ثلاثية ( الإيمان - والاعتزال - والهجرة )
يحيى غالي ياسين
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
يحيى غالي ياسين

هنالك ثمّة تراتبية بشرية بين ثلاثة عناصر متسلسلة ومتعاقبة بشكل يكاد يكون تعاقباً ذاتياً ضروريا ..
فأول هذه الامور هي عندما يؤمن الانسان بفكرة معينة يخالف بها رأي الأكثرية أو يعيش في مجتمع يؤمن بالضد من فكرته وعقيدته ، وهي فترة التحرر الفكري الشخصي ومرحلة تكسير القيود الموروثة أو المفروضة بيئياً ، ثم بعد هذه المرحلة - مرحلة الإيمان أو التبني الفكري - ولكونه لا يستطيع فرض رأيه وإقناع الآخرين إلا ما ندر مما ليس لهم تأثير اجتماعي معين رغم المحاولات الكبيرة والكثيرة فإنه ( أو أنهم ) سينفصل تدريجياً عن بيئته ويعتزلهم اعتزالاً معنوياً وإن كان ظاهرياً يعتبر جزءاً منهم ، ولنقل هو فيهم ولكن ليس منهم ..
ثم تتطور حالة الاعتزال هذه الى حرب نفسية ومواجهات قاسية وجائرة تصل الى حدّ الخطورة على الإيمان أو على النفس ، فيصبح عندئذ قرار المرحلة الثالثة وهي الهجرة ناجزاً ، يصبح الانفصال الجسدي العضوي من ذلك المجتمع ضروريا ..
وتأريخياً فإن هذه الثلاثية ( الإيمان والاعتزال والهجرة ) متكررة وبكثرة ولكن لعل أوضح مصاديقها هي ما حصل للرسول الأكرم صلوات الله عليه في بداية الدعوة وكيف تحوّل إيمانهم الى عزلة نفسية وفكرية داخل مجتمع مكة بل وصل إلى حد عدم التعاطي معهم بشؤون الحياة كافة ثم عندما ازداد الخطر عليهم تقررت الهجرة الى المدينة ..
فلاحظ الآيتين القرآنيتين التاليتين كيف تتحدثان بوضوح عن هذه المراحل الثلاث :
الآية 1 : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ .
هذه الآية تعطي هذا التسلسل ؛ امنوا - هاجروا - جاهدوا ..
الآية 2 : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
هذه الآية تقول هاجروا من بعد ما فتنوا ، اي الفتنة تكون قبل الهجرة ..
فيكون التسلسل ؛ ايمان - فتنة - هجرة - جهاد ..
والفتنة هنا هي معنى الحرب النفسية الناتجة عن الاعتزال .. وأما الهجرة فهي ليس محل كلامنا في هذا المبحث ..
وهناك شاهد آخر على هذه الثلاثية وهي في قصة أصحاب الكهف ، فصرح القرآن الكريم بهذه المراحل الثلاث ايضاً حيث قال ؛
مرحلة الإيمان : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى .
مرحلتا الاعتزال والهجرة : وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا
حيث الإيواء الى الكهف هو الهجرة هنا .. فتأمل ..
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat