صفحة الكاتب : ليث العبدويس

في تأبينِ مُتسوّلة
ليث العبدويس

 كانَ منظرُها يجْلِدُ بصيرتي كُلما تعثّرتْ بيَ الخُطوّات على أرصفةِ تِلك المدينةِ المنْسيّة، مدينةٌ تعْتاشُ على الجوع وتَتَسربَلُ بالفاقَةِ وتُضاجِعُ الحرمان، مدينةٌ تَشهقُ الذُلّ وتزفُر الضَنَك، أراني أنقادُ جبراً الى حيثُ الزاوية المُتربة القذرِة التي تحتويها مع طِفلها العليلِ الشاحِب.

 ولستُ أدري سِرّ هذا الأقبال على تِلك المخلوقةِ البائِسة، ولا خفايا غَشَيانيَ الدائب لرُكنها التعِس، فالسلائِقُ جَرَتْ أنْ نَفِرُّ مِمّا يُنفّر، ونزوغُ عمّا يُؤثّر، وفي العادة نصُمّ آذاننا عن كلّ صُراخ يؤذي أسماعنا ونُغلق عيوننا دونَ كلّ مشهدٍ يجرَح انفسنا.
 لكنَّ اقدامي تنسابُ بيَ مُكرهة اليها بدافع خفيٍ وهاجسٍ غامضٍ لمْ استبنْ لهُ حتى اليوم تفسيراً، أهيَ الرغبةُ في جَلْدِ الذاتِ وتعذيبها بمشهدٍ يختزل معاناةً انسانيةً مُجردة؟ أم فُضولُ الفُرجة الذي يطفو على سُطوح رغائِبنا مهما كان الموضوع مؤلِماً وناضحاً بالوجع الصامِت؟ أم وازعُ الضمير وتبْكيتِهِ ووخزهِ يدفعني لتلمُّس مصيرها والاطمِئنانِ عليها وعلى ذلك الصغيرِ الذي لا يكادُ ينمو وكأنَّ اعوامهُ الثلاثَ قدْ توقفتْ فلا يزيدُهُ شظَفُ العيشِ الا ضُموراً؟ ضميرٌ لا يجودُ الا بالقليل من النقْد اُلقيهِ بينَ يديْ من تحولتْ الى مزاريَ الدائم لعلّها تَبعَثُ بعض السكينةِ في روعيَ القلق.
 هنُاك مقصدي ومُبتغاي، واليها الوِجهةُ والمهجر، حيث تفترشُ الأرضَ وتلتَحفُ السماء، بقايا امرأةٍ حطّمَ عَسْفُ السنين فيها نضارةَ النِساء، وأذهبتْ المِحنُ مُسحة حُسنٍ غابِر تاركةً بصمة حُزنٍ قاتِم، عليها أسمالٌ باليةٌ لا تُشبه من الثياب شيئاً، بل هيَ محضُ سِترٍ للجسد الذاوي النحيل، ثوبٌ أخْلَقَهُ حَرُّ الصيف وقَرُّ الشتاء وأيتمَهُ ضِيقُ ذاتِ اليَد فلم يظفر بشقيق، ولم أرَ عليها غيرهُ برغم تقادمِ الزمانِ وتواصلِ الأيام، ثوبٌ كرّتْ عليه السنين وأكلَ عليهِ الدهرُ وشربَ وماتَ فلمْ يعدْ له بينَ الألوان لون، فيا ويحَ الانسان، ما أظلمه!
 أرقُبُها من طرفٍ خفي، وأتأملها تسألُ الناس الحافاً وتستقبلهم بما يستقبلهم بهِ المتسولون من خَفيضِ الصوتِ وخُنوع النَبرةِ وانكسار النظرة، فلربما ألحتْ في بعض الأحايينِ اذ لمْ تجِدْ قُوتَ يومِها فخشيتْ أنْ تَباتَ والصَغيرُ طاويةً على مَخمَصة، ولربما ظفرتْ ببعض المال مما تُعينُ بهِ نفسها ووليدَها على نابِ الأيّام وشراسة الزمن، او لعلّها خرجتْ بدُعاء بخيلٍ او مُمسِكٍ مُقْتِرٍ او بما دون ذلك ممن يمرّونَ عليها مرورَ الكِرام فلا يختلِجُ فيهم عِرقٌ او يَرُفّ لهم جَفن، يجاوزونها غير آبهينَ او مبالينَ كأنهم اجتازوا خيطَ دُخانٍ او جُثّة كلبٍ نافِق، أما أسوأ صنوف العابرين فهم اولئكَ النوعُ الذي لا يخفي تقزّزَهُ واشمئزازَهُ من منظرها الرَثْ، فيحِثّ الخُطى مُسرعاً كمن يَفُرُّ من مَجذوم.
متسولةٌ تقِف وولدها عند بوابةِ حيواتنا اللئيمة فلا يُفتحُ لها او تُستعتَب، تَقْعي عند بُقعتها المُعتادة تُهدهِد الصغير البَكّاءَ بترنيمةٍ حنونٍ حَزنى تحفظها كُلّ الأمّهاتُ عنْ ظهرِ قلب، لكنّها تُسلِيهِ بها شطراً من النهار، حتى اذا ما هبطَ المغيبُ وكَلّكلَ الليلُ طوتْ فراشها البالي واحتضنتْ الطفلَ النائم واختفتْ، فلكأنها انبَجَسَتْ عن فراغٍ ونحوهِ ذهبتْ، او أتتْ من العدمِ واليه رحلتْ، وهي كذلك.
فمن كان منا مُتسوّلاً؟ أهي التي تبغي انْ تُقيمَ أودَها وتُسكِتَ جوعها وصغيرها وتَسُدّ رَمْقَها بدراهمٍ بَخِساتٍ نقذِفُهُنَّ بلا اكتراثٍ في حِجْرِها، ام نحنُ الذين كنا نتسوّلُ منها شيئاً من انّسانيتنا المُبعثرة بين ايقاعاتِ الحياة وصخْبها الذي أنسانا من شِدّة ضجيجه كائناتٍ بشريةٍ مسحوقةٍ تقبع في قاعِ الأرض وهامِشِ الوجود ومنافي النِسيان؟
أشكّ سيدتي التي لمْ أعُد قادراً على استحضارِ ملامِحها او زيارتِها في زاويتها الصامِتة مستدراً في دواخلي بعضَ دَمْع الأنسان المُستتر المتواري، أشكُّ أنّكِ لازلتِ على قيدِ الحياةِ فضلاً عن ذلكَ الصغير ذي العودِ الجافّ والنَسغ المُتيبس، ولستُ أدري أينَ أعثرُ على زاويةٍ تُشبههُ تِلك التي اعتدتي الجلوسَ عِندها كيما تَبوحُ مُقلتاي ببعضِ الدَمع الحبيسِ في ذِكرى مُتسولةٍ راحِلة. 
 
  alabedwees@yahoo.com

قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat


ليث العبدويس
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2012/03/16



كتابة تعليق لموضوع : في تأبينِ مُتسوّلة
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :





الكتّاب :

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :


مقالات متنوعة :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net