أسمع أنفاس موتهم/ قصة قصيرة
فاطمة فيصل
فاطمة فيصل
قاسٍ هو الأمر أن تجد بعد مضي العديد من السنوات أن الشخص الذي قضيتَ معه مرحلةً من صِباك ليست بالقليلة قد تغيّر.. ونحو الأسوأ!
وقد تهدّمت كثيرٌ من القيم والمبادئ التي كان يعيش عليها!
هكذا وجدتها قد تغيّرت كثيرًا، لدرجةٍ صعب عليّ التعرّف عليها من الوهلة الأولى.
كان وجهها مزيّنًا بمساحيق التجميل المبالغ فيها، ولباسها لم يعد كما كان، بل ازداد سوءًا، والأسوأ من ذلك أن الكثير من قيمها ومبادئها تلاشت وضاعت..
كنتُ كضميرها الحيّ الذي يعاتب لذلك كانت تُشيح بوجهها عني كثيرًا بعد لقاءٍ قُدِّر لنا، وهذا ما جرحني منها..
وجدتها ذات مرة تخبرني عن تجربة عملها في الترويج لمطعم.. هي وعائلتها صُدمت وقتها! وظهرت على وجهي كلّ علامات التعجب، ريام تعمل في المطعم الذي يديره أعداؤنا الداعمون لإسرائيل المحتلة؟! بل وتروّج له بكل ما أُوتيت! قلت لها حينها: أنه مطعم داعم.. ثم أردفتُ بأنني أقصد داعمًا لإسرائيل المحتلة، لفلسطين، لبلدنا العربي، بلد إخواننا المسلمين.. كنتُ أنتظر جوابها حتى داهمنا هجومٌ لم نتخيله يومًا إلا في كوابيس الرعب، فقطع انتظاري وقطع جلسة حديثنا..
أدركتُ حينها أنني قد انفصلتُ عن عائلتي.. كنتُ أبكي وأصرخ، وقلبي يكاد يُنتزع من مكانه، وروحي متألمة جدًا، أريد عائلتي، لا أريد أن يجمعني القدر بمصير بعيد عنهم.. لا أريد هذا البعد!
أين أمي وأبي؟ أين إخوتي وأخواتي؟ بُحّ صوتي من كثرة الصراخ، والخوف سكن داخلي وأنا أرى أبناء بلدي يُدفعون بوحشية من على السفينة، ليسقطوا ويبتلعهم البحر.
كنتُ أسمع بوضوح صوت اختناقهم.. صوت موتهم وهم يغرقون، وآخرين يُحشرون في حقائب سفر فارغة، ليختنقوا ويموتوا داخلها! كنا مخيّرين بين طريقتين أما الموت غرقًا في البحر، أو الموت اختناقًا في الحقيبة، وأحلى هاتين الطريقتين كان مُّرًا.
كيف دخلوا بلادنا؟ لا ندري.. جاؤوا بحقائب سفر، متظاهرين بأنهم سواح، جاؤوا لرؤية معالم حضارتنا بابتسامات زائفة حقيرة، يتجولون على أرض بلدي، يلوثونها بأقدامهم القذرة..
ضربونا بالسياط لكثرة صراخنا ونحيبنا، كنتُ خائفة جدًا، وابتعادي عن عائلتي كان أمرًا لا يُحتمل. كانت هذه أول مرة أفترق عنهم، ولم أدرِ أين ذهبت ريام وأختها اللتان كانتا تقفان معي.
أغمضتُ عيني، وخُيّل لي أن ريام واختها سقطتا في البحر، أو دُسّتا في حقيبةٍ ما غصبًا، إذ لم أرهما..
اقترح أحدهم على قائده أن يُطلق الرصاص علينا جميعًا، لكن الآخر اعترض، قائلًا: إن هذا سيكشف أمرهم، ويجعل حقيقة بشاعة صورتهم واضحة مكشوفة، وإن تعذيبنا وحبسنا أفضل، فوافقه سيده.
في غمرة الرعب ومع شدة الضرب المبرح على بابٍ خشبيٍّ صلب لمكان انحبسنا فيه إجبارًا، تحطّم جزء منه، عندها ولأول مرة، قررتُ أن أتخطى خوفي وأضعه جانبًا وأهرب، متمسكةً بعباءتي، أخشى أن تُنزع مني أو تُنتهك، كنتُ أركض وشعري يتطاير في الهواء، ووجهي عليه آثار الضرب والأذية، هربتُ من خلال فتحة الباب الضيقة..
كان الناس يصرخون بي: "ستُقتَلين! لا تجازفي، ابقي هنا" لكن البقاء بعيدًا عن عائلتي كان موتًا بحدّ ذاته!
ركضتُ.. وركضتُ.. والخوف والرعب يعتريني، وأنا أسمع صوت حبس الأنفاس، صوت الاختناق، صوت الموت يحيط بي من كل اتجاه.
دخلتُ بيتنا مسرعة، أبحث عن عائلتي بجنون. وجدتُ أمي.. وأختي الصغرى.. لكن أين البقية؟! لم يكن الوضع خارجًا آمنًا للبحث، ولم تكن لدي إجابة.
كنتُ أتساءل بيني وبين نفسي: أين المسؤولون؟ لماذا حتى في بلدنا نفقد الأمان؟ من أدخلهم إلينا؟ كيف تسللوا هكذا بيننا؟ ألا يرون أننا نموت الآن، واحدًا تلو الآخر؟ إما غرقًا أو اختناقًا؟!
وأكاد أجزم أن الخوف والرعب كادا يقتلاني، لولا إيماني بأن الله معي، يسمع ويرى وهو خيرُ حافظ..
كانت أمي وأختي الصغرى ترتجفان خوفًا.. وأنا كنتُ بينهما، أرتجف أكثر.
ولم أشأ أن أزيد الرعب، قلتُ فقط لأمي: "إنني خائفة، سيأتون للبحث عني لأنني هربتُ وكَسرتُ كلامهم، سيقتلونني.."
كنتُ أختبئ قرب السرير، وأخبرتُ أختي أن تتستر بملابسها قدر الإمكان، فقد كنتُ أتوقع هجومهم علينا، أخبرتني أمي بأن مستشفيات البلد الآن قد ضجت بحالات الموت خنقًا أو غرقًا.. تساءلتُ بألمٍ ووجع: كم مات منا؟
كنتُ أريد أن أسألها عن أبي وبقية إخوتي وأخواتي، لكن الخوف والرعب جمداني، أخشى أن يأتوا لأخذي بأبشع طريقة ووسيلة.. شددتُ على عباءتي، وتسترتُ أكثر، وجلستُ القرفصاء أدعو الله بقلبٍ أفجعه الرعب.. بروحٍ قد ماتت قهرًا وهي تسمع أنفاس الموتى وترى رعب الموت غرقًا واختناقًا، والصراخ الذي علا بينها محيلًا إياها ساحة رُعب..
دخلوا علينا بوحشية وهم يدفعون الباب بقوة.
قال أحدهم إنهم يبحثون عن أحدٍ فرَّ هاربًا وتجرأ على كسر كلامهم.. كنتُ أشدُّ على عباءتي بقوة، والحمد لله لم يتمكنوا من معرفتي، فَوَلّوا وهم يتوعدوننا بأن مصيرنا اقترب، كما حدث للبقية.. وما إن راحوا حتى سمعتُ صراخ طفل يشبه صراخ أخي، قطع قلبي، كان يبكي وهو يرى أمه تُدسُّ غصبًا داخل حقيبة وتُخنق.. أيّ طريقةٍ ووحشيةٍ هذه؟! كانوا يرمون الكثير من الحقائب التي مُلئت بالبشر المخنوقين.. لا أدري إلى أين بالتحديد..
كل شيء كان يتلاشى ويتدمر، ولا يعود له معنى. أحرقوا جامعتي، المكان الذي كنتُ أوشك أن أتخرج منه، وأخرجونا من بيوتنا، وأحرقوها بوحشية، فرقونا عن عوائلنا، وجعلونا نركض بخوفٍ ورعبٍ في كل شبرٍ من بلدنا، نبحث فقط عن زاوية أمان، الجثث تطفو فوق البحر، والمستشفيات غاصّة بحالات طارئة من الاختناق، وفوضى تعمّ البلد، محيلةً إياه إلى حُطام.
فقدتُ معنى كل شيء، لا أدري أين أنا، وأين عائلتي، لا أدري سوى حقيقة واحدة: أن أحدهم قد خان، وأدخل هذا الغزو علينا بحجة أنهم سواح، وهو يريد أن يُريهم معالم حضارتنا، والدراية بهذه الحقيقة تجعل خوفي يزداد بشكلٍ مرعب..
إنني أموت اختناقًا من خوفٍ ورعبٍ قد ألما بي.
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat