• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الزهراء عليها السلام ميزان الصحبة و الصحابة .
                          • الكاتب : مكتب سماحة آية الله الشيخ محمد السند (دام ظله) .

الزهراء عليها السلام ميزان الصحبة و الصحابة

فـقد روي عن المفـضّـل بن عمـر، قـال: ” قال مولاي جعفـر الصادق (عليه السلام): لمّا وُلّي أبو بكر بن أبي قحافة…
 
ثمّ سرد (عليه السلام) منعه فاطمة وعليّ وأهل بيته الخمس والفيء وفدكاً، ومجيء فاطمة لمحاجّة أبي بكر بقوله تعالى: ( فآتِ ذا القربى حقّه ) وأنّها ووُلدها أقرب الخلائق إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبقوله تعالى: ( واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ لله خُمُسَهُ وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) وقوله تعالى: ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دُولة بين الأغنياء ) وأنّ ما لله فهو لرسوله، وما لرسـوله فهـو لذي القربـى، وأنّها وعلـيّ ووُلدهما ذوو القربى الّذين قـال الله تـعالـى فيهـم: ( قـل لا أسألكـم علـيه أجـراً إلاّ المـودّة في القربى )
 
فنظر أبو بكر بن أبي قحافة إلى عمر بن الخطّاب وقال: ما تقول؟
 
فقال عمر: ومَن اليتامى والمساكين وأبناء السبيل؟!
 
قالت فاطمة (عليها السلام): اليتامى الّذين يأتمّون بالله وبرسوله وبذي القربى، والمساكين الّذين أُسكنوا معهم في الدنيا والآخرة، وابن السبيل الذي يسلك مسلكهم.
 
قال عمر: فإذاً الخمس والفيء كلّه لكم ولمواليكم وأشياعكم؟!
 
فقالت فاطمة (عليها السلام): أمّا فدك فأوجبها الله لي ولولدي دون موالينا وشيعتنا، وأمّا الخمس فقسّمه الله لنا ولموالينا وأشياعنا كما يقرأ في كتاب الله.
 
قال عمر: فما لسائر المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان؟!
 
قالت فاطمة: إنْ كانوا موالينا ومن أشياعنا فلهم الصدقات التي قسّمها الله وأوجبها في كتابه فقال الله عزّ وجلّ: ( إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرقاب ). إلى آخر القصّة.
 
قال عمر: فدك لكِ خاصّة والفيء لكم ولأوليائكم؟! ما أحسب أصحاب محمّـد يرضون بهذا!!
 
قالت فاطمة: فإنّ الله عزّ وجلّ رضي بذلك، ورسوله رضي به، وقسّم على الموالاة والمتابعة لا على المعاداة والمخالفة، ومن عادانا فقد عادى الله، ومن خالفنا فقد خالف الله، ومن خالف الله فقد استوجب من الله العذاب الأليم والعقاب الشديد في الدنيا والآخرة.
 
فقال عمر: هاتي بيّنة يا بنت محمّـد على ما تدّعين؟!
 
فقالت فاطمة (عليه السلام): قد صدّقتم جابر بن عبـد الله وجرير بن عبـد الله ولم تسألوهما البيّنة! وبيّنتي في كتاب الله.
 
فقال عمر: إنّ جابراً وجريراً ذكرا أمر هيّناً، وأنت تدّعين أمراً عظيماً يقع به الردّة من المهاجرين والأنصار!
 
فقالت (عليها السلام): إنّ المهاجرين برسول الله وأهل بيت رسول الله هاجروا إلى دينه، والأنصار بالإيمان بالله ورسوله وبذي القربى أحسنوا، فلا هجرة إلاّ إلينا، ولا نصرة إلاّ لنا، ولا اتّباع بإحسان إلاّ بنا، ومن ارتدّ عنّا فإلى الجاهلية “.
 
فها هي بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تمحّص عن الضابطة القرآنية في حسن الصحبة وسوئها، وهي على الموالاة والمتابعة لرسول الله وأهل بيته لا المعاداة لهم والمخالفة، وأنّ الهجرة تحقّقت بهم، والنصرة بنصرة الله ورسـوله وذي القربى، فلا هجرة إلاّ إليهم لا إلى غيرهم، ولا نصرة إلاّ لهم لا عليهم، ولا اتّباع بإحسان إلاّ باتّباع سبيلهم وصراطهم.. إهدنا الصراط المستقيم صراط الّذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالّين، سبيل وصراط المطهّرين من المعصية والذنوب، ومن الضلالة والجهل والعمى..
 
ودلّلت على ذلك بأن قرن تعالى بين رسوله وبين ذي القربى في مواطن، كما في اختصاص الخمس والفيء ـ الذي وصفه عمر بأنّه أمراً عظيماً ـ بالله ورسوله وذي القربى، لمكان اللام، دون اليتامى والمساكين وابن السبيل، والتفرقة للدلالة على أنّ ملكية التصرّف هي شأنه تعالى ورسوله وذي القربى، وأنّ مودّة ذوي القربى المفترضة في الكتاب كأجر لكلّ الرسالة هو موالاتهم ومجانبة عدائهم ومخالفتهم، فمدار حسن الصحبة على ذلك وسوئها على خلافه.
 
ولقـد أنصف أحمد بن حنبل ; إذ يروي عنه الفقيه الحنبلي ابن قدامـة عند قوله: ” وأمّـا حمل أبي بكر وعمر (رض) على سهم ذي القربـى في سبيل الله، فقد ذُكر لأحمد فسكت وحرّك رأسه ولم يذهب إليه، ورأى أنّ قول ابن عبّـاس ومن وافقه أَوْلى ; لموافقته كتاب الله وسُـنّة رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم، فإنّ ابن عبّـاس لمّا سئل عن سهم ذي القربى فقال: إنّا كنّا نزعم أنّه لنا فأبى ذلك علينا قومنا ; ولعلّه أراد بقوله (أبى ذلك علينا قومنا) فِعل أبي بكر وعمر (رض) في حملهما عليه في سبيل الله ومن تبعهما على ذلك، ومتى اختلف الصحابة وكان قول بعضهم يوافق الكتاب والسُـنّة كان أَوْلى، وقول ابن عبّـاس موافق للكتاب والسُـنّة ”
 
وروى البخاري بسنده عن عائشة، في كتاب المغازي باب 38 باب غزوة خيبر: إنّ فاطمة (عليها السلام) بنت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر..
 
فقال أبو بكر: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّا لا نورّث ما تركناه صدقة، إنّما يأكل آل محمّـد (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذا المال، وإنّي والله لا أُغيّر من صدقة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حالها التي كانت عليه في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولأعملنّ فيها بما عمل فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
 
فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً، فوجدت فاطمة فهجرته، فلم تكلّمه حتّى توفّيت، وعاشت بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ستّة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليٌّ ليلا، ولم يؤذن بها أبو بكر، وصلّى عليها.
 
ورواه مسلم في صـحيحه بنفس ألفاظه، وأحمد في مسـنده.
 
وفي هذه الرواية التي هي من طرقهم، ونظيراتها ممّا رووها، فضلا عن طرقنا، ما يدلّ على إنّها (عليها السلام) كانت ساخطة على أبي بكر وعمر، منكرة لخلافتهم وإمامتهم إلى أن توفّيت (عليها السلام)، مع إنّ من مات ولم يبايع أو لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية وكفر وضلال، ممّا يدلّ على نفي إمامتهم وخلافتهم، لكونها مطهّرة في القرآن من كلّ رجس، وهي سـيّدة نساء العالمين، وأنّ الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها.
 
والغـريب في دعـوى أبي بكر بكـون الخمـس والفيء الخاصّ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذي القربى صدقة، فإنّ الناظر على الصدقة الجارية أيضاً هو الوارث لا الأجنبي، فإنّ ولاية النظارة على الصدقات الجارية أيضاً هي من نصيب الوارث، فكيف يمنعها عن الوارث؟!!
 
وفي موضع آخر قالت (عليها السلام) في معرض خطبتها المعروفة تجاه المهاجرين:
 
قالت ـ بعد الثناء على الله تعالى بأبلغ ثناء، وذِكر نعمة الرسول (صلى الله عليه وآله)على هدايته للأُمّة، وكثرة وشدّة بلاء ابن عمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّ بن أبي طالب في إرساء الدين ـ: وأنتم في بُلَهْنِيَة من العيش ـ أي سعة ـ وادعون آمنون، حتّى إذا اختار الله لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) دار أنبيائه ظهرت حسيكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبع خامل الآفلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه صارخاً بكم، فوجدكم لدعائه مستجيبين، وللغرّة فيه ملاحظين، فاستنهضكم فوجدكم خفافاً، وأحمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتموها غير شربكم.
 
هذا، والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لمّا يندمل، بداراً زعمتم خوف الفتنة.. ( ألا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين )، فهيهات منكم! وأنّى بكم؟! وأنّى تؤفكون؟! وهذا كتاب الله بين أظهركم، وزواجره بيّنة، وشواهده لائحة، وأوامره واضحة، أرغبةً عنه تدبرون؟! أم بغيره تحكمون؟! ( بئس للظالمين بدلا ).. ( ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ).
 
ثمّ لم تريثوا إلاّ ريث أن تسكن نغرتها، تشربون حسواً، وتسرون في ارتغاء، ونصبر منكم على مثل حزّ المُدى، وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا.. ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون)؟!
 
ويهاً معشر المهاجرين! أَأُبتـزّ إرث أبي؟! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟! لقد جئتَ شيئاً فريّاً.. فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمّـد والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون و ( لكلّ نبإ مستقرّ وسوف تعلمون ).
 
ثمّ انحرفت إلى قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي تقول:
 
قد كان بعدك أنباء وهنبثة … لو كنت شاهدها لم تكثر الخطبُ
إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها … واختلّ قومُك فاشهدهم فقد نكبوا
تجهمتنا رجال واستخفّ بنا … بعد النبيّ وكلّ الخير مغتصبُ
سيعلم المتولى ظلم حامتنا … يوم القيامة أن سوف ينقلبُ
فقد لقينا الذي لم يلقه أحد … من البرية لا عجم ولا عربُ
 
وقالت (عليها السلام) تجاه الأنصار: معشر البقية، وأعضاد الملّة، وحصون الإسـلام! مـا هذه الغميـزة في حقّي، والسِـنة عن ظلامتي؟! أما كان رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: المرء يُحفظ في ولده؟! سرعان ما أجدبتم فأكديتم، وعجلان ذا إهانة، تقولون: مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)! فخطب جليل استوسع وهيه، واستنهر فتقه، وبعد وقته، وأظلمت الأرض لغيبته، واكتأبت خيرة الله لمصيبته، وخشعت الجبال، وأكدت الآمال، وأُضيع الحريم، وأُزيلت الحرمة عند مماته (صلى الله عليه وآله وسلم).
 
وتلك نازلة علنَ بها كتاب الله في أفنيتكم، في ممساكم ومصبحكم، يهـتف بها فـي أسماعـكم، وقبله حلّـت بأنبـياء الله عزّ وجلّ ورسله: ( وما محمّـد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين ).
 
إيهاً بني قيلة! أَأُهضم تراث أبيَه وأنتم بمرأىً منه ومسمع؟! تلبسكم الدعوة، وتشملكم الحيرة، وفيكم العدد والعدّة، ولكم الدار، وعندكم الجنن، وأنتم الأُلى نخبة الله التي انتخب لدينه، وأنصار رسوله وأهل الإسـلام والخيرة التي اختار لنا أهل البيت، فباديتم العرب، وناهضتم الأُمم، وكافحتم البهم، لا نبرح نأمركم وتأتمرون، حتّى دارت لكم بنا رحا الإسلام، ودرّ حلب الأنام، وخضعت نعرة الشرك، وباخت نيران الحرب، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين، فأنّى حرتم بعد البيان، ونكصتم بعد الإقدام، وأسررتم بعد الإعلان، لقوم نكثوا أيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أوّل مرة.. ( أتخشونهم فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين )؟!
 
ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم من هو أحقّ بالبسط والقبض، وركنتم إلى الدعة فعجتم عن الدين، ومججتم الذي وعيتم، ودسعتم الذي سوّغتم فـ ( إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإنّ الله لغنيٌّ حميد )
 
ألا وقد قلت الذي قلته على معرفة منّي بالخذلان الذي خامر صدوركم، واستشعرته قلوبكم، ولكن قلته فيضة النفس، ونفثة الغيظ، وبثّة الصدر، ومعذرة الحجّة، فدونكموها فاحتقبوها، مدبرة الظهر، ناكبة الخفّ، باقية العار، موسومة بشنار الأبد، موصولة بـ ( نار الله الموقدة * التي تطّلع على الأفئدة )، فبعين الله ما تفعلون.. ( وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون)، وأنا ابنة ( نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد )فـ ( اعملوا على مكانتكم إنّا عاملون * وانتظروا إنّا منتـظرون )
 
ثمّ إنّها (عليها السلام) تشير في استنهاضها الأنصار إلى بيعتهم، بيعة العقبة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حين عاهدوه على أن يمنعوه وذرّيّته ممّا يمنعون منه أنفسهم وذراريهم.
وكانت تقول عندما دار بها عليٌّ (عليه السلام) على أتان والحسـنين (عليهما السلام) معها على بيوت المهاجرين والأنصار: يا معشر المهاجرين والأنصار! انصروا الله فإنّي ابنة نبيّكم وقد بايعتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بايعتموه أن تمنعوه وذرّيّته ممّا تمنعون منه أنفسكم وذراريكم، فَفُوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ببيعتكم
 
وقالت (عليها السلام) عندما اجتمع عندها نساء المهاجرين والأنصار فقلن لها: يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)! كيف أصبحت عن علّتك؟
 
فقالت (عليها السلام): أصبحت والله عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم، لفظتهم بعد أن عجمتهم، وشنئتهم بعد أن سبرتهم، فقبحاً لفلول الحدّ، وخور القناة، وخطل الرأي، و ( لبئس ما قدّمت لهم أنفسهُم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون)، لا جرم لقد قلّدتهم ربقتها، وشنت عليهم عارها، فجدعاً وعقراً وسحقاً للقوم الظالمين.
 
ويحهم! أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوّة، ومهبط الوحي الأمين، والطبين بأمر الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين، وما الذي نقموا من أبي الحسن؟! نقموا والله منه نكير سيفه، وشدّة وطأته، ونكال وقعته، وتنمّره في ذات الله عزّ وجلّ.
 
والله لو تكافأوا عن زمام نبذه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه لاعتلقه، ولسار بهم سيراً سجحاً، لا يكلم خشاشه، ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلا نميراً فضفاضاً، تطفح ضفتاه، ولأصدرهم بطاناً، قد تحرّى بهم الريّ غير متحلّ منه بطائل إلاّ بغمر الماء وردعه شررة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.. ( والّذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيّئاتُ ما كسبوا وما هم بمعجزين ).
 
ألا هلمّ فاستمع! وما عشت أراك الدهر عجباً! وإنْ تعجب فعجب قولهم! ليت شعري إلى أيّ سناد استندوا؟! وعلى أيّ عماد اعتمدوا؟! وبأيّة عروة تمسّكوا؟! وعلى أيّة ذرّيّة أقدموا واحتنكوا؟! لبئس المولى ولبئس العشير، وبئس للظالمين بدلا، استبدلوا والله الذنابى بالقوادم، والعجز بالكاهل، فرغماً لمعاطس قوم ( يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً )( ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون )
 
ويحـهم! ( أفمـن يهـدي إلى الحقّ أحقّ أن يتّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يهدى فما لكم كيف تحكمون )..
 
أما لعمري لقد لقحت، فنظرة ريثما تنتج، ثمّ احتلبوا ملء القعب دماً عبيطاً وزعافاً مبيداً، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غبّ ما أسّس الأوّلون، ثمّ طيبوا عن دنياكم أنفساً، واطمئنّوا للفتنة جأشاً، وأبشروا بسيف صارم، وسطوة معتد غاشم، وبهرج شامل، واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيداً، وجمعكم حصيداً، فيا حسرة لكم، وأنّى بكم وقد عُمّيت عليكم؟! ( أنلزمكموها وأنتم لها كارهون )؟!”.
 
فتحصّل أنّها (عليها السلام) لا ترى مجرّد الهجرة والنصرة دليلا على الاستقامة والصلاح وحسن العاقبة والخاتمة، بل لا بُـدّ من الإقامة على شروط العهد والمواثيق التي أخذها عليهم الله تعالى ورسوله، من الإقرار بالتوحيد والرسالة والولاية لأهل بيته ومودّتهم ونصرتهم.
 
وهذا عين ما تقدّم استفادتُه من الآيات العديدة، والروايات النبويّة التي رواها أهل سُـنّة الجماعة، نظير روايات العرض على الحوض من أنّ بعض الصحابة يُزوَون عنه إلى جهنّم فيقول (صلى الله عليه وآله وسلم): ربّ أصحابي! فيجاب: إنّهم بدّلوا بعدك وأحدثوا، فيقول (صلى الله عليه وآله وسلم): بُعداً بُعداً سُحقاً سُحقاً.
 
وروى ابن قتيبة الدينوري في كتابه الإمامة والسياسة: ” أنّ عليّـاً (عليه السلام)خرج يحمل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على دابّة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله! قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به، فيقول عليٌّ كرّم الله وجهه: أفكنت أدع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيته لم أدفنه وأخرج أُنازع الناس سلطانه؟! فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم.
 
وروى ـ بعدما ذكر هجوم عمر وجماعته على بيت فاطمة لإخراج عليّ (عليه السلام) للبيعة ـ أنّ عمر قال لأبي بكر: انطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها، فانطلقا جميعاً فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا عليّـاً فكلّماه، فأدخلهما عليها، فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط، فسـلّما عليها، فلم تردّ عليهما السلام..
 
فتكلّم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسـول الله! والله إنّ قرابة رسول الله أحـبّ إليّ من قرابتي، وإنّكِ لأحبّ إليّ من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أنّي متّ ولا أبقى بعده، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشـرفك وأمنعك حقّك وميراثك من رسول الله؟! إلاّ أنّي سمعت أباك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا نورث ما تركناه، فهو صدقة.
 
فقالت: أرأيتكما إنْ حدثتكما حديثاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تعرفانه وتفعلان به؟!
 
قالا: نعم.
 
فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول: رضا فاطمة رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟!
 
قالا: نعم، سمعناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
 
قالت: فإنّي أُشهِد الله وملائكته أنّـكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبيّ لأشكونّـكما إليه.
 
فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة.
 
ثمّ انتحب أبو بكر يبكي حتّى كادت نفسه أن تزهق، وهي تقول: والله لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة أُصليها.
 
ثمّ خرج باكياً، فاجتمع إليه الناس فقال لهم: يبيت كلّ رجل منكم معانقـاً حليلته، مسروراً بأهله، وتركتموني وما أنا فيه، لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتي ”

 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=44771
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 04 / 06
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 6