• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : ما وراء الحدث زيارة بابا الفاتيكان للمرجع الأعلى دام ظله .
                          • الكاتب : الشيخ حسن يوسف .

ما وراء الحدث زيارة بابا الفاتيكان للمرجع الأعلى دام ظله

     طلب مني قبل عدة سنوات أحد الأصدقاء زيارة معرض للصور الفوتوغرافية، ورغم أن الأمر لا يستهويني البتة إلا أنني أجبته إكراما لطلبه؛ معرض لم يكن يهدف إلى عرض صور فائقة الجمال، وإنما يعرض صورا ذات بعد فني خاص؛ مثلا: صورة التقطت بكاميرا هاتف محمول بدائي لحظة وقوع انفجار فكانت توثق فوتوغرافيا هذا الجزء من الثانية الذي وقع فيه دوي الانفجار، وأمثال هذه النماذج من اللقطات. إحداها كانت للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتبدو كصورة شمسية من التي تستعمل في جواز السفر أو الهوية وهو ينظر إلى الكاميرا، لا شيء مميز فيها! فسألت عن معناها فكان الجواب: إن شخصية بهذه المكانة لا يمكن أن تستسلم للكاميرا بهذه السهولة، نعم قد يقف في لقطة رسمية ولقاء جماعي وما شابه لكن أن يقف أمام كاميرا المصور بخلفية زرقاء يمتثل لتعليماته بأن يرفع رأسه ويميل به جانبا ثم يبتسم قليلا فهذا ما يندر وقوعه من شخصيات بهذه المكانة.

     قد لا يظهر بدوًا أن ثمة معنى في ذلك، إلا أن هذه انطباعات صامتة تحمل مداليل في التخاطب وإيصال الرسائل على مستوى الكبار. سواء كانت عفوية أو مقصودة الدلالة، فإنها تنبئ قطعا عن أمر ما؛ أتذكر في صباي وأنا أتابع بلا اهتمام أخبار قمة كامب ديفد بين عرفات وايهودباراك وكلينتون استبق المحلل الأحداث وصرّح بأنها لن تنجح إذ لا توافق بين الأطراف، وذلك لأن كلينتون كان يمشي إلى جانب ايهودباراك، أما عرفات فكان شارد البال بعيدا عنهما نسبيا؛ فقرأ من خطواتهم في حديقة المبنى أن عرفات غير متوافق معهما. وفي عام 2016 بعد لقاء تاريخي بين زعيم كوبا كاسترو والرئيس الأمريكا أوباما، أراد أوباما أن يربت على كتف كاسترو فمنعه زعيم كوبا رغم أجواء المودة التي كانت سائدة في اللقاء، ويبدو من ردة فعل الزعيم الكوبي أنه كان متوقعا هذا التصرف من أوباما وكان مستعدا لردة الفعل هذه، لأنه إن فعلها ستحمل دلالة استعلاء وسيطرة للأمريكي وأنه الراعي للدول الضعيفة وما شابه من تحليلات يمكن قراءتها بين السطور. وقبل ما يقارب عاما من الآن زار الرئيس التركي أردوغان نظيره الروسي بوتين، فأوقفه على الباب دقيقتين وبقي ينتظر الإذن بالدخول تحت صورة ألكسندر سوفوروف، وهي لوحة لقائد شهير في الإمبراطورية الروسية، خاض عدة حروب ضد العثمانيين، وكان هذا الموقف حديث المحللين السياسيين لفترة طويلة. وتوسع في هذا الباب لمعرفة بروتوكولات الزيارات الرسمية والاستقبالات؛ الطبقات التي تستقبل الضيوف ومكان الاستقبال، وطبيعة الزي الرسمي، أحيانا يرتدي الضيف زيه الكامل وأحيانا يتخفف من بعض ثيابه الرسمية (البشت مثلا) ويقابله نظيره بنفس المستوى. وقد كان استقبال ملكة بريطانيا الاستثنائي لأمير الكويت الراحل كفيلا بتهدئة الاضطرابات السياسية في الكويت آنذاك... كل ذلك مقصود وليس عبثيا...

     بهذه اللغة يمكن قراءة بقاء المرجع الأعلى جليس داره حتى اليوم، وبهذه الكيفية يمكن تحليل لقاءاته التي يتم توثيقها ونشر صورها؛ وأغلب صوره حفظه الله تحمل دلالات بسيطة لا يمكن استخراج معان متكثرة منها ويبدو ذلك متعمَّدا.

     فعلى الرغم من تعدد مشاهد كل لقاء فإنه لا تنشر للضيف صور تبين كيفية الاستقبال ومن يتلقى الضيف عند الباب، وإن كان السيد استقبل الضيف واقفا، أو شيّعه إلى الباب وهو يغادر... لا يظهر شيء من ذلك في الصور، وقد استثني من تلك الصور وقوفه إكراما للجرحى الذين ساهموا في محاربة داعش، أما باقي الشخصيات فلم يظهر شيء إضافي سوى نظرة رسمية متبادلة من الطرفين في العادة، لا تظهر تمييزا إضافيا في الضيف.

     لكن مجرد نشر صور لزيارة شخصية دون أخرى مع كثرة ضيوفه حفظه الله فإن ذلك يحمل أبعادا ورسائل مقصودة، ولا أريد محاولة تحليل كل صورة إنما الكلام فيما يمكن استفادته من زيارة بابا الفاتيكان لسماحة السيد:

- تم نشر مقاطع فيديو متعددة من دخوله إلى خروجه تؤكد أنه لا ميزة إضافية في استقباله تميزه عن سائر الضيوف، لا في بداية الفرع الضيق المؤدي إلى منزل سماحته، ولا عند باب منزله، لا أحد ينتظره عند الباب في الداخل!

- الصور الرسمية للقاء لا تخرج إلا من مكتب سماحة السيد؛ بتعبير آخر: بابا الفاتيكان أوكل أمر توثيق اللقاء إليه بالشكل الذي يريد، إما ثقة بأمانته في التوثيق، وإما تنزلا من أجل نيل شرف اللقاء، ولا أجد احتمالا ثالثا!

- يبدو نزول بابا الفاتيكان على شروط مكتب سماحة السيد للقاء سببه الامتنان للسيد وموقفه الذي رسخ السلام في المنطقة فكان نافعا للأقليات غير المسلمة ما حال دون إقصائها، رغم القدرة الكاملة على ذلك، وهذا ما ينسجم مع البيان الرسمي للفاتيكان الذي يشكر فيه سماحة السيد والطائفة الشيعية على مواجهة العنف والصعوبات الكبيرة دفاعا عن الأضعف والأكثر اضطهادا.

- لا يظهر أي نوع من الاحتفاء اللائق بالحدث -حسب البروتوكولات المتعارفة- يسبق الزيارة أو يعقبها ورغم ذلك سعى بابا الفاتيكان لزيارة سماحة السيد، فظهر السيد متفضلا بقبوله استقبال الضيف وفق الشروط الخاصة، مع عدد محدد من الضيوف والباقي ينتظرون في الخارج.

- كان في استقبال بابا الفاتيكان شخصية تابعة لمكتب سماحة السيد من غير المعممين، ولم يخرج أي معمم لتلقي الضيف في الخارج وإيصاله إلى سماحة السيد، ولا لتوديعه، بل لم يظهر في مثل هذا اللقاء حضور للمعممين ما يوحي أن السيد يستقبله بمكانته القيادية لا كحوزة علمية.

- لم يصدر بيان مشترك بين الطرفين؛ بل كل طرف تحدث عن نفسه.

- اضطر الضيف لخلع حذائه خارج الدار.

- جلس الضيف على أريكة قديمة بسيطة كغيره من الضيوف.

- لا يظهر في الصور ما قُدم للضيف في ضيافته. غالبا تم تقديم الشاي والماء فقط، وربما لم يقدم شيء.

- لم تبد آثار ترحيب واحتفاء خاص بالضيف، وكل ذلك يحمل أبعادا حساسة في عدم التهاون بالجوانب العقائدية رغم وجود مصالح مشتركة.

- في الصور الأولى بدى السيد جامدا في مكانه، وبدت الجلسة فاترة. انتشر مقطع فيديو آخر يتدارك الأمر، ويضمن سد أبواب التحليلات الخاطئة، فإن قبوله زيارة بابا الفاتيكان مرتبطة بأهداف سلمية عامة، وهذا قد لا يتناسب مع جمود الصور الأولى، فتم تداركها بمقطع فيديو آخر. كما أن بعضهم انتزع من الوجوم الذي ساد اللقطة أن السيد كان شارد الذهن، والمقطع الثاني قطع الطريق على هذا التحليل.

- في حين كانت جلسة السيد طبيعية تماما، تقدم البابا ولم يبق مستندا إلى ظهر الأريكة، محدقا في وجه السيد.

بروتوكوليا لا ينبغي أن يتصرف بهذه الكيفية لكن يبدو أن وهج مهابة السيد بهرته، وهيمنته الروحية غلبته.

- في حين تقدم المترجم قليلا إلى الأمام أشار له أحد القساوسة للرجوع لالتقاط الصورة ما يوحي باضطراب وترقب لما يملى عليهم من تعليمات والتزام كامل كضيوف صغار.

- بدى المشهد وكأن اليد العليا في الجلسة كانت لسماحة السيد والباقون مجرد مستمعين.

اتفاقا فإن تصريح القس المرافق لبابا الفاتيكان كان متوافقا مع هذا التحليل.

- لوحظ عدم وجود معانقة، لعل ذلك بسبب الاجراءات الوقائية، ولكن في المقابل، كانت المصافحة بكلتا اليدين، ودامت فترة طويلة، ما يعكس رغبة الطرفين في الالتقاء على قيم مشتركة من قبيل حفظ الاستقرار والسلم العالمي.

- رغم أن استقبالات بابا الفاتيكان عالميا تكون استثنائية دائما، وفي هذه الرحلة خرج لاستقباله رموز العراق بدءا من رؤوس السلطة إلى قادة الأحزاب والسياسيين، بحضورهم وتصريحاتهم والمبالغة في التبجيل والإكرام بما وثقته وسائل الأعلام، لكنه لم يشعر بالفخر إلا لوقوف سماحة السيد السيستاني له واعتبر ذلك تواضعا كبيرا من السيد. لقد بدى بابا الفاتيكان صغيرا جدا أمام سماحة السيد وكرر التصريح بتأثره الروحي به في مؤتمره الصحفي في الطائرة، وفي تغريداته الأخيرة.

مع ملاحظة أن سماحة السيد من تواضعه فإنه يقف لطلاب العلم حتى المبتدئين منهم، ويقف بعد المجلس الحسيني الذي يعقد في داره كل مناسبة لمصافحة الحضور، ويقف كثيرا لاحترام مختلف الضيوف كالجرحى من المجاهدين الذين ساهموا في القضاء على داعش.

لا يبدو ذلك أمرا استثنائيا في سلوك سماحة السيد لكن تأثر البابا بشخصية السيد كان كبيرا.

كان تصريح البابا العفوي على الطائرة في مؤتمره الصحفي يدل بالضمن على أن هناك طريقا يوصل إلى الله جل وعلا غير النصرانية! هذا الطريق وجده في السيد السيستاني حفظه الله.

أظنه صرح بذلك عفويا ولم يستطع تمالك نفسه وكتمان شعوره.

- يشير إصرار مؤسسة الفاتيكان على زيارة سماحة السيد إلى أنها ترى القيادة الشيعية الفعلية في النجف، فهي القناة لمخاطبة الشيعة لا غيرها.

(لاحظ بيان الفاتيكان الرسمي يوجه الشكر للسيد السيستاني والطائفة الشيعية)

- في رسالة استباقية أشار سماحة السيد إلى الشعب الفلسطيني والأراضي المحتلة كي لا تكون هذه الزيارة طريقا للتطبيع، أو يكون الشيعة شركاء في هذا المشروع.

وهناك نقاط أخرى عامة تشمل كثير من الصور:

- سماحة السيد يظهر منفردا في صوره فهو الوجه في كل القضايا، ولا يوجد وريث يعين من قبله سيرا على النهج المتعارف في كيفية رجوع العوام إلى العلماء دون توريث.

- يتكرر التشكيك من المغرضين بوجود سماحة السيد ووعيه وقدراته وإمكانيته على الوقوف والحركة، فتظهر بين فينة وأخرى الصور التي تبطل هذه الدعايات.

- لا تظهر في الصور شعارات ورموز مميزة في مجلس سماحة السيد.

- السيد لا يستقبل السياسيين بأي وجه من الوجوه فاضطروا في هذا اللقاء كغيره للانتظار خارجا.

- مقاطع الفيديو التي تنشر من لقاءات سماحة السيد قصيرة المدة ومقطوعة الصوت، يعني أن ما ينشر مقصود الدلالة: الحركات والرموز وغير ذلك، وما حجب عن المشاهد كالأصوات وتتمة المشهد فإن حجبه مقصود أيضا.

البابا يسير فترافقه الكاميرا إلى الباب حيث لم يظهر أن هناك من تلقاه عند الباب من داخل البيت، ثم ينقطع التصوير، واضح أن المشهد مقصود إلى هنا.

السيد يحدثه وهما قابضان على أيدي بعض والمشهد بلا صوت؛ يعني أنه لا رغبة في ايصال نص الكلام للناس، بل رغبتهم بإيصال المشهد فقط.

خلاصة الأمر أن زعيما للنصارى وقف على باب زعيم الطائفة ومرجعها الأعلى، فلما أُذن له بالدخول ومثُل بين يديه وشكره على دوره في حفظ حقوق الأقليات، تفضل عليه سماحة السيد وأرشده إلى طرق السلام والاستقرار العالمي، ثم أذن له أن ينصرف، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ...

النجف الأشرف




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=153006
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2021 / 03 / 12
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 04 / 13