• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : مع... رزية الخميس. .
                          • الكاتب : صلاح عبد المهدي الحلو .

مع... رزية الخميس.

 في مثل هذه الأيام الدامعة الحزينة, عندما بكت فيها عيون الفجر أَشعة نهارها, وتأوهَت أَنفاس الشمس بزفير حرقتها, رحل رسول الله (صلى الله عليه وآله).
يالترنيمة الآسي التي تشدو بها شفاه الكون،
ويالرنَّة الحزن التي ترن في أَسماع الدهر!
لقد رحل فارس الرسالة, والتحق بالرفيق الأَعلى ذلك الرسول.
وإِن ركائب الأَلفاظ لتتيه في صحراء وصف ذلك الأَسى الذي البس المشاعر ثوب الآلام, 
وإِن شفاه الكلمات عطشى لماء تلك المعاني التي تحيط بذلك الحادث العظيم؛
لذا دعوني استكشف شيئاً من عظمته كما يحدثنا عنها القران الكريم, ولكن بقدر ما تتسع له عقولنا لا بقدر سعة القران, فان كلام غير المحدود من جميع الجهات لا يحيط به الممكن المحدود من جميع الجهات...
فهل قدر الناس الذين عاشروه وعاشرهم وسمعوه وسمع منهم هذه الدرة المكنونة من كنوز الكون؟
تعالوا نؤرِّخُ معا قصة رحيله,كيف ودَّعه أَحباؤه وخلصاؤه, وكيف غدر به تلامذته وأَصحابه, وتعالوا نسمعها من ابن عباس كما ترويها آهات نشيجه التي تكسَّرت في صدره، ودموع حزنه التي تتلألأ في عينيه.
يقول حبر الأَمة كما روى البخاري في كتاب الجهاد, باب جوائز الوفد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (رض) أنه قال: يوم الخميس, وما يوم الخميس؟! ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، فقال: اشتدَّ برسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعه يوم الخميس فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبدا, فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: دعوني فالذي أنا فيه خيرٌ مما تدعونني إليه، وأوصى عند موته بثلاث، أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم, ونسيت الثالثة!
تعالوا نتأمَّل في مغزى هذا الحديث,
 إِن قول ابن عباس (يوم الخميس وما يوم الخميس) فيه تفخيمٌ لأَمر ذلك اليوم كنايةً عن الحدث الجسيم الذي وقع فيه, وهو بعد أَن أَكّد رهبة هذا الحدث بتهويله الذي صدره بـ(ما) الاستفهامية, لم يكتف بذلك بل شفعه بشهادةٍ عمليةٍ, وهي أَنه بكى لدرجة أَن دمعه خضب الحصباء, وأَن رجلاً يبكي هذا البكاء الشديد لدرجة أَن دمعه خضب الحصباء لمتأَلمٌ جداً.
نلاحظ هاهنا أمرين:
الأَوّل: أَن رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشتدَّ به الوجع.
والثاني: أَن هذا الاشتداد في الوجع لم يثنه عن أَن يأمر بأَن يأتوه بدواةٍ ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداَ. 
ولكن ما كانت ردّة الفعل؟ لقد حدث هناك نزاع, واللافت للنظر أَن هذه الرواية لم تُصرِّح لنا بمن قدح شرارة هذا النزاع, ولم تخبرنا بشخوص المتنازعين, هل سكت عن ذلك ابن عباس؟ أَم البخاري؟ أَم حلقة الوصل بينهما من الرواة؟ هذا أَمر, والأمر الآخر: لم سكتوا؟ 
في هذه الفقرة من الرواية ينبغي لعين الفضائل أَن تسكب عبرات الأَحزان, ويجب على قلب الشرف أَن يزفر بحسرات الآهات.
يحدثنا التاريخ أَن بعض الحاضرين لكي يبرر عدم الداعي لكتابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الكتاب قال إنَّه يهجر.
والأَمر المهم أَن الرواية أَهملت أموراً عظيمة فهاهو رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع أَنه في آخر ساعات حياته ويوصي بالمهم من أَمور الرسالة ولكنهم نسوا الوصية الثالثة أَليس هذا غريباً.؟
من هو القائل وما معنى يهجر؟
إِذا قرأنا الرواية التالية بلسان راويها نفسه ومن كتاب البخاري أَيضاً سنرى أمرين أيضاً:
الأَوّل: أَن الرواية تصرح باسم القائل.
الثاني: أَن عبارة (هجر رسول الله) هُذّبت إلى (غلبه الوجع).
ففي كتاب العلم: "عن ابن عباس قال: لما اشتد بالنبي (صلى الله عليه وآله) وجعه قال ائتوني بكتابٍ أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، قال عمر: إن النبي (صلى الله عليه وآله) غلبه الوجع, وعندنا كتاب الله حسبناً، فاختلفوا وكثر اللغط، قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع، فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين كتابه.
نلاحظ أَن الرواة أَبهموا اسم القائل حين جاءوا بلفظته الشنيعة تلك أَنه هجر, ولكن لم يمانعوا من ذكر اسمه لما زوّقوا كلمته وهذبوها إِلى غلبه الوجع, ولكن هذا لم يمنعهم من تبرير قولته تلك أَنه يهجر فقالوا: ((ومعنى (هَجَرَ) في اللغة هو اختلاط الكلام بوجه غير مفهِم و هو على قسمين:
قسم لا نزاع لأحد في عروضه للأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) وهو عدم تبيين الكلام لبحَّة الصوت وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان كما في الحميات الحارة ، وقد ثبت بإجماع أهل السير أن نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت بحة الصوت عارضة له في مرض موته (صلى الله عليه وآله).
والقسم الآخر جريان الكلام غير المنتظم أو المخالف للمقصود على اللسان بسبب الغشي العارض بسبب الحميات المحرقة في الأكثر، وهذا القسم - وإن كان ناشئاً من العوارض البدنية - ولكن قد اختلف العلماء في جواز عروضه للأنبياء، فجوزه بعضهم قياساً على النوم، و منعه آخرون)).
وفي هذا الكلام الركيك مواقع للنظر, حيث إِنّ الخلط في الكلام لم يحصل في كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) بدليل أَنهم فهموا جيداً ما قاله أَفصح من نطق بالضاد, وإِنما حصل الخلط في ذهنية المعترض على الرسول المعصوم (صلى الله عليه وآله), وما قالوه ليس دفاعاً عن عصمة الرسول (صلى الله عليه وآله) ولكنه دفاع عن قائل تلك المقالة والاستدلال لها بإِجماع علماء المسلمين وهو اشدُّ شناعةً من قول القائل, لأَنه إِنْ قال قولته تلك مجردة من الدليل فأَنهم أَكدوها مشفوعة بالاستدلال, ولست ادري كيف تكون البحة في صوته مانعة من فهمهم كلامه, مع إِن هذه البحة نفسها لم تكن مانعة من فهمهم كلامه لما قال لهم (قوموا عني) ولما قال لهم: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب, وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أَجيزهم). 
ثم إِذا كانوا لم يفهموا كلامه فكيف ردوا عليه بـ (حسبنا كلام الله)؟ 
ثم تعالوا إلى جملة (حسبنا كتاب الله),فإنَّها أصرح في الدلالة من قوله (هجر),لأنَّه جاء بالملزوم,وهو الاكتفاء بالكتاب,وأراد به اللازم,وهو انه لا داعي لقول النبيِّ صلى الله عليه وآله,وهذه سوأةٌ لاتغطيها كل أوراق توت الاعتذارات والتمحلات.
وقالوا أَيضاً في معرض الدفاع عن القائل: لعلَّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، حين أمرهم بإحضار الدواة لم يكن قاصداً لكتابة شيءٍ من الأشياء، وإنَّما أراد مجرَّد اختبارهم لا غير!
وفيه: إِنه (صلى الله عليه وآله) وقد كان في آخر أَيام حياته على وشك اللحوق بربه, كان في مقام الأَعذار والإِنذار, ولم يكن في مقام الابتلاء والاختبار, فالأَمر هنا للوجوب, كما حرر في محله من علم الأَصول من أَن المتبادر من صيغة افعل هو الوجوب, إِما لأَنها موضوعة له في الأَصل أَو بحكم العقل.
ثم إنَّه (صلى الله عليه وآله) إِذا لم يسعه اختبارهم طيلة عمره الشريف, فكيف يسعه ذلك في هذه الساعات المحدودة؟
قالوا: إِن القائل أَراد التخفيف عليه (صلى الله عليه وآله) من مشقة كتابة ذاك الكتاب.
ويرده أَن التخفيف عليه يكون بإِطاعة أَمره, وتنفيذ مراده, وهو اعلم بما يقول وليس لغير المعصوم أَن يعلّم المعصوم كيف يتصرف.
هكذا كان وداع الأَبناء لأَبيهم, ذلك الأَب الحنون بهم, والمشفق عليهم... 
ودّع الدنيا وفي قلبه حسرة على أَن لا تكون أَنامله المعصومة خطّت ذلك الكتاب العاصم من الضلال,
ودّع الدنيا وفي عينه مشهد عقوق الأبناء الآباء , وفي قلبه حادثُ عصيان الاتباع الأنبياء, حين منعه تلاميذه من كتابة تلك الكلمات, وخط هذه السطور.
لك الله يا رسول الله, صلى الله عليك وآلك, وأَنت تبصر من وراء ستار الغيب شخص المخاطر يُحدق في مسيرة الإِسلام, وترى من نبوءات لسان الوحيِّ قوم السوء يتربصون بخليفتك الدوائر, ولكن مما يهون الخطب - وليس بهينٍ قسماً بيوم شهادتك, وفجيعة مماتك -  أَن لك ولداً قائماً سيردُّ الحق إِلى نصابه, ويعيد الإِسلام إِلى طريقه, فمتى ذلك اليوم الموعود؟




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=126685
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 11 / 08
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 12 / 11