صفحة الكاتب : حميد آل جويبر

اُمّة ُالتيهِ العظيم
حميد آل جويبر

المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
اترسم الان وجوها مكفهرة غلت في عروقها دماء الثأر وهي تقرأ هذا العنوان المستفِز . حسناً ، اقولها وانا في كامل قواي العقلية باني لا التفت قيد انملة لمثل هذه العصبيات القبلية الفارغة التي تتحمل هي وحدها ابقاءنا نحن العربَ في ذيل قائمة الشعوب . ولا التفت وانا اكتب هذه السطور لمن سينبري لي نافخا اوداجه باننا كنا ذات يوم نتصدر العربة الاولى في قطار الحضارة وان بغداد شاهدة على ذلك العصر. فغايتي الاصلاح ما استطعت وما توفيقي الا بالله الذي عليه توكلت واليه انيب . لا انفي انني كنت ذات يوم جزءا من تيار الخاملين  الذين "اذا فاخرتهم ذكروا الجدودا" . فكلما ذُكرت الحضارة انبريتُ للدفاع عن العرب في زمن العباسيين مذكرا باننا اهدينا الساعة لملك اسبانيا الذي طار عقله في حينها متخيلا ان عقارب فيها تسعى . وعندما تفتحت عيني على الاشياء وبدأت منظومة الوعي المستقل تتشكل في ذهني رويدا رويدا بدأت معها رحلة البحث عن الحقائق التي تعمد تاريخنا المتآمر على ذواتنا اخفاءها علينا بكل صلافة . واذا ما تصدى لهذه الصلافة احد من العالمين وراح ينبش في الدفاتر "العتـّك" ليستخلص منها الحقائق ، انبرت له عصابات تجهيل منظمة لتوئده هو وصوته النشاز معا وخياره الوحيد هو ان يهجر البلاد والعباد معا ليوضع بعدها في قائمة خونة الامة من مهدوري الدم والمال والعرض . ولعل الشرارة الاولى التي اطلقت بي نزعة التمرد كانت ورقة لا تمثل بالنسبة لتاريخنا خاصة الاسلامي منه حدثا ذا خطر عظيم ، واعني بذلك المقترح الجبار الذي قدمه الصحابي الجليل سلمان الفارسي لحبيبه محمد "ص" لحفر خندق امام جيش قريش العرمرم لايقاف زحفه نحو المسلمين القلة . وكان ذلك المقترح قاربَ النجاة الذي انقذ به هذا الفارسي الغريب الاسلام والمسلمين في حينه . فلا رفيف الوحي ولا الصحابة خطر في بالهم خطة جهنمية مثل هذه الخطة التي ستعوض لهم عن نقص العدة والعدد امام جيش ابي سفيان . وتمر الايام وتتعاقب الليالي فاذا بالاسلام شرقا في الصين وغربا في اوروبا ولا نقرأ الا عبارة "العرب المسلمين " في اوراق التاريخ ، ويكفي لاِسكات اي متجرىء على هذه المنظومة العروبية المتعنصرة بان تقول له ان القران عربي ومحمد عربي ولسان اهل الجنة عربي ، فيطبق شفتيه مقتنعا ، وعلى مضض ، بان الله خلق البشرية من اجل سواد عيون العرب فقط . وهل ثمة اهانة يتلقاها الانسان - ضمن مفهومنا طبعا - اقبح من ان يكون اعجمي الارومة . حتى وان كان من العمالقة الذين اسدوا للفكر والعلوم انجازا معينا ، رحنا نبحث في مصادرنا الزائفة عن وشيجة له تلصقه باي عشيرة عربية ولو مختلقة . علماء بالجملة قدموا للحضارة الانسانية منجزا معرفيا ثرا والكثير منهم تكشف اسماؤهم عن هوياتهم ، لا نريد ان نقنع انفسنا بانهم اعاجم ، لان في داخلنا من نوازع العنصرة ما يدفعنا لسلب اي فضيلة من اي امة لكي ننسبها لانفسنا . حتى اذا ما تفاخرت الامم بعباقرتها رحنا نعدد هؤلاء ضمن مفاخرنا. بحكم معيشتي في الغرب وما يتطلبه عملي كاعلامي في محطة تلفزيونية اصبحتْ متابعة مستجدات الاخبار من صلب اهتماماتي ، وتمر علينا في اليوم الواحد اخبار لاعد لها ولا حصر عن منجزات علمية يحققها علماء، بل يتسابقون في تحقيقها كل يوم وفي شتى المجالات خدمة للبشرية المعذبة . لا اتذكر انني قرات اسم عالم ينحدر من اصول غير اميركية الا وذُكرت حقيقة اصله ضمن سياق الخبر . ويحضرني في هذا المجال العالمان الكبيران احمد زويل امد الله في عمره وستيف جوبز انزل الله على قبره شآبيب رحمته . لا اتذكر انني قرات خبرا عن الدكتور زويل الا وقرات اشارة معه عن انحداره المصري وبتفاخر . ومصدر التفاخر الاميركي هنا، هو ان هذه البقعة الجغرافية المكتشفة حديثا، استطاعت توفير اجواء علمية لباحث مصري مغمور في السبعينيات ومكنته من التوصل لاكتشافه الفمتو / ثانية وهي جزء واحدٌ من مليون مليار جزء من الثانية ليفتح بذلك فتحا علميا شاهقا انضم من خلاله الى نادي الحائزين على جائزة نوبل نهاية العقد قبل الماضي. اما ستيف جوبز الذي رحل عنا العام المنصرم والذي له الفضل حتى في نقري على هذه الازرار التي اكتب فيها هذه السطور ، فان منجزه العلمي خاصة في حقل الحواسيب امرٌ وضعه في مصاف عمالقة التاريخ العلمي ، واعتبرت التفاحة المقضومة التي ترمز الى شركته ثالث اهم تفاحة في التاريخ بعد تفاحتي نبي الله آدم والعالِم اسحق نيوتن . هذا الراحل الكبير لم اقرأ خبرا عنه ولا شاهدت تقريرا عن حياته الا واشارا الى جذره السوري من ناحية الاب ، علما بانه كان شبه متنكر لذلك بسبب القطيعة التامة مع ابيه "عبد الفتاح الجندلي " والتي استمرت حتى قضى بالسرطان في الخامس من اكتوبر الماضي . لا اضيف جديدا لو قلت بان علماء المذاهب السنية الاربعة ، نصفهم على الاقل من الاعاجم مع اختلاف على الامام مالك ، والعربي الوحيد الثابت بينهم هو الامام احمد ابن حنبل الذي لا يخفى على احد ما صنعه بعض اتباع مذهبه بالاسلام والمسلمين اليوم . ائمة الصحاح ، البخاري ، الترمذي ، ابن ماجة ، النسائي ، ابن اسحق ، يكاد يُجمَع على اصولهم الاعجمية ، واختـُلف في الامام مسلم النيسابوري بانه من اصل عربي رغم ان لقبه لا يشي بذلك . ائمة العلوم الطبيعية كالبيروني والخوارزمي وابن سينا والفارابي والرازي واضعاف عددهم من علماء اللغة والنحو والتاريخ وعلم الحديث كلهم من الاعاجم، واحيانا من غير المسلمين، لكننا نأبى الا ان نعوض عن عجزنا العلمي اليوم باضافة قوائم طويلة عريضة لعلماء استخدموا اللغة العربية ممرا لتوصيل افكارهم او منجزاتهم العلمية كون هذه اللغة كانت ذات يوم تحكم نصف العالم تقريبا . عظمة بغداد في اوج حضارتها ليس في عدد علمائها او ما قدموه من انجازات ، فهذا تحجيم ظالم لدورها الكبير ، فالذي يريد ان ينصفها حقا يجب ان يقارن حاضرتها قبل الف سنة باي بلد غربي متحضر اليوم . فكلاهما فتح نوافذ مختبراته لعلماء من الشرق والغرب دون التدقيق في انتماءاتهم العرقية او متبنياتهم الفكرية او معتقداتهم الدينية ليصوغوا جميعا حضارة فسيفسائية لم يستحوذ فيها فكر على فكر او معتقد على معتقد او دين على دين . والعودة الى هذه الاجواء العلمية الحضارية المنفتحة تلزمنا ان نتخلى عن العديد من الرواسب التي رانت على عقولنا منذ قرون . ويكفي للتعرف على هذه الرواسب ان تتابع ردود فعل قراء النت على اي خبر او مقال يستقبل اراءهم، لتكتشف بنفسك مدى الانهيار الذي وصل اليه العقل العربي في موسم القفزات العلمية واعني به القرن الحادي والعشرين . فاذا كان المعلقون على الاخبار وهم شريحة افترض ان تكون على جانب من الوعي ، هكذا تنظر الى الامور، فكيف اذن بشرائح واسعة في امتنا لمّا تزل بعيدة كل البعد عن عالم الالكترون الافتراضي وتعتبره من المحرمات شأن جلوس النساء خلف مقود السيارة . اليهود وهم شركاؤنا الفاعلون في حضارتنا الغابرة عاقبهم الله بالتيه لاربعة عقود وهاهم اليوم يمسكون - رغم قلة عددهم - بناصية الثروة والعلوم . اما نحن العرب فان رحلة التيه التي بدأناها منذ امد بعيد ، لا ارى افقا قريبا يبشر بنهايتها ، ولا يغريني ان ارتفعت عمارة خليفة الشاهقة في دبي او افتتحت مدينة للاعلام في البحرين . فعمر الحجر وان طـُليَ بالتبر والعسجد لا احد يتوقع منه تغيير ما في الرؤوس التعبى  

قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat


حميد آل جويبر
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2012/01/05



كتابة تعليق لموضوع : اُمّة ُالتيهِ العظيم
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :





الكتّاب :

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :


مقالات متنوعة :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net