صفحة الكاتب : القس آرا بدليان

زيارة البابا فرنسيس: فرصة لصناعة السلام وبناء دولة المواطنة
القس آرا بدليان

تأتي زيارة قداسة البابا فرنسيس الى العراق، والتي تعتبر بكل المقاييس حدثاً تأريخياً مهماً وعلامة فارقة في تأريخ الوجود المسيحي في العراق، تأتي في ظل ظروف صعبة ومُعقدة للغاية، بعضها يعانيها العراق أسوة بدول العالم أجمع – في ظل تزايد أعداد الإصابات بفايروس كورونا المستجد – والبعض الآخر يستأثر بها العراق لوحده منذ فترة ليست بالقصيرة. فالتحديّات والصعاب مركبة، بدءاُ بالواقع السياسي القلق والمضطرب، وليس انتهاء بالتحديّات الأمنيّة، مروراً بكمٍ هائلٍ من مصاعب إقتصادية ومالية وإجتماعية وغيرها.
هذا طبعا الى جانب الوضع الذي يعاني منه مسيحيو العراق بصورة خاصة، والذي يتسم بالتشظي على مستوى التمثيل السياسي، والانقسام الى كتل وأحزاب وحركات لا حصر لها، الى جانب خيبات الأمل التي لا تزال تلاحق أولئك الذين هُجّروا قبل أعوام من مناطق سكناهم الأصيلة، والتي لم يستطع العديد منهم حتى الآن من العودة الآمنة إليها. وبجانب هذا وذاك يعيش الكثير من المسيحيين في فقر مدقع، وظروف مؤلمة، وواقع بائس، أما الميسورين فقد إستطاعوا المغادرة الى غير رجعة. ولا يفوتنا ملاحظة التمزق الذي يعتري جسم المرجعية الدينية المسيحية المنقسمة على ذاتها، والتي تضم جماعات تحظى بإعتراف الدولة الرسمي بها، رغم أن البعض منها قد إندثر أبناؤها، ولم يتبق لها غير التمثيل القانوني الرسمي بدون أي وجود فعلي لها، في حين أن هنالك جماعات أخرى لها وجود وتأثير في كل أرجاء الوطن، ولها بصمات واضحة في دعم العيش المشترك ونبذ العنف والإرهاب والتطرف ومد يد العون والمساعدة لجميع أطياف هذا الشعب، مع ذلك فهي لا تحظى بإعتراف الحكومة الإتحادية في بغداد، لكنها تحظى بإعتراف حكومة الإقليم. وتلك إزدواجية لا منطق فيها.
أن يزور قداسة البابا العراق، ويلتقي بمرجعية النجف ممثلة بسماحة السيد السيستاني، ويزور أور مهد إبراهيم النبي، وزقورتها التي تشهد على عُمق حضارة هذا الوطن الضاربة في القدم، ويُصلي في كاتدرائية سيدة النجاة التي شهدت إحدى أبشع الجرائم الطائفية قسوة، ثم يعكف على زيارة الموصل وقرى سهل نينوى ليرى ما حل بمسيحييها ومسلميها وأيزيدييها، وما شهدته كنائسها ومساجدها ومعابدها، من تخريب وآثار لبراثن داعش والتطرّف، فذلك أمرٌ عظيم حقا ينبغي ألا نفوته.
من المؤكد أن قداسته سيلتقي بالكثير من المسيحيين الذي غُلبوا على أمرهم، وهُجّروا مرّة من بغداد الى سهل نينوى إبان العنف الطائفي في بغداد بين عامي 2006-2008، ثم عادوا ليُهجّروا مرة أخرى من هناك الى “اللامكان” ليعيشوا أشهراً وسنوات، بعيداً عن بيوتهم المهدّمة، وقراهم التي عاشوا فيها لقرونٍ طويلة، وكنائسهم التي نُزعت عنها صلبانها وإستبيحت مُقدساتها.
إن هؤلاء لم يفقدوا بيوتا وأموالا وإرثا ثقافيا فحسب، بل فقدوا أمناً ..
فقدوا سلاماً .. و “وطناً” …
ولا زالوا يَفقِدونَ .. أو “يُفقَدُون”.
لست متشائما أبداً، لكنني إنسانٌ واقعي. إذ يمكن لهذه الزيارة التاريخية أن تحظى -بل وبكل تأكيد هي تحظى- بالقبول الرسمي والشعبي والديني والنخبوي، ومن ثم تنتهي لتبقى محفوظة لنا في التاريخ، بأن البابا الـ 266 للكنيسة الجامعة قد زار العراق ذات مرّة.
لكنني أطمح لما هو أكثر من ذلك بكثير. أطمح الى إستثمار زيارة البابا التاريخية لتحظى -ليس فقط لتؤرّخ في كتب التاريخ- بل أن تصبح دافعا لتطوير “صناعة السلام” في هذه البقعة من العالم، ولتعطي زخما للحوار الديني والتعددية الدينية وقبول الآخر المختلف، دون إقصاء أو تهميش، ومغادرة تلك النظرة الأحادية المقيتة، والخروج من ظلمة الفكر المنغلق الى رحاب نور التعايش رغم الإختلاف، ولترسيخ وحدة العمل المسيحي وقبول التنوع الفكري والعقائدي، والتركيز على الحضور الوحدوي القوي، والإبتعاد عن التشرذم ومعالجة أسبابه.
وفي هذا المحور لا يسعني إلا أن أقتبس كلمات الكاردينال لويس ساكو في مبادرته للصلاة لأجل وحدة المسيحيين، والتي أعدتها لجنة مسكونيّة ضمّت ممثلين عن الكنائس الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة والبروتستانتيّة، حيث يُشير الى أن “المسيحيّون المنتمون الى كنائس مختلفة، يُعانون من انقسامات، بسبب التراكمات التاريخية والاحكام المسبقة. هذا الانقسام يجعلهم ضعفاء ويعرقل شهادتَهم المسيحية في المجتمعات المتنوعة التي يعيشون فيها. واذكر العراق على سبيل المثال لا الحصر. في وسط الظروف الصعبة والحساسة التي عشناها ولا نزال نعيشها، من قتلى وجرحى ومخطوفين ومهجّرين ومهاجرين، وحالة من فقدان سلطة الدولة والسيادة الوطنية لا نزال نحن المسيحيين منطوين على انفسنا وخائفين وقلقين، بدل ان نجمع طاقاتنا ونعمل معاً كفريق واحد بحكمة للإسهام بجدية في حل المشاكل ليعود السلام والاستقرار الى ربوع وطننا.”[1] ومن ثم يشدد قداسته على أن التقدم نحو الوحدة، ينبغي أن يكون مقرونا “بالأيمان والمسؤولية ونقرأ علامات الازمنة بتأنٍ ونُصغي بإنسانية عميقة الى صرخة الموجَعين المظلومين ونخفف من معاناتهم.”[2]
إن الوحدة التي أنادي بها ويُنادي بها الكثيرون ليست وحدة “التخلي عن الخصوصية والذوبان في الآخر” بل إنها في الحقيقة وحدة العمل المشترك والرؤية الواحدة الصادقة النابعة من اليقين بالمصير الواحد .. لأجل بناء حلم “دولة المواطنة” التي لا يعود فيها المسيحي -أو غيره- ليوصف بأنه فردٌ من “أقلية” أو “مكوّن” … بل “مواطن”.
نعم .. فقط “مواطن”

* القس ارا بدليان هو
راعي الكنيسة المعمدانية الإنجيلية الوطنية – بغداد
محاضر في كلية اللاهوت المعمدانية العربية – بيروت

  

القس آرا بدليان
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2021/02/27


  أحدث مشاركات الكاتب :



كتابة تعليق لموضوع : زيارة البابا فرنسيس: فرصة لصناعة السلام وبناء دولة المواطنة
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق حسين الزنكي السعداوي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : حي الله ال زنكي في ديالى وكركوك والشيخ عصام الزنكي

 
علّق خالد الشويلي ناصريه ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : عشيره السعداوي في الناصريه هل هيه نفس الأجداد والجذور مع السعديه في ديالى ارجو ان توافوني بالخبر اليقين واشكركم

 
علّق salim master ، على في الذكرى السنوية الأولى لشهادة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ لقمان البدران قدس سره ... : اللهم لا نملك ما يملكون اسالك أن تجعلهم شفعاء لنا يوم نلقاك

 
علّق عمر الكرخي ديالى كنعان ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : نحن من أصل عشيره الزنكي من بعض الهجره من مرض الظاعون نزحنا من السعديه كما نزحت عشيره الزنكي لكركوك وبعض اجزاء سليمانيه نحن الآن مع عشيره الكرخيه لاكن اصولنا من الزنكي سعديه الي الان اعرف كل الزنكيه مع شيخ برزان نامق الزنكنه ولا يعترفون بالزنكي لسوء تجمعات ال زنكي الغير معروفه ورغم انهم من أكبر الشخصيات في ديالى لاكن لا يوجد من يجمعهم لذالك نحن على هبة الاستعداد مع الشيخ عصام

 
علّق كامل الزنكي كركوك ديالى سعديه سابقا ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : مرحبا لكل الزنكيه في ديالى وكربلاء وبالاخص شيخنا العام شيخ عصام الزنكي كلنا معاك ونحترم قدومك لكركوك ونريد تجمع لعشيره الزنكي في كركوك وندعوكم الزياره لغرض التعرف والارتباط مابين زنكي كركوك والمحافظات بغداد وكربلاء وديالى لدينا مايقارب ١٣٠ بيت في منطقة المصلى وازادي وتازه وتسعين

 
علّق ابو كرار الحدادي الأسدي بغداد مدينه الصدر ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نحن اخوتكم من الحدادين بني أسد نحن معكم واي شي تحتاجون نحن في المقدمه وخدام لكم

 
علّق عمر الزنكي كركوك ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : لماذا لاتذكرنه في كركوك أين الشيخ عصام شيخنا نحن من منطقه طريق بغداد الواسطي مقابل أسواق انور

 
علّق ضد الارهاب ، على نفى المركز العراقي لمحاربة الشائعات الصورة التي تم نشرها من قبل النائب محمد الكربولي وادعى انها من داخل سجن الحوت : من يبحث عن الحقيقة عليه ان يتابع الكربولي ويعرف كمية الحقد على الشيعة حتى في صفحاته الثانية والثالثة والتي تديرها الماكنة الاعلامية الاسرائيلية.

 
علّق مصطفى الهادي ، على نفى المركز العراقي لمحاربة الشائعات الصورة التي تم نشرها من قبل النائب محمد الكربولي وادعى انها من داخل سجن الحوت : ((({ودعا المركز النائب الكربولي الى توخي الحذر في ادعائاته )))) لو امسكتم شخص من عامة الشعب يُثير الشائعات ويقوم بتزوير الاخبار ، هل ستنصحوه بتوخي الحذر في اشاعاته وتزويره للاخبار. إذن لماذا أسستم مركز العراقي لمكافحة الشائعات ، لقد اهلك الله الامم السابقة ، لأنها كانت اذا سرق الشريف سامحوه ، واذا سرق الفقير قطعوا يده .

 
علّق احمد الكريطي كربلاء ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : والنعم من ال زنكي كربلاء وديالى

 
علّق احمد الكريطي كربلاء ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : والنعم من ال زنكي كربلاء وديالى

 
علّق منذر الأسدي الجبايش ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : حي الله ال زنكي ديالى والشيخ عصام الزنكي الاسدي

 
علّق فيصل الزنكي كويت ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : تحياتي لعائله الزنكي في العراق والشيخ عصام الزنكي

 
علّق عزيز سعداوي زنكي خانقين ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : السنين الماضيه لانعرف شيوخنا ولا حتى اصلنا الزنكي وأصبح الان الزنكنه نحن معا الشيخ عصام التجمع الزنكي رغم حاليا نحن الآن من القوميه الكرد١١يه ونعرف اصولنا يقولون لعشيره ال محيزم على ما اتذكر من كلام والدي المرحوم محمود زنكي معروف في السعديه

 
علّق احمد السعداوي الزنكي سعديه ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : شيوخنا متواجدين في كربلاء الشيخ حمود الزنكي والشيخ عصام الزنكي سكنه بغداد الشعب وليس سكنه ديالى .

الكتّاب :

صفحة الكاتب : اسعد كمال الشبلي
صفحة الكاتب :
  اسعد كمال الشبلي


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على [email protected]

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net