• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : سقاية محمدية (رمضانيات)1 .
                          • الكاتب : ليالي الفرج .

سقاية محمدية (رمضانيات)1

مجموعة من الفتيان، تتوزع بين أيديهم عبوات المياه الباردة، يجوبون الأرجاء في مربعانية القيظ، ذات الهواء اللاهب، والحرارة اللافحة، بينما تهفو أنظارهم نحو ذلك الإنسان الذي أنهكت قواه شدة الحر، وهو منفتل في معترك العمل ليستجلب لقمة العيش، تحت وطأةٍ ذات ضراوةٍ وقسوة، في محضر ساندها المخلص، فصل الصيف،  فيتفاجأ هذا المكافح، و قد تماوجت أشعة الشمس فوق بدنه المنهك، بأن ثمة يداً  تنثر الوصل كسبحة ناسكٍ تتوالى أوراد تمتماته في محراب العبادة، حين يتألق مفهوم الأخوَّة ببراعة مطبوعة، والإنسانية في أجلى معانيها، تروي ظمأه، و تمسح عنه شدات الغربة  وتقلباتها، بما شكلته  مبادرة شبابية جادة وجديرة بالاحترام، منبعها القيم و النُبل، أطلقت أولى حملاتها لجنة شبابية تحمل اسم " اللجنة الشبابية الاجتماعية بالعوامية "، فغدا التكاتف بين أعضائها صرحاً عالياً، والعمل التطوعي فلكاً دواراً، وقدموا عملاً إنسانياً مبهراً، أطرته رؤية واعية، وتمازجت مكوناته الأخلاقية والمعنوية، مع نظائرها الحسية والمادية، حين انطلق مشروع السقاية الذي تضمنت رسالته مبانٍ تظللها قيمة توعوية باسقة، ويحدوها مبدأ إسلامي راسخ، لتتجلى حزمة أهدافه في سمو المقاصد ونبل المنابع.
 
تمثل ذلك في  تقدير اليد العاملة المغتربة عن أوطانها، ومحاولة التخفيف عنهم ولو في صورة قد يراها البعض رمزية،لكنها في الواقع تتجاوز النمطية، ويتبلور في حقيقتها كثير من معاني الرحمة، كما تسهم في صناعة اللحظة الحضارية التي تتناسب مع معطيات الزمن لمجتمعنا، حينما تسعى حملة السقاية في التخفيف عن من يعمل خارج أروقة المباني المكيفة، وتحت درجات قد تصل نصف درجة غليان الماء أو تزيد، فيدخل السرور على هؤلاء، ويتم نوع من التواصل الإيجابي مع من حولنا، كسراً لحواجز الفئويات التي أطلقتها المادية المعاصرة التي صنعها الجشع الرأسمالي ونشرته وسائل الميديا لديه.
 
كما أن في ذلك شحذاً لمعاني التعارف بمعناه القرآني ، فالرسالة المحمدية ترتكز على إذابة الفروقات و الاتكاء على مبدأ المساواة والفضائل والأخلاق الإنسانية.
 
وبكل فخر، فهذه الثلَّة الكريمة، التي لم يتجاوز متوسط أعمارها خمسة عشر ربيعاً، أنتجت لنا
نموذجاً مشرقاً للفعل الإنساني اللافت.
 
وفيما نحن نودع نفحات شهر شعبان المعظم، شهر النبي المصطغى صلى الله عليه وآله، فإن أريج رحمات شهر الله الكريم ، شهر رمضان الكريم، شهر القرآن الكريم، شهر ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، يضمّخ النفوس، ويعطر الأرجاء، والجميع تأخذه لحظات رؤية هلال شهر رمضان.
 
وهل فرصة ثمينة وسانحة لصناعة المجد الإنساني على مستوى الذات والمجتمع أثمن من شهر الطاعة والمغفرة، والتي تتضاعف فيها الحسنات أضعافاً، وهذه ضمن المواهب السنية والعطايا الجزيلة والهدايا الوفيرة التي بلا أدنى ريب نحتاج إلى اقتناصها والسعي في ارتياد مواطنها، والتدثر بساعات العبادة والطاعة فيها.
إننا بحاجة دائماً لصناعة التحفيز الذاتي والجمعي، لاسيما في الأوقات النفيسة، وشهر رمضان أجلى مصداق لها.
 
إن شهر رمضان هو الصحة ليس على المستوى البدني فحسب، بل إنه وعلى المستوى المعنوي والإيماني أكثر قيمة وأعلى ضميمة، وحين نستنطق بعض معاني قول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "صوموا، تصحَوا"، فالنص يبدو كاشفاً لدلالات كثيرة، كلها تتآزر في طريق الوصول إلى ما يضمن لنا الصحة والسلامة، والعفو والعافية في الدين والدنيا.
ومن هدي الرسول الكريم صلى الله عليه وآله، يقول:
"من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"
 
إننا  وعلى عتبة شهر الرحمة بحاجة ماسة  إلى من يصنع المبادرات الإنسانية  في مسيرة تقربنا من الله تعالى والعمل في ميادين طاعته سبحانه، وهذا لا يمكن أن يتحقق دون سبر حقيقي لذواتنا، وتحليق عالٍ لهممنا، للوصول إلى مدارات منجزة، وأعمال رافدة.
 
إن واقعنا يستلزم العناية والاهتمام أكثر مع كل ما يعطي للحياة قيمة ويضيف لها معنى، بعيداً عن المعاني السطحية التي ليست سوى زبد يذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
 
إن بناء الأفكار الوليدة تحتاج ظروفاً محيطة تساعد على الإبداع،وتساهم في ظهوره، وربما يتناسب ذلك مع قول الفيلسوف ديوال : إن الجواهر موجودة ولكنها لا تؤلف عقدا قبل أن يأتي أحدهم بالخيط .



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=33191
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 07 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 9