صفحة الكاتب : نبيل محمد حسن الكرخي

الرد على اجمد القبانجي في محاضرته (نقد الاعجاز القرآني) - 2/10
نبيل محمد حسن الكرخي

المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.

بسم الله الرحمن الرحيم

ردد احمد القبانجي في محاضرته هذه نفس الافكار التي تضمنتها محاضرة له بأسم (حقيقة الوحي) ، وربما بعد عدد من الاسابيع سوف يذكر نفس محاضرته هذه تحت عنوان جديد ! والملفت للنظر ان محاضراته عبارة عن القاء شبهاته على الناس ثم يبني افكاره واستنتاجاته استناداً لتلك الشبهات ، فما اشد جهل من بنى عقيدته على الشبهات !!

في هذه المحاضرة وعموم محاضراته يسرد احمد القبانجي كلامه المليء بالمغالطات والكاشف عن مساحة كبيرة من نقص المعلومات المتسبب بتولد الشبهات في فكره فجعلها اساس عقيدته. نعم فعقيدة احمد القبانجي عموماً هي مبنية على شبهات وافتراضات مخالفة للعقل والمنطق السليم وليست مبنية على ادلة ، بل الادلة المعتبرة تفند شبهاته. وسوف نستعرض بعضاً من شبهات احمد القبانجي ونحاول تبيان مواطن الخلل والخطأ فيها بإذن الله ومشيئته سبحانه:

ـ نسب احمد القبانجي للسيد المرتضى والشيخ المفيد انهما لا يقولان بان في القرآن اعجاز بلاغي بل يقولان بالصرفة ظاناً انه بقوله هذا قد وجد شبهة قوية ضد القرآن الكريم ! ولا يدري هذا المسكين ان القول بالصرفة لا يمثل اي شبهة ضد القرآن الكريم ولو كانت تمثل شبهة ما لذكرها الملحدون والنصارى في مواقعهم التي تشتم الاسلام ليلاً ونهاراً ، ولكنهم لم يفعلوا ذلك لأن القول بالصرفة لا يمثل اي طعن بالقرآن الكريم ، وحاشا لعلماء الشيعة الامامية ان يطعنوا بالقرآن الكريم فهم اتباع آل البيت عليهم السلام وهم المتمسكون بالثقلين الكتاب والعترة الطاهرة.

ومعنى الصرفة الذي ذهب اليه السيد المرتضى ان العرب في زمان النبوة لم يتمكنوا من قبول التحدي بالاتيان بمثل القرآن الكريم او بمثل سورة واحدة منه لأن الله سبحانه صرفهم بصورة اعجازية عن الاتيان بالتحدي وليس بسبب الاعجاز البلاغي في القرآن الكريم. وكما ترون فالنتيجة واحدة وهي ان وراء القرآن الكريم قوة الهية منعت العرب من الاتيان بمثل القرآن الكريم سواء بسبب اعجازه البلاغي او بسبب اعجاز الصرفة فالنتيجة واحدة وهي ان القرآن المعجز اثبت صدق النبوة وانه كلام الله سبحانه واثبت صدق النبي صلى الله عليه وآله وصدق جبرائيل عليه السلام الذي بلغه بكل امانة للنبي صلى الله عليه وآله. وسواء كان القول بالصرفة هو الحق او عدم القول بالصرفة هو الحق فكلا الامرين لا ينفعان منهج احمد القبانجي ، ومن المستغرب ان يقوم بايرادهما اللهم الا لغرض التشويش على القرآن الكريم وعظمته ، فالقرآن معجزة سواء كان معجزة بلاغية او معجزة بالصرفة ، والاعجاز هذا كما ذكرنا آنفاً دليل على صدق نبوة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله ، وهذا الاعجاز يدل على انه كلام الله سبحانه وليس من كلام الجن ولا من كلام الملائكة ولا من كلام جبريل عليه السلام لأن هؤلاء لا يتمكنون من الاتيان بالمعجزات.

ومن الجدير بالذكر ان معظم علماء الشيعة خالفوا السيد المرتضى رضوان الله عليه ولم يقولوا بالصرفة بل قالوا بالاعجاز البلاغي للقرآن الكريم. والنتيجة كما اسلفنا واحدة.

ومن المناسب ان ننبه الى بعض الامور منها ان الاعجاز القرآني غير محصور في الاعجاز البلاغي بل هناك اعجازات اخرى منها اعجازه في الاخبار بالغيبيات مثل انتصار الروم بعد هزيمتهم ومثل اخباره بموت ابي لهب وموت الوليد بن المغيرة كافرين. كما ان من معالم اعجاز القرآن الكريم المعارف الاجتماعية والاخلاقية التي اتى بها والتي تفتقر اليها الشرائع التي سبقته وكذلك تفتقر اليها بيئة شبه الجزيرة العربية.

ـ ويقول احمد القبانجي حول نسبة اليد والوجه لله سبحانه بأنها صفات غير معقولة ويجب ان يتعامل معها المسلمون على نحو المجاز وان المعتزلة هم اول من قال بالمجاز بخصوصها ، وزعم انه في القرن الاول للهجرة لم يتطرق اي عالم من علماء بالمسلمين لهذه القضية اي قضية المجاز. وكلامه هذا بعيد عن الحقيقة لأن معظم عقائد المسلمين تتعامل مع هذه الالفاظ على نحو المجاز لا الحقيقة واخص بها عقيدة مدرسة آل البيت عليهم السلام والعقيدة الاشعرية عند اهل السنة. فليس المعتزلة وحدهم من رفض الالتزام بظواهرها بل ان مذهب آل البيت عليهم السلام منذ القرن الاول الهجري هو تأويل الآيات القرآنية التي تحوي على نسبة اليد والوجه لله تعالى ورفض استخدامها كوصف حقيقي.

ـ يقول احمد القبانجي ان "علم الهرمنيوطيقا يختص بفهم النصوص وعلماء الاسلام غافلين عنه". والهرمنيوطيقا هي طريقة لفهم النصوص الدينية بصورة الحادية من خلال سلبها صفة القدسية واعتبارها منتج ثقافي فقط ! فهي (نظرية غربية مادية تنكر الخالق وتؤول الوحي الإلهي على أنه إفراز بيئوي أسطوري ناتج عن المعرفي التاريخي الغارق في الأسطورة ومصطلح الهرمنيوطيقا مصطلح قديم بدأ استعماله في دوائر الدراسات اللاهوتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني « الكتاب المقدس » .. يشير المصطلح إلى « نظرية التفسير » ويعود قدم المصطلح للدلالة على هذا المعنى إلى عام 1654م وما زال مستمرًا حتى اليوم خاصة في الأوساط البروتستانتية،  وقد اتسع مفهوم المصطلح في تطبيقاته الحديثة، وانتقل من مجال علم اللاهوت إلى دوائر أكثر اتسـاعًا تشمل كافة العلوم الإنسانية ؛ كالتاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجى وفلسفة الجمال والنقد الأدبي والفلوكلور). ويعتبر نصر حامد ابو زيد ابرز الذين نادوا بالاخذ بهذا الاتجاه الالحادي في فهم النصوص ويبدو ان احمد القبانجي يريد ان يقلده في هذه المسألة. وبلا شك فان المسلمين يرفضون هذا العلم الالحادي ولا يمكن ان ينخدعوا باقوال خصومهم وخصوم الاسلام العظيم لأن موضوع قدسية النصوص القرآنية هي مما لا شك فيه وقد دل على اصله الالهي عجز الانس والجن عن الاتيان بمثله.

 

ـ يقول احمد القبانجي: "كيف يمكن اثبات ان القرآن من الله ، حيث يمكن ان يكون من الجن ويمكن ان يكون من الملائكة فكيف السبيل لأثبات ان هذا القرآن من الله". وجواب كلامه هو ان القرآن وهو كتاب معجز سواء ببلاغته او بالصرفة فإنَّ اعجازه هذا يعني انه ليس من كلام الجن ولا الملائكة لأنها لا تتمكن من صنع المعجزات فليس لديها القدرة على هذا حتى تتمكن ان تفتري قرآناً بليغاً معجزاً وتنسبه زوراً الى الله سبحانه كما انها للا تتمكن ان تختلق قرآناً ثم تصرف العرب عن معارضته بحسب مفهوم الصرفة ، فالملائكة لا تتمكن من الصرفة الا بإذن الله سبحانه ، واذا فعلت ذلك بإذن الله عز وجل فهذا يعني انها مامورة منه تعالى بفعل ذلك فليس هناك اي اختلاق من قبل الملائكة ولا من قبل الجن بل هو قرآن كريم وما فيه هو كلام الله سبحانه. والقرآن الكريم المعجز سواء ببلاغته او بالصرفة يصف نفسه بانه كلام الله سبحانه في العديد من آياته الكريمة ، هذه قوله تعالى: ((وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ)).

ولو كانت للجن قدرة على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لفعلوا ذلك منذ 1400 سنة بل لفعلوا ذلك مراراً عبر العصور لا سيما وان ابليس وجنوده قد تعهدوا بإضلال الناس ، فما هو سبب انهم لم يفعلوا ذلك سوى انهم لايتمكنون من ذلك اصلاً.

ـ يقول احمد القبانجي: يمكن ان يكون القرآن من جبرائيل وانه كذب وقال انه من الله سبحانه ، وكل العقلاء يقولون بجواز الكذب اذا كان به مصلحة ؟ ولا ندري من اين جاء احمد القبانجي بفرية اجازة العقلاء للكذب اذا كان فيه مصلحة ، فهل يجوز للتاجر ان يكذب اذا كان الكذب فيه مصلحة تجارية له ، وهل يجوز للمؤرخ الكذب اذا كان في كذبه مصلحة عامة يظنها ، وهل يجوز للسياسي ان يكذب اذا كان فيه مصلحة خاصة او عامة !! الا يرى احمد القبانجي ان في تاسيسه لثقافة جواز الكذب اذا كان فيه مصلحة فيه مضار ومساويء كبيرة للمجتمع. فما ادرانا والحال هذه ان احمد القبانجي لا يكذب تحت ذريعة ان هناك مصلحة في كذبه ، وبهذا تسقط كل اعتبارات الثقة بكلامه !!

ومن المعلوم انه في الشريعة الاسلامية يجوز الكذب في حالتين فقط هما دفع الضرر عن النفس او عن مؤمن والاصلاح بين المؤمنين ، فقط في هاتين الحالتين يجوز الكذب اذا لم يمكن التورية فيهما. فما يزعمه احمد القبانجي من جواز الكذب لجلب مصلحة فهو امر مخالف للشريعة الاسلامية وللعقل كما هو معلوم.

اما كلام احمد القبانجي حول مجهولية الواسطة بين النبي صلى الله عليه وآله وبين الله سبحانه وان الواسطة المجهولة قد تكون تكذب وتدعي انها جبريل عليه السلام او ان يكون جبريل نفسه يكذب وحاشاه فهو كلام ساقط من اساسه بدليل الاعجاز القرآني سواء الاعجاز البلاغي او الاعجاز بالصرفة ، فالقرآن المعجز يثبت ان الواسطة المجهولة هي واسطة امينة وانها كما ذكرها القرآن المعجز اسمها وهو الملاك جبرائيل عليه السلام. فدعوى اننا لا نعرف الواسطة بين الله عزَّ وجل وبين نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وآله هي دعوى واضحة التهافت.

وكذلك مزاعم احتمال ان يكون جبرائيل كاذباً فيما نقله من وحي هي مزاعم ساقطة يفضحها اعجاز القرآن الكريم سواء كان اعجازه بالصرفة او اعجازه البلاغي.

ومن المفيد معرفة انَّ الشيطان لا يمكنه ان يتلبس بلباس الملائكة لأن اتصال الملائكة مع النبي انما يكون من خلال سموه الروحي ووصوله الى مقام الكمال بينما الشياطين تريد شخصاً قد انحطت نفسه لتصل به الى درجة الدنائة والخسة والوقوع في الظلمة فتتصل به وتلقي اليه الافكار المنحطة والتعاليم الفاسدة والمخادعة. فلا يمكن للشياطين ان تتصل بالنبي قطعاً ولا ان تظهر له بمظهر الملاك. وبمناسبة هذا القول يتضح لنا ان بولس حينما كان يهودياً ساعياً في اضطهاد المؤمنين اتباع المسيح عليه السلام وقد تلطخت يداه بدمائهم ويطاردهم من مدينة الى اخرى للبطش بهم والفتك بهم فضلاً عن انه كان معاصراً للمسيح عليه السلام ورفض الايمان به رغم ما عرفه من معجزاته ، فبولس هذا وقد وصلت نفسه الى درجة متسافلة من القذارة والانحطاط بولوغه بدماء المؤمنين وسفكه لها في تلك الحالة ظهر له شيطان بصورة نور وهو في طريقه الى دمشق وقال له "انا ربك يسوع الذي انت تضطهده" !! وكان سبباً في تركه دينه اليهودي واعتناقه عقيدة الربوبية في المسيح عليه السلام والتثليث بسبب اغواء الشيطان الذي ظهر له بمظهر النور. ولو كانت نفس بولس طيبة وصالحة لم يكن الشيطان يتمكن ان يظهر له او يتصل به بهذا النحو. مع ان يسوع نفسه ظهر لتلاميذه بعد حادثة الصلب من جديد ولم يكن هناكط نور ولا اي شي بل ظهر له بصورة طبيعية بدون مظاهر النور التي يخدع بها الشيطان اتباعه !

ومن جهة اخرى لو كانت الواسطة المجهولة التي ذكرها احمد القبانجي هي من الجن فهي حينئذٍ من الشياطين بسبب كذبها واغوائها للنبي صلى الله عليه وآله ، فإن كانت من الشياطين فكيف تاتي بكلام  تقول عنه انه كلام الله ثم تملئه بآيات الهداية والارشاد والاصلاح والتقوى مع ان هدفها هو الافساد والضلال للبشر ، فهذا غير معقول وغير ممكن لأن الشيطان لا يهدم مملكته ، فلو كان القرآن ليس كلام الله سبحانه بل كلام شيطان لكان مليئاً بالحث على المعاصي والفجور من اجل تحقيق غايته لا ان يكون بالضد منها. ولذلك فإن كلام احمد القبانجي بعيد عن الواقع ومخالف للعقل والمنطق ولا يمكن قبوله.

ـ يقول احمد القبانجي: "جبرائيل قال عن نفسه انه صادق وهذا غير جائز لأنه يجب ان يثبت بدليل خارجي ان جبرائيل صادق". وجواب شبهته هذه من اوضح ما يكون لأن جبرائيل عليه السلام لو كان كاذباً لكان من جنود ابليس بسبب كذبه واغوائه للناس وحينئذٍ سوف يطرد من الملكوت ويعيش مع الشياطين ويتسافل معهم ـ وحاشاه – ولا يتمكن حينئذٍ من الاتصال بالنبي صلى الله عليه وآله للاسباب الآنفة الذكر نفسها. كما ان اعجاز الصرفة اثبت عناية الله سبحانه بالقرآن الكريم مما يعني ان جبريل عليه السلام كان صادقاً في نقل الوحي ولم يغير فيه شيء من تلقاء نفسه وان العناية الالهية شملت نفس القرآن الذي بلّغه جبرائيل عليه السلام.

ـ يقول احمد القبانجي:  "القرآن نفسه يبطل الاعجاز البلاغي لانه يتحدى الجن والانس ، فهذا التحدي العام لا معنى له اذا كان الاعجاز بلاغي ، فاذا كان معجز بلاغيا فيجب ان يتحدى العرب فقط ، اما ان يقول للتركي والفارسي والانكليزي ان يتحدون بالاتيان بكلام عربي بليغ فهو تحدي يكون باطل". وفي الحقيقة فإن احمد القبانجي قد اخطأ هنا حيث انه يظن ان المسلمين يقولون ان الاعجاز في القرآن الكريم انما هو اعجاز بلاغي فقط بينما الصواب غير ذلك فالمسلمون يقولون ان الاعجاز في القرآن هو اعجاز بلاغي واعجاز بالاخبار عن الغيبيات واعجاز بالاتيان بالنظم الاجتماعية ومسببات الهدى والصلاح والرشاد مما لا يتمكن احد من الاتيان بها ، فالاية تتحدى الانس والجن ومن الانس العرب والعجم ، فما كان تحدياً بلاغيا فهو يخص العرب منهم وما كان تحدياً بنظمه واسلوبه ومعارفه فهو يخص العرب والعجم. وفي هذا الصدد يقول السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسير الميزان ، ج1 ص59: (فجميع التحديات الواقعة في القرآن نحو استدلال على كون القرآن معجزة خارقة من عند الله ، والآيات المشتملة على التحدي مختلفة في العموم والخصوص ومن أعمها تحديا قوله تعالى : ( قل لئن إجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) الاسراء - 88 ، والآية مكية وفيها من عموم التحدي ما لا يرتاب فيه ذو مسكة . فلو كان التحدي ببلاغة بيان القرآن وجزالة اسلوبه فقط لم يتعد التحدي قوما خاصا وهم العرب العرباء من الجاهليين والمخضرمين قبل اختلاط اللسان وفساده ، وقد قرع بالآية أسماع الانس والجن . وكذا غير البلاغة والجزالة من كل صفة خاصة إشتمل عليها القرآن كالمعارف الحقيقية والاخلاق الفاضلة والاحكام التشريعية والاخبار المغيبة ومعارف اخرى لم يكشف البشر حين النزول عن وجهها النقاب إلى غير ذلك ، كل واحد منها مما يعرفه بعض الثقلين دون جميعهم ، فإطلاق التحدي على الثقلين ليس إلا في جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات . فالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته ، وللحكيم في حكمته ، وللعالم في علمه وللاجتماعي في اجتماعه ، وللمقنين في تقنينهم وللسياسيين في سياستهم ، وللحكام في حكومتهم ، ولجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعا كالغيب والاختلاف في الحكم والعلم والبيان . ومن هنا يظهر أن القرآن يدعي عموم إعجازه من جميع الجهات من حيث كونه اعجازا لكل فرد من الانس والجن من عامة أو خاصة أو عالم أو جاهل أو رجل أو امرأة أو فاضل بارع في فضله أو مفضول إذا كان ذا لب يشعر بالقول ، فان الانسان مفطور على الشعور بالفضيلة وإدراك الزيادة والنقيصة فيها ، فلكل إنسان أن يتأمل ما يعرفه من الفضيلة في نفسه أو في غيره من أهله ثم يقيس ما أدركه منها إلى ما يشتمل عليه القرآن فيقضي بالحق والنصفة ، فهل يتأتى القوة البشرية أن يختلق معارف إلهية مبرهنة تقابل ما أتى به القرآن وتماثله في الحقيقة ؟ وهل يمكنها أن تاتي بأخلاق مبنية على أساس الحقائق تعادل ما أتى به القرآن في الصفاء والفضيلة ؟ وهل يمكنها أن يشرع أحكاما تامة فقهية تحصي جميع أعمال البشر من غير اختلاف يؤدي إلى التناقض مع حفظ روح التوحيد وكلمة التقوى في كل حكم ونتيجته ، وسريان الطهارة في أصله وفرعه ؟ وهل يمكن أن يصدر هذا الاحصاء العجيب والاتقان الغريب من رجل امي لم يترب إلا في حجر قوم حظهم من الانسانية على مزاياها التي لا تحصى وكمالاتها التي لا تغيا أن يرتزقوا بالغارات الغزوات ونهب الاموال وأن يئدوا البنات ويقتلوا الاولاد خشية إملاق ويفتخروا بالآباء وينكحوا الامهات ويتباهوا بالفجور ويذموا العلم ويتظاهروا بالجهل وهم على أنفتهم وحميتهم الكاذبة اذلاء لكل مستذل وخطفة لكل خاطف فيوما لليمن ويوما للحبشة ويوما للروم ويوما للفرس ؟ فهذا حال عرب الحجاز في الجاهلية . وهل يجتري عاقل على أن يأتي بكتاب يدعيه هدى للعالمين ثم يودعه أخبارا في الغيب مما مضى ويستقبل وفيمن خلت من الامم وفيمن سيقدم منهم لا بالواحد والاثنين في أبواب مختلفة من القصص والملاحم والمغيبات المستقبلة ثم لا يتخلف شئ منها عن صراط الصدق ؟ . وهل يتمكن إنسان وهو أحد أجزاء نشأة الطبيعة المادية ، والدار دار التحول والتكامل ، أن يداخل في كل شأن من شئون العالم الانساني ويلقي إلى الدنيا معارف وعلوما وقوانين وحكما ومواعظ وأمثالا وقصصا في كل ما دق وجل ثم لا يختلف حاله في شئ منها في الكمال والنقص وهي متدرجة الوجود متفرقة الالقاء وفيها ما ظهر ثم تكرر وفيها فروع متفرعة على أصولها ؟ هذا مع ما نراه أن كل إنسان لا يبقى من حيث كمال العمل ونقصه على حال واحدة . فالانسان اللبيب القادر على تعقل هذه المعاني لا يشك في أن هذه المزايا الكلية وغيرها مما يشتمل عليه القرآن الشريف كلها فوق القوة البشرية ووراء الوسائل الطبيعية المادية وان لم يقدر على ذلك فلم يضل في انسانيته ولم ينس ما يحكم به وجدانه الفطري أن يراجع فيما لا يحسن إختباره ويجهل مأخذه إلى أهل الخبرة به).

ـ يقول احمد القبانجي:  "ممكن ان يكون الجن قد قبلوا التحدي واتوا بمثل هذا القرآن ولكننا ليس لدينا اتصال مع الجن  لنعرف ذلك. فكيف سنعرف ان الجن اتوا او لم ياتوا بمثله". فهنا يزعم احمد القبانجي انه لا اتصال بين الانس والجن وهي مزاعم بعيدة عن الصحة لأن الجن يتصل مع الانس من خلال الوسوسة وكذلك كان عندهم في الجاهلية الكهان الذين يتصلون بالجن والشياطين عبر طرقهم الخاصة. ولو كان الجن والشياطين قد تمكنوا من تحدي القرآن لوسوسوا به الى كفار قريش والى الكهان الذين بداوا يفقدون مكانتهم بسبب الاسلام فينشروه ضد الاسلام ويعارضوه ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك.

ـ يقول احمد القبانجي:  "الاعجاز البلاغي اعجاز فردي لا يمكن ان يتحدى الجميع ، فالتحدي يجب ان يكون لكل واحد على حدة لا ان يتحداهم جميعاً ، فالبلاغة عند الشعراء لكل واحد منهم رؤية خاصة ، لا يمكن للبلغاء ان يجتمعوا وياتوا بقصيدة لأن القريحة الشعرية لشاعر لا يمكن ان تختلط مع القريحة الشعرية لشاعر آخر".  وهذا الكلام عجيب فاحمد القبانجي يخلط بين القريحة الشعرية وبين بلاغة القصيدة واستعمال الالفاظ الفخمة حيث ان الشاعر يمكنه ان يستعين بآخر من اجل تحسين قصيدته وتبديل بعض الفاظها وتحسين شاعريتها وبعض معانيها.

ـ يقول احمد القبانجي:  "كلام للامام علي بن ابي طالب في نهج البلاغة ، جميع علماء الشيعة يقولون فوق كلام المخلوق. يعني الامام علي يمكن ان يتحدى جميع البلغاء العرب ولا يستطيعون الاتيان بمثله فهل يعني هذا ان كلام الامام علي معجزة بلاغية". ولكن احمد القبانجي لم يكمل المقال الذي نسبه لعلماء الشيعة بخصوص نهج البلاغة فهم يقولون انه فوق كلام المخلوق ولكنه دون كلام الخالق ، أي دون القرآن الكريم ، فلا احد من الشيعة يقول ان بلاغة نهج البلاغة يمكن ان تنافس بلاغة القرآن الكريم. ولو كانت بلاغة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام يمكن ان تنافس القرآن الكريم لتذرع بذلك خصوم الاسلام بينما نجدهم وقد فشلوا في تحدي بلاغة القرآن الكريم طيلة القرون الماضية رغم انتشار كتاب نهج البلاغة عند جميع الناس ! والبلاغة كما يقول صاحب تفسير الميزان ثلاث طبقات اعلاها معجز وادناها واوسطها ممكن. ولذلك نجد ان بلاغة نهج البلاغة هي في الطبقة دون المعجز وفي قمة طبقة الممكن.

واخيراً فان مزاعم احمد القبانجي "بأن القرآن الكريم هو وحي ملقى الى النبي صلى الله عليه وآله وان النبي صلى الله عليه وآله قد ذكره بالفاظه لما يناسب ذلك الزمان فقط فيزعم انه كلام النبي وليس كلام الله سبحانه" ! فيدحضه بالاضافة الى ما قلناه آنفاً مسألة ان كلام النبي صلى الله عليه وآله في الاحاديث المروية عنه معروف وهو لا يرقى الى بلاغة القرآن الكريم ولو كان القرآن كلام النبي لوجدنا القرآن والاحاديث على مستوى واحد من البلاغة.


قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat


نبيل محمد حسن الكرخي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2011/04/25



كتابة تعليق لموضوع : الرد على اجمد القبانجي في محاضرته (نقد الاعجاز القرآني) - 2/10
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 

أحدث التعليقات إضافة (عدد : 5)


• (1) - كتب : متابع ، في 2012/05/28 .

مقالة رائعه استاذ نبيل... احسنتم وبارك الله بكم

• (2) - كتب : نبيل محمد حسن ، في 2011/11/16 .

بسم الله الرحمن الرحيم
ست فاتن نور كلامك مقبول ومفهوم ومحترم لكن غابت عنه نقطة واحدة فقط. طبعاً لا يمكن ان نقبل بان يكون القرآن كلام الله سبحانه لمجرد ان ذلك ورد فيه بل يجب ان يكون هناك دليل خارجي على هذه النسبة الالهية ، والدليل الخارجي موجود في القرآن الكريم نفسه ليس من خلال ادعاء القرآن فقط بل من خلال الاعجاز الموجود فيه. فالاعجاز القرآني وهو اعجاز متعدد الوجوه والابعاد هو الدليل الاكيد على صدق ان يكون القرآن الكريم هو كتاب الله سبحانه.
وكما تعرفين فان الاعجاز القرآني يشمل وجوه عديده ابرزها حين نزوله هو الاعجاز البلاغي الذي اذعن له العرب الفصحاء الذين بلغوا قمة الفصاحة قبيل واثناء نزول القرآن الكريم ، ونعلم اليوم ان العديد من العلماء في البلاغة العربية هم من غير العرب وهم ايضاً مذعنون لبلاغة القرآن الكريم.
اما وجوه الاعجاز القرآني الاخرى فقد تطرقنا اليها في سلسلة مقالاتنا هذه نتمنى ان تكوني قد اطلعتِ عليها.

• (3) - كتب : سليم الكردي ، في 2011/11/15 .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
أرى أن نقد أحمد القباجي وأسئلته ومناقشاته كأسئلة الأطفال الصغار غير المقبولة منطقياً بحيث لايقدر المسؤول عنه الإجابة،فيقف صامتاً.. ثم كلامه "القرآن نفسه يبطل الاعجاز البلاغي لانه يتحدى الجن والانس ، فهذا التحدي العام لا معنى له اذا كان الاعجاز بلاغي ، فاذا كان معجز بلاغيا فيجب ان يتحدى العرب فقط ، اما ان يقول للتركي والفارسي والانكليزي ان يتحدون بالاتيان بكلام عربي بليغ فهو تحدي يكون باطل"، أقول وأنا كردي ولست عربياً، أرى العرب وخاصة ملوكهم ورؤساهم ومسؤوليهم عندما يلقون خطاباتهم - أرى من الأخطاء في التلفظ الصحيح للكلمة مما بقلب الفاعل مفعولاً به وبالعكس وعلى عكسهم وخاصة الأكراد فعندما يلقون خطاباتهم باللغة العربية تراهم وكأنهم من عصر الصحابة، بلاغة-إتقان-التلفظ الصحيح للكلمات....الخ.
أحمد القبانجي ومن مثله من الذين ضلوا سبيلهم لابد علينا نحن المسلمين المهتدين الرد على كلامهم بكلام سلس والاتيان بأدلة دامغة من القرآن الكريم والسنة النبوية والمصادر الطبية وباقي العلوم التي احتج بها لنفسه، فلربما غلبه الشياطن وأوقع في صدره الشك، فيحتاج لليقين.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

• (4) - كتب : عبد الله من : عراق ، بعنوان : علماني ام شيوعي؟ في 2011/05/25 .

السلام عليكم
كلام احمد القبانجي يذكرني بكلام الشيوعيه و العلمانيه لان بحثه بعيد عن الايمان و عباره عن نقد. اذا الرهان حلال لتراهنت انه يؤمن بنظريه داروين...نظريه التطور

تحياتي



• (5) - كتب : فاتن نور من : USA ، بعنوان : بعيدا عن محاضرة القبانجي في 2011/05/02 .

تحية طيبة..
بعيدا عن محاضرة القبانجي..
جدلا.. ولأنه لا يوجد بتصوري بينة قاطعة حول ألوهية القرآن فمن يفترض إلهويته عليه إثباتها بالبينة.. ومنطقيا ومن وجهة نظري المتواضعة ، لا يصح تسخير المحتوى القرآني أو مادته لإثبات إلوهيته لأن هذه المادة هي موضع الجدل والمزمع من المجادل إثبات إلوهيتها.. بمعنى لا يمكن أن نأخذ البينة من القرآن لإثبات آلهويته ، لأن القرآن ببيناته هو موضع الجدل أو الخلاف.
على سبيل المثال فقط .. لو أصدرت كتابا وذكرت في صفحته العاشرة بأن مادة كتابك عبارة عن حوار حقيقي دار بينك وبين طائر غرائبي في أقاصي جبال الأنديز.. ولو سألناك إثبات إدعائك هذا هل يبدو معقولا أن تشير الى الصفحة العاشرة من الكتاب كبينة لا تقهر؟ أم لا بد أن تعضد إدعاءك ببينات من خارج كتابك وما طاب لك سرده على صفحاته..
والحديث قد يطول..ولكن.. هل ترى سيدي الكريم ثمة منطق لا بأس به في مداخلتي هذه أم أنها محض لغو؟..

كل الود مع تحية المطر






حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :





الكتّاب :

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :


مقالات متنوعة :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net