• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : شباب تونس نحو البديل السياسي للعالم الجديد .
                          • الكاتب : محمد الحمّار .

شباب تونس نحو البديل السياسي للعالم الجديد

هل ما يزال هناك فرقا بين اليمين واليسار لمّا تلتقي رجعية الأول مع فشل الثاني؟ فبالرغم من زعم اليساريين منذ عقود أنهم  مؤمنون بحقوق الإنسان وبحرية المرأة وبالحريات الأساسية وبالديمقراطية فإنّهم، إن في تونس أم في عدة أرجاء أخرى من الوطن العربي، انتهوا إلى قبول الهزائم العربية بأصنافها: العراق في سنة 1991 وفي سنة 2003؛ أفغانستان في سنة 2001؛ الحرب على لبنان في سنة 2006؛  مجزرة غزة في سنة 2008 وغيرها من النكسات. وفي الأثناء قد صعد هذا اليسار إلى سدة الحكم وذلك بتواطؤ جلي مع الأنظمة المستبدة ومع قوى الردة والمحافظة السياسية (في تونس قبَيل "التحول المبارك" لسنة 1987 وبعده بالأخص). فما الذي حصل لليسار حتى صار يمينا، وكيف يتم تصحيح المسار؟
بعد هذه المعاينة الأولية لا شك في أنّه لا يمكن الحديث عن قوى يمين وقوى يسار في تونس "الثورة" من دون التورع من السقوط في الخلط. و لو عدنا شيئا ما إلى الوراء بكبسولة الزمن وتمعنا قليلا في الخارطة السياسية في تونس في ما بين "التحول المبارك" و"الثورة المجيدة"، لوجدناها بمثابة ميزان ذي كفة واحدة مائلة إلى أسفل السافلين تحت ضغط كتلة وحيدة: لا فرق بين اليمين المحافظ واليسار الانتهازي/ اليسار المُنبتّ والمتغرب.
أمّا السبب الرئيس في فقدان اليسار دلالته الأصلية ووظيفته السامية كقوة تقدمية تصون التوازن السياسي هو أنّه ذو صفة ثقافية لا طبيعية. فمجرد أنه تعلم القيم الكونية المعاصرة عن طريق التمدرس والثقافة جعل المتعلمين غير قادرين على إنزال هذه القيم إلى حيز الواقع. وكانت النتيجة أن أضحى اليساريون مجموعة من المثقفين الذين تعوزهم التجربة: تجربة الحق والمبدأ والحرية عبر الواقع المعيش. فلا يكفي أن يكون المرء حائزا على ثقافة حقوقية وسياسية من دون أن تتقاطع هذه الثقافة مع طبيعته ومؤهلاته الفطرية. وبالنظر إلى هذا العطب وجد اليسار الثقافي نفسه في نهاية المطاف، ومن حيث لا يدري، معزولا عن المسار الثوري والتقدمي الصحيح.
والدليل على أنّ فشل اليسار يكمن في "ثقافيته" وفي فقره "الطبيعي" أنّ مناسبة الثورة التونسية أبرزت أنّ هذا اليسار لم يكن أبدا مزودا بآليات طبيعية تجريبية تخول له التأقلم الميداني مع ملابسات الثورة. فالمعلوم أنّ الذين قاموا بالثورة هم من الشباب أصحاب التجربة الرقمية المتقدمة، لكن الذي يتوجب أن يكون أيضا معلوما اليوم هو أنّ عدم تهيأ كهول وشيوخ اليسار الثقافي للمساهمة في الثورة جعله يُنعت عنوة بالركوب على هذه الأخيرة، وأنّ هذا ليس افتراءً وإنما حقيقة مفادها أنّه لم يكن في وسع اليسار أن يفعل أكثر من ذلك.
نستنتج من كل هذا أننا اليوم أمام كتلة عقدية سياسية واحدة منشطرة إلى يمينٍ محافظ وجدَ نفسه في الحكم (وتونس الآن تجسيد لذلك) ويسارٍ مشوه (تونس أيضا) لا خيار أمامه سوى أن يعترف بذنبه ويعلن تيمّنه على التو، وأن يعي أنّ الوقت حان ليترك مكانه لشباب يساري جديد. فالاعتراف بالذنب فضيلة، ومن دون اعتراف لا يتسنى للمجتمع السياسي أن يعيد تعديل التوازنات، مانحًا الشباب فرصة أخذ المشعل  في العمل السياسي وفي الحكم وفي الإدارة.
إن حملة التطهير الإيديولوجي ضرورية لإنقاذ الديمقراطية من التفكير الهلامي ومن الحكم الأحادي المغلف بقشرة من التعددية. والوضع في تونس اليوم خير دليل على نموذج سياسي هجين لأنه غير متوازن. والعمل التطهيري مسار لا مقال، إذ إنه يقتضي إحياء الميل الطبيعي والفطري لدى الشباب. وهوعمل تواصلي وتربوي واجتماعي قبل أن يكون عملا سياسيا، لأننا أمام شباب متجاذب بعدُ، متجاذب بين غروره الذي جاء كنتيجة ثورة مباغتة هو الذي تزعمها  وتحكم بمجرياتها الأولية وبين حيرته التي تنبع من معاينة فشله في رؤية البديل الفكري والسياسي عن الدوغمائية والتجاذب والمحافظة المنافِقة. فالزج بالشباب في السياسة المباشرة قبل تهيئته على الصعيد الميطا- سياسي والتحت- سياسي كان وما يزال خطرا، لأن الشباب ازداد بذلك تجاذبا على تجاذب. وقد تأكد الخطر لمّا تم الزج بالشباب في اللعبة القذرة للاستقطاب الثنائي إسلام/حداثة أو إسلام/علمانية. ولم ينجُ منها بعدُ.
إذن فالخلاص يكمن في إنجاز التطهير. ويكون ذلك بفضل النهل من ينابيع المعرفة وتحقيق الدربة الميدانية لكي يكتشف الشباب أنّ في تعرية الجوهر (الطبيعة والفطرة) توليدٌ لوجود جديد. لكن المشكلة أنّ القضية لا تنتظر أن يتم إصلاح الاتصال والتربية والتعليم في هذا الاتجاه حتى نضمن للأجيال الجديدة تكوينا متسقا مع الحاجيات الموصوفة. فالقضية ملحة وتتطلب حلولا عاجلة فضلا عن الحلول الآجلة. و الأحرى أن يتم اتخاذ قرارات آنية بكل وعي وشجاعة من طرف السلطات المعنية. و يكون الغرض من الإجراءات الحينية سد الفراغ إلى حين يتم الشروع في الإصلاح طويل المدى. ومن بين الأعمال المأمول إنجازها عاجلا تشريك الشباب في ندوات مفتوحة يشرف عليها أخصائيون في التواصل وفي التربية تبعا لبرنامج استعجالي يتم ضبطه فورا، وكذلك فتح المنابر الإعلامية لهؤلاء الشباب وللمختصين في مخالطة الشباب، عوضا عن إغراق المساحات السمعية والبصرية بجحافل من أصحاب الحرف والمهن التي لها علاقة إما بالسياسة السياسوية وإما بـ"الشوبزنس" الإسلاموي وإما بالمال.
 ومثل هذا التمشي يعتبر في اعتقادنا أفضل وأنجع و أوكد من مواصلة أخذ الحاجة الشبابية الأصلية على أنها حاجة مباشرة للتمييز بين الإيمان والكفر. فالتمشي المقترح هو أولوية تضاهي أولوية إيجاد فرص الشغل وأولوية تعديل أسعار المواد الأساسية وأولوية إيجاد موارد تمويل المشاريع الاقتصادية لإيجاد فرص الشغل للعاطلين. فتونس لم تقم بثورة لتفكر بنفس المنطق القديم، وهو منطق العالم "المتقدم القديم"، الذي يغلب الفكر الاقتصادي على الفكر الوجودي. بل العكس هو الصحيح. والمنحى الاندماجي النابع من الرؤية الاندماجية للنهوض هو الأصح.
وبالرغم من أنّ منطق الإيمان والكفر لا يمثل حاجة مباشرة لدى الشباب، إلا أنّ التطهير الإيديولوجي المنشود سيستجيب لرغبة هذا الشباب في تحديد موقفه من جملة القضايا الوجودية المطروحة في المجتمع وفي العالم والتي يتداخل فيها السياسي مع الديني. حينئذ سيتبيّن أنّ التيمّن باسم الإسلام، على عكس التيمّن باسم رأس المال وباسم الاستبداد، وبعناوين أخرى، لم يكن سوى كذبة تاريخية حان وقت إزاحة النقاب عنها، لأنها كذبة تنطلي زمن الجهل بينما نحن على مشارف زمن عالم جديد، زمن العود إلى المعرفة من منطلقات وطنية وعربية وإسلامية ثم عالمية. وأول ما سيماط عنه اللثام من هذا المنظور الذاتي/الداخلي هو حقيقة أنّ اليسار بمعانيه الأصلية والنبيلة إنما هو متسق مع الإسلام، لا محكوم بأن يكون مُوجه ضده كما نجحت الكذبة في تمريره طوال عقود، إن لم نقل قرون.
 وإلا فكيف يُقال للشباب، نقلا، إنّ الإسلام دين فطرة بينما يُترك وشأنه في إنجاز البحث عن مبررات التجربة الميدانية من داخل الإسلام، فلا يعثر عليها إلا في المنحى السلفي الببغائي أو في المنحى الجهادي العنيف؟
محمد الحمّار

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=14939
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 03 / 09
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 08 / 23