• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : كربلاءُ..وسرُّ الخلودِ .
                          • الكاتب : صالح المحنه .

كربلاءُ..وسرُّ الخلودِ

واقعة كربلاء..لم تكن الجريمة الأولى في التاريخ الأجرامي للدين المزيف .. بل سبقتها جرائمٌ كثيرة ،وعلى قدرٍ من البشاعة التي تؤلم ضمير العدالة وتوخز شرف الأنسانية، وكذلك اعقبت كربلاء جرائمٌ أخرى كثيرة على أيدي المتاجرين بالأسلام ، بل هناك كوارث كبرى حلّت بالعالم ... ثم لايكاد يمر عليها عام أو عدة أعوام حتى يخبو بريقها ويُدرسُ أثرها ، إلا كربلاء...فقد تفرّدت بالخلود والأستمرار، ففي كل عام ..وكل يوم يتجددُ ذكرها، بل هي باقية .. ذاك المعين الذي لاينضب ..والعطاء المتوهج.  يستلهم منه الثائرون عزيمتهم ،ويتخذها الأحرار شعارا لهم ، وهي ذاك الدرس الذي وسع كل الفصول ،وسيتمدد الى آخر الزمان.. ترى ما سرُّ هذا الخلود..؟ إن كان للخلود الكربلائي أركان تنيرُمسيرته الخالدة ...فركنه الأول ..الحسين.ذلك الطود الشامخ .والبحر الزاخر بالعطاء.. الذي مثّل جميع الأنبياء في مواقفهم .. وكان صوت الحق المطلق؟.و صرخة المظلومين، إنطوى فيه الأسلام المحمدي، فكان له إسما وجسما ،الحسين الذي  لم يتخذ من كربلاء هدفا لدنيا يبتغيها ، ولم يخرج إلا ليعلّم الأمة المتخاذلة دروس التضحية والفداء،وإني لم اخرج أشرا ولابطراً ولامفسداً ولاظالماً..وإنما خرجتُ لطلب الأصلاح في أمةِ جدي..،...أسماها أمة جده.. ليدحض شبهة عملاء يزيد الذين أشاعوا بين القوم أنه خارجي..وأراد أن يذكّر بعض من نسوا أنه ( ابن بنت رسول الله ص). فجلهم قد شاهد وسمع نبي الله وهو يقول حسين مني وانا من حسين.. أحب الله من أحب حسينا..الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة...الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا... إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي ..ماان تمسكتم بهما فلن تظلّوا بعدي ابدا..وقد سألوه من قبل .من هم أهل بيتك يارسول الله ؟ علي وفاطمة والحسن والحسين وإمتدادهم الأيمة المعصومون من ذرية الحسين ..وغير ذلك  شواهدٌ كثيرةٌ عن رسول الله ص بحق الحسن والحسين تزخر بها كتب التأريخ والسير، جميعها تشير الى حقيقة رسالية واحدة ، انهما إمامان معصومان واجب إطاعتهما.. وقول الحسين انما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي..ليذكرهم أنه هو ذاك الحسين الذي خصّه  رسول الله بما سمعتم ، وهو ذاك الذي اوصاكم بطاعته ،أنه هو أنا ...جئتكم اليوم لأعلن لكم أن يزيدا لايصلح أمركم ولايجوز أن يرث منبر رسول الله..وما اوهمكم به من إسلام ، ليس إسلاما...ولكن ماالذي دعاهُ  أن يقول  أمة جدي رغم تنكّرهم وإنكارهم له؟ .. لقد خاطبهم بظاهر إسلامهم فلازالت مآذنهم ترفع إسم جده خمس مرات في اليوم...وهاهو إبن رسول الله ..بين ظهرانيكم ..لقد دعوتموني فاستجبت لكم...فهل أنتم ناصري ؟ فتنقذوا  أنفسكم من ذل طاعة المخلوق .وأي مخلوق ذاك الذي هو يزيد...!.الى عز طاعة الخالق ..فتبرّوا بعهودكم ، وتلتزموا بوصية نبيكم...بهذا الوضوح صرّحَ الحسين الشهيد سبب خروجه على يزيد..طلبا لأصلاح  الأمة...وهو يعلم عاقبة الأمر سلفاً... فقد انبأه جده بما يلاقي وبما سيحدث له مع الأمة التي قتلت أباه وخذلت أخاه الحسن، ولكنه إمتثل لأرادة الله تعالى ونهض بهذا التشريف..ليكشف زيف المتدينين ودعاة حماية الأسلام....ولو كلفه ذلك نفسه واهل بيته واصحابه ..فذاك شرف قد خصه الله به...لم يقطع الحسين تلك المسافات الطويلة من مدينة جده الى كربلاء ليقول للقوم أن يزيدا فاجر ولايجوز ان يتولى أمر الأمة فحسب ،بل أراد أن يوقف مهزلة تاريخية لها بداية وليس لها نهاية ،اراد أن يُفشل  محاولة تحريف مباديء الأسلام المحمدي الذي وعد الناس بالجنّةِ ،  لم تكن كربلاء واقعة عسكرية بين جيش صغير يقوده الحسين ،وجيش كبير يقوده يزيد، كربلاء محطة فاصلة في ذلك التأريخ البشري للدين المحرّف...وهي ملحمة بين حق وباطل ،.ولا تراجع عنها ، شاء الله أن تكون كربلاء دائرة الحساب التي يُكشف فيها عن المنافقين الذين اتخذوا من  الأسلام غطاءاً لقبحهم وكفرهم المبطن ،كربلاء كشفت أن الرؤوس المؤمنة بأسلام يزيد ، ما هي إلا جماجم خاوية و أدوات يسيرة ورخيصة تحت تصرف الخليفة المنحرف، بل لاقيمة لها ،ولالإيمانها وولائها...وهي معروضة للبيع في سوق الرذيلة وبأبخس الأثمان ،فكان هناك في معسكرهم  من باع رأسه وإيمانه وكل دينه وتدينه واسلامه ببضعة دراهم !! تقابلهم في معسكر الحسين رؤوسٌ شامخة رافضة للظلم ، وارواحٌ مؤمنةٌ عُرضت عليها أثمانٌ باهضة فأبت ورفضت...وكان الجواب لو قُتلت ثم أُحييت وفُعل بي ذلك سبعون مرة على أن أترك الحسين مافعلت !!  ثم يتجلى السموّ والعفة  والإباء، والأيمان في نفس قائدهم الحسين ..فيقف متألماً تعتصرُ قلبه  الحسرةُ والأسى وهو ينظر الى سواد القوم  ثم يبكي ! بكى الحسين ..لأنه كان  يأملُ أن يكون عوناُ لهم على أنفسهم ليدخلوا الجنة ..إلا إنهم  أبوا إلا أن يخالفوا الحقَّ فيدخلوا النار! لم يكن الحسين سببا لدخولهم النار، بل هم أصروا وأستكبروا أستكبارا،( وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا )(نوح 7)  أصرّوا على قتاله ، وقد ورِثَ الحسينُ في موقفه هذا نبي الله نوحٍ في دعوته لقومه، مع هذا ألأصرار وهذا الجحود وهذا الأستكبار..يتألم الحسين على عاقبة إمورهم ..! ..ترى هل يوجد في دنيانا نموذجا كالحسين يتمنى الخير لعدوه؟ وأي عدو ذلك الذي أحاط به من كل صوب.. كما يصفه الشاعر اللبناني بولص سلامة:


أنــزلوه بكــربلاء وشادوا * حوله من رماحــهم أســوارا                                               


لا دفاعاً عــن الحسين ولكن * أهل بيت الرسول صاروا أُسارى                                     


                                     


مع هذا العنت وهذه القسوة ،الحسين يحزن على عاقبتهم المخزية ، لأن قلبه رسالي محمدي ينبض بالرحمة والعفو عمن ظلمه ..فهو وريث المبعوث رحمةً للعالمين..فلايسره دخول أحد الى النار وإن كان عدوه ...! كيف لايخلّد الدهر هذا القلب وهذه الروح؟ كيف لايكون نبراسا للقيم الأنسانية ؟ وقد تجمعت فيه كل فضائل الأنبياء..كيف لا وهو وريثهم ؟ وقد وصف الدكتور علي شريعتي ..وراثة الحسين للانبياء من خلال مشهد كربلاء وصفا جميلا.يقول.(حينما اتأمل أصل الوراثة وخصوصا "وراثة الحسين" الذي ورث جميع الثورات في تاريخ الأنسان – من لدن آدم الى- يومه أحسست فجأة كأن جميع تلك الثورات والأبطال ، وجميع الجزارين، والشهداء،إنبعثوا في مكان واحد من أعماق قرون التاريخ، المظلمة ، واجتمعوا من كل بقاع الأرض البعيدة والقريبة،..كأنهم حشروا جميعاً ، وخرجوا من مقبرة التأريخ الصامتة، المنطفئة كالجراد المنتشر، على أثر صرخة الحسين التي دوت في العالم كأنها صور إسرافيل، وقامت القيامة، واحتشدوا جميعا في صحراء كربلاء- المحشر،) .هذا الركن الأول لخلود كربلاء هو الحسين الشهيد.


 كلما يذكرُ..الحسين شهيداً      موكب الدهر ينبت الأحرارا  (بولص سلامه)


أما الركن الآخر.. لكربلاء التضحية والمدرسة..هي زينب...زينب المحمدية.. زينب الحسينية ..زينب الرسالية .. قائدة مسيرة  الخلود لكربلاء بعد الحسين...فلقد سجلت السيدة زينب للتاريخ وللأنسانية وللصبر والإباء..والشجاعة والعفة.والعنفوان والشموخ .مثالاً سيبقى الدهرُمنحنياً له أبد الآبدين...أي موقف وأي دور كان لزينب؟ وكل مواقفها كبيرة..أي إمرأة وأي مفجوعةٍ  تفقد كل أهلها ..إخوتها ...أولادها ...إمامها..بنو عمها..مع إرثٍ ثقيل من عشرات الأطفال والنساء ...يحيط بها ويتقي بظِلها....أي تركة هذه؟ وأي مسؤولية عظيمة؟ مع جسامة هذا العبأ.. وتلك الأجواء الملبدة بحمرة الدم...تخرج هذه الصابرة العظيمة بعد مقتل جميع رجالها ، الى ساحة المعركة تتخطى بين الأ جساد ، حتى تصل الى جسد الحسين عليه السلام ..تقف شامخة ترمقه بنظراتها...ثم تنحني عليه فتضع يديها تحت جسده المرصّع بالسهام والممزق بالسيوف والطعنات وترفعه قليلا عن الأرض...ثم ترفع رأسها الى السماء على مرأى ومسمع من أذلة القوم القتلة...و تقول بكل ثبات اللهم تقبل منا هذا القربان..!!!!.رفعت صوتها لتُسمع الجبناء قولتها حتى تنتزع من نفوسهم المريضة نشوة النصر.وتسقط من عيونهم نظرة التشفي بأل البيت...أي شموخ وأي إيمانٍ راسخٍ هذا الذي نراه؟ اي مستوى من التقوى تتجلى في نفس هذه المرأة الكبيرة؟ تكتم حزنها إمتثالا لله ولوصية اخيها الحسين..منظر الأجساد الطاهرة ،يتوسطها جسد الحسين عليه السلام ..يهد الجبال..فكيف بقلب إمرأة ثُكلت بجميع أهلها؟ وفُجعت بأرضٍ بعيدة عن وطنها؟.. ولكن سوف لن تطول حيرتك ....إذا علمت...إن هذه الممتحنة هي.. زينب..زينب بنت علي.. التي إمتثلت بكل صبر وتسليم لدورها الرسالي فاستجمعت قواها لتقف بكل ثبات تقاوم النوائب..لكي تواصل طريق الحسين.ففصول كربلاء لم تكتمل مالم تؤدي دورها الذي أوكله لها  الحسين وقد تحقق ذلك.. واستمرّت مواقفها الشجاعة في إسكات أعدائها بالحجة وقوة البيان ووضوح المعنى.. بدءا بإبن زياد الذي ألقت في وجهه القبيح كرةً من النار...ليرّتدَ خاسئاً مهزوماً...عندما يسألها شامتاً ومتهكماً..كيف رأيت صنع الله فيكم؟ فبصوت عليٍّ ترد.. ما رأيتُ إلا جميلا..!!!!!!!...كيف لايخجل الدهرُ وينحني الى هذه البطلة؟ كيف لاتتشرف الأنسانية بأنها تنتمي الى زينب ؟ ثم تستمر في مواقفها وخطبها وما كانت تأبه ببريق السيوف والرماح التي تحيط بركبها ...ولاترى أي قيمة للمخاطَب إن كان يزيد الخليفة المزيف الفاسق ، أو عماله المأجورين، بل كانت تحتقرهم وتستصغرقدرهم ....وكتب السيرة الحسينية والتأريخ مليئة بالشواهد على تلك المواقف الزينبية الطالبية الكربلائية...إذن كيف لاتخلّد كربلاء؟ إذا كانت أركانها الأساسية الحسين وزينب.. عليهما السلام.. ((ترى أمنَ العدل أن لانفتخر بهذه البطلة التي يفخر بها الأسلام والتأريخ...ونفتعلُ زينبا أخرى مكسورة محزونة باكية تأن من ضربات الشمر...؟..أمِنَ الأنصاف أن لاتؤسس مدارسٌ تزخر بقيم ومواقف ومباديء وصبر وشجاعة زينب..؟.نطمس مواقفها وخطبها الشجاعة وهي التي أهانت يزيد في عقر داره .. ونظهرها تأن من سوط شمر..؟..كيف يستقيم ذلك لأبنت علي؟..)). ومابين الركنين..زينب والحسين.. جواهرٌ ودررٌأخرى مشرقة لأبناء وأصحاب الحسين ولأخيه العباس وإخوته.. رافقت الحسين في مسيرته وأضافت الى واقعة كربلاء...وهجاً..وإشراقا وخلوداً وعطراً لذكراها.. فاستحقت كربلاء الخلود والأستمرار لأنها محفوظةٌ بين ركنين مقدسين تحف بهما نسائمُ الأرواح الطاهرة التي حلّقت في فضاء الحسين...


 كربلاء !! ستصبــحين محجاً * وتصيرين كالهـواءِ انتشــارا


ذكركِ المفجع الألــيم سيغدو * في البرايا مثلَ الضيـاءِ اشتهارا


فيكون الهدى لمــن رام هدياً * وفخاراً لمـن يــرومُ الفخارا                   (الاديب اللبناني بولص سلامه) .فسلام على الحسين..وعلى زينب وعلى من أستشهد مع الحسين في كربلاء الخالدة..


 


كافة التعليقات (عدد : 1)


• (1) - كتب : مهند البراك ، في 2011/12/29 .

احسنتم بارك الله بكم



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=12333
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 12 / 21
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 20