صياد بطريقة عجوز "أرنست همنغواي"
عبد العزيز ال زايد
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
عبد العزيز ال زايد

ليس كل إنسان يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، البعض يعيش حياة الشقاء وشقاوة الحياة، منذ بواكير أيامه ونعومة أظفاره، الحياة تحتاج لصبر وإصرار لبلوغ المرام.. وإليك السؤال: هل قرأت الرواية النوبلية "العجوز والبحر"، للأديب العالمي أرنست همنغواي؟
إذا كنت قرأتها ستدرك المعنى فورًا، وإليك التفاصيل لتكون في الصورة.. هذه الرواية ذائعة الصيت تسحبك إلى الغوص في عمق البحر، تنقلك إلى ذلك المركَب المعدّ للصيد. ستقذفك السطور إلى ذلك القارب الشراعي البسيط الذي تراقصه الأمواج.
والآن، أغمض عينيك، وحلّق بخيالك لتعايش لحظات خاصّة في عروق أعصاب ذلك الصياد العجوز، الذي راهن عليه المؤلف لحصد جائزته الخالدة، هذا العجوز – بطل الرواية – لديه إصرار من فولاذ لاصطياد سمكة بحرية خرافية تحوم في أسفل الماء!
أغمض عينيك أكثر؛ لتعيشَ تلك اللحظات الطويلة، وأنت تكافح مع الموج والرياح، وتقاوم دوار البحر. إذا عشت أجواء الرواية بالشكل الجيد، فستجد نفسك أنت ذلك الصياد العجوز، وأمامك مسؤولية شرف، وهي اقتلاع السمكة الضخمة من محيطها، وستقول في أعماقك عبارة التحدي الشهيرة: "أكون أو لا أكون".
أحسب أن أرنست همنغواي حول جائزة نوبل التي ينوي الظفر بها، إلى سمكة ضخمة يصعب انتزاعها، هنا تحوّلت روح أرنست همنغواي إلى روح ذلك الصياد العجوز المكافح، الذي يخطط لاقتلاع السمكة من عالمها.
إنّ قوة الأسلوب السردي في هذه الرواية جعلت من همنغواي أستاذًا رائدًا على عرش الرواية الحديثة، ومن يقرأ الرواية بتمعن سيلحظ عنصر "الرمزية" في التخوم، فـ "سانتياغو" -الصياد العجوز- يقاتل أسماك القرش الشرسة، وينافح للسيطرة على سمكته العملاقة؛ ليعيد لمكانته المهنية الشرف.
نستطيع أن نقول إن همنغواي حوّل منافسيه الأقوياء إلى أسماك قرش مفترسة، تستهدف الهدف الشرفي الذي أقسم همنغواي أن يحافظ عليه كوسام شرف، بؤرة دقيقة يمعن همنغواي فيها عدسته، ويضع الهشاشة البشرية أمام محك صراع الإنسان والطبيعة القاسية، والنزاع الصارم المستميت.
تتعملق عقدة الرواية أكثر في تلك اللحظة الدراماتيكية، حين تتقافز أسماك القرش على سمكته الجبارة، فتتخذها وليمة طازجة لا تفوّت. هنا يرى سانتياغو فريسته تؤكل أمام ناظريه دون أن يتمكن من إنقاذ لحمها الطري، تتبخر السمكة العظيمة، كل ما تبقى منها هيكلها العظمي فقط: عمود فقري ورأس وذيل، لن يصدق أحد روايته التي ستعيد له شرفه الضائع، إلا بالاحتفاظ بهذا الدليل المادي – وإن كان مجرد عظم – لكونه سيخرس الأفواه المشككة.. مؤسف جدًا ألا يصدق أحد ادعاءك الحقيقي، مؤسف جدًا أن تحتاج لهذه العظام كدليل مصداقي لإثبات صحة روايتك الحقة.
وبعد رحلة أسطورية طويلة، وصل سانتياغو إلى الشاطئ متعبًا منهكًا لا تعرف عيناه طريقًا إلا إلى السرير، ألقى بالعظام العملاقة على الساحل، وهكذا صدّق الصيادون مقدرته، وأنه مثال لذلك الصياد المخضرم الذي تنحني له الرقاب، وترفع لأجله القبعات.
في هذه الحياة أنت في معركة بحرية، بالطبع ليست معركة ذات الصواري، أو لنقل ذات الصواري بصورة مختلفة، بطريقة هذا الصياد العجوز، الذي ابتكره همنغواي من رحم معاناته مع غرمائه لبلوغ أحلامه الروائية!. فهل تستطيع إثبات مقدرتك ووجودك كما فعلها همنغواي؟
الناس لا يصدقون المزاعم، وإذا أردت أن تحفر اسمك على جبين التاريخ، يلزمك سمكة عملاقة لتصطادها.. قد تختلف هذه السمكة من فرد لآخر، ولكنك تحتاج لذلك الهدف الكبير، كما تحتاج لصبر معياري تتجلى فيه مقدرتك وعزمك، تحتاج أن تتفوق على أسماك القرش، تحتاج لقوة وإرادة حديدية لاقتلاع سمكتك العظيمة. ثم يكون لزامًا عليك الاحتفاظ بها – ولو في صورتها العظمية الهيكلية – لتثبت للجميع أنك فعلتها.
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat