقه الشعب في بغداد

 
علّق خالد السعداوي الاسدي ، على ديوان ال كمونة ارث تاريخي يؤول الى الزوال - للكاتب محمد معاش : أجمل ماكتب عن ال كمونه وشخصياتها

 
علّق ذنون يونس زنكي الاسدي موصل ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : الى الأخ الشيخ ليث زنكنه الاسدي نحن عشيرة الزنكي ليس عشيرة الزنكنه مع جل احتراماتي لكم نحن دم واحد كلنا بني أسد وشيوخ ال زنكي متواجدين في ديالى الشيخ عصام ابو مصطفى والشيخ العام في كربلاء الشيخ حمود الزنكي وان شاء الله الفتره القادمه سوف نتواصل مع عمامنا في السعديه مع الشيخ عصام وجزاك الله خير الجزاء

 
علّق مصطفى الهادي ، على لا قيمة للانسان عند الحكومات العلمانية - للكاتب سامي جواد كاظم : انسانيتهم تكمن في مصالحهم ، واخلاقهم تنعكس في تحالفاتهم ، واما دينهم فهو ورقة خضراء تهيمن على العالم فتسلب قوت الضعفاء من افواههم. ولو طُرح يوما سؤال . من الذي منع العالم كله من اتهام امريكا بارتكاب جرائم حرب في فيتنام ، واليابان ، ويوغسلافيا والعراق وافغانستان حيث قُتل الملايين ، وتشوه او تعوّق او فُقد الملايين أيضا. ناهيك عن التدمير الهائل في البنى التحتية لتلك الدول ، من الذي منع ان تُصنف الاعمال العسكرية لأمريكا وحلفائها في انحاء العالم على انها جرائم حرب؟ لا بل من الذي جعل من هذه الدول المجرمة على انها دول ديمقراطية لا بل رائدة الديمقراطية والمشرفة والمهيمنة والرقيبة على ديمقراطيات العالم. والله لولا يقين الإنسان بوجود محكمة العدل الإلهي سوف تقتصّ يوما تتقلب فيه الأبصار من هؤلاء ، لمات الإنسان كمدا وحزنا وألما وهو يرى هؤلاء الوحوش يتنعمون في الدنيا ويُبعثرون خيراتها ، وغيرهم مسحوق مقتول مسلوب. والأغرب من ذلك ان اعلامهم المسموم جعل ضحاياهم يُمجدون بقاتليهم ويطرون على ناهبيهم. انها ازمة الوعي التي نعاني منها. قال تعالى : (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد). انها تعزية للمظلوم ووعيد للظالم. .

الكتّاب :

صفحة الكاتب : الشيخ حسن يوسف
صفحة الكاتب :
  الشيخ حسن يوسف


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على [email protected]

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net