• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الإيدز : نذير انهيار الحضارة الغربية .
                          • الكاتب : صبري الناصري .

الإيدز : نذير انهيار الحضارة الغربية

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
يحتفل العالم اليوم الأول من كانون الأول بذكرى يوم الايدز العالمي، وجعل يوم عالمي لقضايا البشرية المهمة كالمرأة والعمال والقدس حالة ايجابية في حياة الأمم لان مثل هذه القضايا تتطلب تخصيص يوم لها في السنة على الاقل يستوقف العلماء والمفكرين والمتخصصين والمسؤولين عن هذه القضية او تلك لاجراء مراجعة لها ابتداءاً من تشخيص المشكلة وتحليل اسبابها الى كيفية علاجها والآليات التنفيذية للحل وإجراء التحليلات والاحصائيات والدراسات لكل هذه المراحل.
ومرض الأيدز من المشاكل الكبيرة التي تعاني منها البشرية وتسبب لها التعاسة والشقاء والفناء فيوجد في العالم اليوم اكثر من (30) مليون اصابة بهذا المرض الذي يفتك بحياة (8-10) الآف انسان يومياً أي اكثر من ثلاثة ملايين سنوياً فهو السبب رقم واحد في قائمة اسباب الموت يتقدم على ضحايا الحروب والمجاعات وحوادث السيارات والطائرات وغيرها وقد وقفت الدول المتقدمة فضلاً عمن هو دونها عاجزة عن مواجهة هذا المرض وأعترفوا بفشلهم في القضاء عليه بل الحد منه وأكثر الدول ابتلاءاً بهذا المرض هي تلك الواقعة في وسط وجنوب افريقيا واقل الشعوب تعرضاً للاصابة هم المسلمون وتكاد تكون خالية منه الى وقت قريب حتى نقلت الانباء خبر موت (588) بمرض الأيدز في المملكة العربية السعودية (النشرات الاخبارية ليوم 30/11/2004) ومن قبل ضبطت وزارة الصحة العراقية شحنة من الحقن التي تعطى للحوامل عند اختلاف فصيلة الدم مع الزوج وهي ملوثة بفايروس هذا المرض. وهذه الاخبار تدق ناقوس الخطر امام المسلمين وتلفت نظرهم الى شكل من اشكال العدوان الذي يمارسه الغرب المستكبر ضدهم فهو -أي الغرب- لا يفتر عن الكيد لهم -أي المسلمين- والتخطيط للقضاء عليهم وكسر شوكتهم وتجريدهم من عقائدهم واخلاقهم بنشر وسائل الدمار والفساد والفسق والفجور فيهم ليستعبدهم ويسلب ثرواتهم.
اننا في هذا اليوم نريد ان نتوقف عند عدة دروس وعبر مستفادة من ابتلاء البشرية بهذا المرض الفتاك:
1- ان الغرب مهما بالغ في تفوقه في العلوم والتكنولوجيا والطب حتى صنع هالة مقدسة حوله يبقى عاجزاً امام فايروس لا يرى بالعين المجردة فلا يستطيع القضاء عليه بل ولا الحد من انتشاره ووقف كالمارد يحطم جبروتهم وطغيانهم مصدقاً قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)(العنكبوت:41) وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)(الحج:73)) فلا ينبغي للمؤمنين ان يغتروا بهم ولا ان يتخذوهم اولياء او يذوبوا في حضارتهم الزائفة.
2- ان السنن الالهية جارية في هؤلاء الاقوام الذين استكبروا عن المنهج الالهي القويم وعصوا شريعة الله تبارك وتعالى فلا بد ان يتعرضوا لما جرى على الامم السابقة لهم وقد مرت بهم مرحلتان (107) وهما:
الأولى: مرحلة الأخذ بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ويعودون الى الله تبارك وتعالى وقد مروا بويلات وكوارث احدها الحرب العالمية الثانية التي قتلت (41) مليوناً من البشر من الحلفاء غير دول المحور. فإذا لم ينفع البلاء في استغفارهم وتوبتهم جاءت الثانية وهي مرحلة الاستدراج واغداق النعم والاغراق في الترف واللهو والملذات التي تسبب الغفلة وقسوة القلوب وقد وصف الله تبارك وتعالى هذه الحالة عندهم بقوله (حتى عفوا) أي تعافوا واصبحوا في سعة من الحال وعافية وهي المرحلة التي عاشها الغرب خلال العقود الماضية فراحوا يتفننون في اختراع المتع والملاهي والملذات ويعقدون المباريات والمهرجانات والاحتفالات الصاخبة لها وقبل ان يملوا حالة اوجدوا غيرها وامتلأت جيوبهم وبطونهم من خيرات الأرض حتى راحوا يحرقون الفواكه ويرمون اللحوم في البحر ليحافظوا على اسعار السوق وحينئذٍ تأتي مرحلة الأخذ والفناء والقضاء عليهم وها هو ذا مرض الأيدز احد النذر لفنائهم.
وقد وردت الاشارة الى هذه السنن في مواضع عديدة من القرآن الكريم ومنها قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِوَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُون، الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (الأعراف : 94-95).
3- ان الغرب يتشدق كثيراً بحماية حقوق الانسان ونشر المنظمات الانسانية في العالم بينما يدير وجهه عن تقديم الدعم المناسب لمواجهة هذا المرض بحرب عالمية واسعة للقضاء عليه وقد اعترف الأمين العام للأمم المتحدة بتنصل الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب الأخرى عن تعهداتها بتمويل هذا المشروع الانساني والتخفيف عن آلام المصابين رغم انها انفقت اضعاف هذا المبلغ لتمويل حملتها ضد ما يسمونه بالارهاب رغم ان ضحايا الارهاب المزعوم لا يتجاوز عشر معشار ضحايا الأيدز، فهم اذن لا يهتمون بالمبادئ الانسانية ولا حل مشاكل البشر ورفع معاناتهم وانما يحكمهم الربح والخسارة المادية ومواجهتهم لمرض الايدز لا تدرّ عليهم ارباحاً ولا مكاسب.
4- مصداقية الاحاديث الواردة عن اهل البيت (عليهم السلام) فمن المعلوم ان السبب الرئيسي للأيدز هي الممارسات الجنسية غير المشروعة وقد ورد عنهم (عليهم السلام) (للزاني ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة: اما التي في الدنيا فيذهب بنور الوجه ويورث الفقر ويعجل الفناء واما التي في الآخرة هو سخط الرب وسوء الحساب والخلود في النار) وحين تطبق هذه الخصال على نتائج واعراض مرض الايدز سيكون بدرجة دقيقة اما ذهاب نور الوجه فمن عدة جهات (108):
أ- ان المصاب بالأيدز يكون شاحب الوجه وبسبب ضعف الجهاز المناعي عنده فانه يكون عرضة للاصابة بكافة الامراض مما يجعل بدنه سقيماً عليلاً.
ب- ان من لوازم الوقاية من الايدز عزل المصاب به اجتماعياً مما يجعله كئيباً شاحباً ذليلاً ومعذباً لان من طبع الانسان الانس بالآخرين لذا جعلوا من وسائل التعذيب في السجون الزنزانة الانفرادية.
جـ- ان التكاليف الباهضة لمعالجة المرض تستنفد كل ما عند المصاب من اموال مضافاً الى عزله عن القيام بالاعمال بشكل طبيعي مما يجعله ذليلاً يطلب مساعدة الآخرين ويستجدي عطفهم.
د- ان البعيدين عن طاعة الله تبارك وتعالى يعيشون خواءاً روحياً والروح -كالجسد- تحتاج الى غذائها فالنقص فيه يجعله في هزيمة نفسية وتمزق داخلي عبر عنها الله تبارك وتعالى بقوله (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) (طـه: مـــن الآية124).
واما انه يورث الفقر فمن عدة جهات:
أ- ان المرض اكثر ما يصيب الشباب الذين يتراوح اعمارهم (15-40) سنة وهي الشريحة التي تبني البلد وتثري المجتمع بالعطاء والانتاج والمرض يقعدهم عن العمل فيفتقرون في انفسهم ويعطلون نشاط الأمة.
ب- كلفة المعالجة الباهضة التي تستنفد كل الامكانيات المادية فان الوصفة الطبية للعلاج غالية الثمن وتتطلب مواظبة يومية على مدى سنين فاذا ضربت كل ذلك في عدد المصابين بالمرض حصلت على ارقام مرعبة من المبالغ.
جـ- عزوف اصحاب الاموال عن الاستثمار في المناطق الموبوءة بالمرض وفرارهم منها وهي معاني اجتماعية تحليلية لما ورد من الآثار في ان الأمم العاصية تحبس عنهم السماء قطرها والارض بركاتها. ومصداقاً لقوله تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)(النحل:112).
واما تعجيل الفناء فمن اكثر من جهة:
أ- ان النتيجة الحتمية للمصاب بهذا المرض هو الموت في فترة تتراوح بين عدة اشهر الى عدة سنوات.
ب- ان اكثر ما يصيب المرض هي الفئة العمرية (15-45) سنة وهو عمر الانجاب الطبيعي فموتهم يعني حرمان الامة منهم ومن العدد المحتمل الذي يفترض انهم ينجبونه حتى يقطع دابرهم ويهلك نسلهم وعن مثل هذا قال تعالى في قوم لوط (قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ، وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ، فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ، وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) (الحجر : 63-66) وهي حالة ليست خاصة بقوم بل تشمل كل الامم المعرضة عن الشريعة الالهية (وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ)(هود: من الآية83).
جـ- ان مرض الايدز معدي فهو ينشر سبب الموت بسرعة.
د- ان المصاب بالايدز يعيش حالة من الحقد على الاخرين والحسد لهم ويعاني من عقدة الحقارة تجاههم خصوصاً عند شعوره بالنهاية فيندفع للانتقام من الاخرين.
ان مثل هذه الدراسة الاجتماعية لنصوص المعصومين (عليهم السلام) تبين عظمتهم (عليهم السلام) وصدق انتمائهم للخالق المدبر وتساعد بشكل كبير على اقناع غير المنتمين الى مدرستهم بالرجوع اليهم وهو الاسلوب الذي ينفعنا في الحوار الحضاري القائم اليوم.
5- ان عجز الغرب عن مواجهة هذا المرض الفتاك قد يكون له علاقة بالظهور المبارك الميمون للمهدي المنتظر (عليه السلام) من حيث ان الأخبار دلت على نزول السيد المسيح (عليه السلام) لتأييد الامام (عليه السلام) ولما كانت معجزته الرئيسية شفاء المرضى من الامراض المستعصية وشفاء الموتى فستكون معالجته (عليه السلام) لمرضى الايدز بل لموتاه حجة بالغة على اتباعه للتصديق به وبدعوته المباركة.
وهذه مجرد اطروحة قابلة للنقاش والا فان الرحمة الكبيرة التي يحملها الإمام (عليه السلام) للبشر جميعاً من أتباعه ومن غيرهم لا تسمح بان يترك البشرية معذبة وتعيش الشقاء بل يتدخل لانقاذها ولكن ماذا يفعل لها اذا اختارت الشقاء بنفسها كما قال تعالى (أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ)(الزمر: من الآية19).
من هذا كله يتحصل ان البشرية اذا ارادت ان تعيش بسعادة وسلام وطمأنينة فعليها العودة الى الله تبارك وتعالى والالتزام بشريعته (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(لأعراف:96) وهنا يأتي العتاب بل الانذار من الله تبارك وتعالى (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ، أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ، أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)(لأعراف:97، 98، 99) وسلسلة الايات طويلة تبدأ من الاية 93 من سورة الاعراف وما بعدها وهي جديرة بالتأمل والتدبر وكسائر آيات القرآن ليصحو الانسان من غفلته فلا تفوتنكم.
أسأل الله تعالى ان يوقظنا من نومة الغافلين وان يهدينا الصراط المستقيم ويجعلنا من المتمسكين بحبله المتين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
من حديث سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي في يوم العالمي لمكافحة الايدز



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=11830
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 12 / 02
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 12 / 1