• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : آية من كتاب الله، تركها الناس .
                          • الكاتب : السيد يوسف البيومي .

آية من كتاب الله، تركها الناس


الحمد لله وكفى، والصلاة على عباده الذين اصطفى محمد وآل محمد الطاهرين..
أما بعد..
لربما يستغرب القارئ لهذا العنوان، فكيف لأهل القرآن أن يتركوا آية في كتاب الله عز وجل، وأن لا يلتفتوا إلى معانيها العظيمة، ودلالاتها الكثيرة، ولكن هذا ما حصل وقد أشار أمير المؤمنين «عليه السلام» لهذا الأمر في قوله: «آية من كتاب الله، تركها الناس»(1).
وعن عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي «عليه السلام»، قال: «بلغه أن أناساً ينزعون «بسم الله الرحمن الرحيم».
 فقال «عليه السلام»: هي آية من كتاب الله أنساهم إياها الشيطان»(2).
ما يمكن الاستدلال به من هاتين الرواتين هو التالي:
أولاً: إن ترك الناس لآية من كتاب الله يدل على أن الأهواء والمصالح الشخصية قد لعبت دوراً مهماً حتى بادر الناس إلى ترك تلك الآية.
ثانياً: ويدل أيضاً على أن هناك حالة من الرسوخ في ضمير الناس، واطمئنان وصلوا إليه جعلهم يظنون أن  آية «البسملة» ليست من كتاب الله.
ثالثاً: حين يشير أمير المؤمنين «عليه السلام» على أنها آية من كتاب الله، وكان للشيطان دوراً في جعل الناس نسيانها أو تركها، فلا يعني هذا أن الشيطان هو أبليس وجنوده من الجن فقط، حيث أن فعل الشيطنة ليس حكراً فقط على أبليس، بل هناك أناس يعملون عمل الشيطان، وهذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾(3).

رابعاً:  إن «البسملة» هي من الذكر لأنها نزلت في كتاب الله عز وجل، ولكن استحواذ الشيطان على هؤلاء الناس دفع بهم إلى تركها ونسيانها، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين «عليه السلام» حين قال: «أنساهم إياها الشيطان» وما دل عليه قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾(4). 

خامساً: إن نتيجة هذا العمل سيؤدي بالتأكيد إلى ضلالة الأمة، وهؤلاء الجمع من الناس الذين أشار إليهم الإمام علي «عليه السلام» بأنهم تركوها أو نسوها، والضلالة تأتي من مخالفة من أمر الله عز وجل بإطاعتهم والمشي على هديهم، فإن ترك القليل كترك الكثير لا فرق بينهما النتيجة واحدة، وهي الضلالة.
فإن الشيطان يبدأ من الشيء القليل وما يعتبره الناس أنه بسيط لكي يستدرجهم إلى الأعظم. وبذلك تكبر الهوة وتصبح المخالفة أكبر وأوسع شيئاً فشيئاً، وهذا ما أشار إليه الله عز وجل في كتابه حين أخبرنا بلسان حال الذين ضلوا، فقال: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾(5).
وهذا يدل على أن الشيطان يخذل من سمع كلامه وسار وراءه ويتخلى عن الذين اتبعوه.

سادساً: إن الضلالة نتيجتها وخيمة عند الله سبحانه، فإنه يسأل كل من كان له دور في هذه الضلالة حيث أنهم أثروا على الناس وجعلوهم يتركون أو ينسون ذكره ولو بالشيء اليسير، وأشار الله عز وجل في كتابه العزيز لهذه المسألة حيث قال: ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾(6).
فإن من يتبع غير الله عز وجل، ويخالف أمره باتباع من أمرهم أن يتبعوه، ويجعلوا أولياء لأنفسهم غير صفوة العباد الذي قرنهم الله بالقرآن وجعلهم عدله، والثقل الآخر له، فلا بد أن يتحسروا على ما فعلوا، وسيكون جوابهم: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُوراً﴾(7).
فهؤلاء الناس الذين جعلوا لأنفسهم أولياء غير الذي أمر بهم الله عز وجل، سيحملون الناس على نسيان ذكر الله أو تركه، وسيُعمِلون الباطل بينهم، ليصل بهم الحال للمخالفة والضلالة..
 ومن هنا، فإن المنطلق الذي دفع القوم لترك البسملة أو نسيانها، هو منطلق من نشأ على معادة أهل البيت «عليهم السلام» وعمل على مخالفتهم بشتى الأمور، في عظيمها وبسيطها، في كبيرها وصغيرها..
وهذا المنطلق الحاقد، المتمثل بالجو السياسي السائد آنذاك، والذي كان يقضي بمخالفة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» والأئمة من بعده في كل ما يقولوه، وما يفعلوه، وقد ذكروا: أن أمير المؤمنين «عليه السلام» كان يبالغ في الجهر بالبسملة في صلاته، وحين وصل هذا إلى طواغيت بني أمية، بالغوا في المنع من الجهر، سعياً في إبطال أي أثر من آثار الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام»(8).
وليس هذا فقط بل كان لهذا الجو السياسي من الواعظ والأدوات الذين يتقولون على الله ورسوله، وذهبوا في ذلك مذاهب عجيبة غريبة، وكثرت الأقوال في «البسملة»، وكل هذا كي يرضوا الحكام والسلاطين، ونقلوا: «إن قراء المدينة، والبصرة، والشام، وفقهاءها، [وزاد البعض: فقهاء الكوفة] يقولون: إن البسملة ليست آية قرآنية، في جميع سور القرآن، حتى الفاتحة، وإنما كتبت للفصل والتبرك بها. وهو مذهب أبي حنيفة، ومن تابعه»(9).
وقال الجزري: «وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة والثوري، ومن وافقهم.. إلخ»(10).
وقال أحمد بن حنبل: «هي آية في أول الفاتحة، وليست قرآناً في أوائل باقي السور، وهو قول إسحاق، وأبي عبيد، وأهل الكوفة، وأهل مكة، وأهل العراق، فيما نقله العلماء، وهو أيضاً رواية عن الشافعي»(11).
ونكتفي بهذا القدر من الأقوال في بحثنا هذا ولمن أراد التوسع في هذه الأقوال عليه بما كتبه العلماء عن ذلك، مثل: «البيان في تفسير القرآن» لسماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي «قدس سره»، و«علوم القرآن» لسماحة الفاضل السيد محمد باقر الحكيم «رحمه الله»، و«حقائق هامة حول القرآن الكريم» لسماحة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي «حفظه الله».
وذلك فإنني أعد القارئ الكريم بأن أردف هذا البحث بجزء ثالث وأخير بإذن الله تعالى..
______________________
المصادر:
(1) جواهر الأخبار والآثار، (بهامش البحر الزخار) ج2 ص245، وراجع: المصنف للصنعاني ج2 ص91 من قول الزهري وعطاء.
(2) راجع: الحدائق الناضرة للمحقق البحراني ج8 ص106 وغنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام للميرزا القمي ج2 ص500 ومناهج الأحكام للميرزا القمي ص240 ومستدرك الوسائل للنوري الطبرسي ج4 ص166 وبحار الأنوار للمجلسي ج82 ص21 وج89 ص237 وجامع أحاديث الشيعة للبروجردي ج5 ص118 ومسند الإمام علي «عليه السلام» للقبانجي ج1 ص287 ومكاتيب الرسول «صلى الله عليه وآله» للميانجي ج1 ص61 وتفسير العياشي لابن مسعود العياشي ج1 ص21 والبرهان في تفسير القرآن للسيد البحراني ج1 ص99 وتفسير كنز الدقائق للقمي المشهدي ج1 ص14 وتفسير الصراط المستقيم للبروجردي ج3 ص102.
(3) الآية 112 من سورة الأنعام.
(4) الآية 19 من سورة المجادلة.
(5) الآية 29 من سورة الفرقان.
(6) الآية 17 من سورة الفرقان.
(7) الآية 17 من سورة الفرقان.
(8) راجع: تفسير الرازي ج1 ص206 وغرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج1 ص79.
(9) راجع: الكشاف ج1 ص1، وغرائب القرآن بهامش تفسير الطبري ج1 ص76 وراجع ص78 وتعليقات أحمد محمد شاكر على الجامع الصحيح للترمذي ج2 ص20و19، والإمام زيد لأبي زهرة ص350 عن البحر الزخار ج6 وعن الفصول اللؤلؤية ورقة رقم 44 وكلا الكتابين مخطوط بدار الكتب المصرية. وراجع أيضاً: التفسير الكبير ج1 ص196 وأحكام القرآن للجصاص ج1 ص8 و9 وأشار إلى الخلاف مع شيء من التفصيل أو بدونه في المصادر التالية: إرشاد الفحول ص31 وكنز الدقائق، المطبوع مع البحر الرائق ج1 ص330، وبداية المجتهد ج1 ص126 و127 وأكذوبة تحريف القرآن عن أحكام القرآن لابن العربي ج1 ص2 وعن روح المعاني ج1 ص37 وعن الإنتصار للباقلاني ص7174. وراجع: فقه السنة ج1 ص136 والمستصفى ج1 ص103 وفواتح الرحموت بهامشه ج2 ص14و15 للاطلاع على الخلاف المذكور. والكشف عن وجوه القراءات السبع ج1 ص23.
(10) النشر في القراءات العشر لشمس الدين أبو الخير ابن الجزري (تحقيق علي محمد الضباع) منشورات دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ج1 ص170.
(11) تعليقات أحمد محمد شاكر على الجامع الصحيح للترمذي ج2 ص19 و20 وراجع: النشر في القراءات العشر ج1 ص270.

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=128978
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 01 / 06
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 24