• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : بحوث ودراسات .
                    • الموضوع : أهمية معايير المحاسبة الحكومية الاسلامية في الواقع العملي. .
                          • الكاتب : د . رزاق مخور الغراوي .

أهمية معايير المحاسبة الحكومية الاسلامية في الواقع العملي.

  تضمن هذا البحث طرح معايير المحاسبة الحكومية الإسلامية ، التي تم اقتراحها من قبل الباحثان في الأطروحة الجديدة، لمعرفة مدى توافق معايير المحاسبة الحكومية المعاصرة مع مفاهيم ومبادئ الاقتصاد الإسلامي ،ومدى إمكانية استنباط معايير من النظام الأخير، وهذا الأمر تم عرضه في المطلب السابق.

    يدور محور الفقرة الحالية حول الخصائص التي تتصف بها المعايير المقترحة، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، والوظائف التي تقوم بها ، والأساليب أو الوسائل المستخدمة لتطبيقها، فضلا عن إمكانية استخدامها في معالجة المسائل المستحدثة في المحاسبة الحكومية.

أولا:تحليل أثر عامل الدين وعوامل أخرى على عملية صياغة معايير المحاسبة الحكومية

    تضمنت هذه الفقرة مجموعة من العوامل التي يعتقد أنها تؤثر بصورة مباشرة (و/أو غير مباشرة)، على عملية إعداد وصياغة معايير المحاسبة الحكومية، وهذه العوامل هي : البيئة،والعرف والتقاليد، والدين، ودستور الدولة والتشريعات الحكومية،والنظام الاقتصادي والسياسي للدولة، والثقافة، فالدين متداخل في جميع جوانب الحياة الإنسانية ،وأن له الأثر المباشر والأول على جميع جوانب حياة الفرد المسلم ، وعلى جميع مستويات علاقاته، سواء أكانت علاقته مع أخيه الإنسان ،أم علاقته مع البيئة ، أم علاقته مع خالقه عز وجل. ومن البديهيات المسلم بها أن للدين أثره العملي في توجيه السلوك الفردي والاجتماعي، وفي تكييف النظم والمؤسسات ، وفي تحديد الفضائل والأخلاق والقيم.

     وبما أن  العامل الديني ذو أثر مهم(معنوي) على عملية صياغة معايير المحاسبة الحكومية ،فإنه ينبغي أخذ هذا العامل بالاعتبار ،إذا ما أردنا وضع معايير مناسبة ومتوافقة مع معتقدات المجتمع الإسلامي وثقافته وتقاليده، وبالتالي تستطيع أن تقوم هذه المعايير بوظيفتها بكفاءة وفاعلية ، وتحقق الهدف المنشود منها.

    والتشريع الإسلامي يتضمن تشريعا كاملا ،ونظاما شاملا لا يختص ببيئة معينة، ولا بزمن محدد وإنما يصلح لجميع الأماكن والأزمان، ولم يغفل المشرع الإسلامي ما تؤثره النظم والتشريعات في بناء المجتمع الجديد والدولة الجديدة، فأعطى للنظم مكانها الأول من بين تشريعاته، فجاءت نظمه جديدة على مسرح الحياة، لم تترك شاردة ولا واردة إلا ووصفت لها حلا، وهذا ما سنبينه في القسم الثاني من الاستبيان، والذي سيقتصر على بحث ما يخص بحثنا الحالي، معايير المحاسبة الحكومية المعاصرة، ومدى تأصلها في النظام الاقتصادي الإسلامي، ومدى مرونة الأخير في استيعاب التطورات والتغيرات الحضارية في كل زمان ومكان.

ثانيا:خصائص معايير المحاسبة الحكومية الإسلامية المقترحة

    غني عن الذكر ، أن النظام المحاسبي جزء من النظام الاقتصادي في أي دولة، ومن ثم فإن خصائص الأول ينبغي أن تبنى أو تعتمد على (أو تتكيف على وفق) خصائص الثاني،وقد عرفنا - بينا ذلك سابقا- أن النظام الاقتصادي الإسلامي يتسم بخاصيتين أساسيتين هما ، الواقعية والأخلاقية ، حيث تعني الأولى الانسجام مع واقع الإنسانية بطبيعتها ونوازعها وخصائصها العامة، فضلا عن ضمان تحقيق الغايات والأهداف ضمانا واقعيا ماديا ملموسا، أما الثانية فتعني التعبير عن قيم عملية ضرورية التحقيق من ناحية خلقية، إلى جانب الاهتمام بالجانب الروحي والمادي للإنسان بصورة متوازنة،وإن المعايير الاسلامية تتميز بخصائص النظام الأم(الاقتصاد الإسلامي) ، فإنها تعني أيضا أن الإسلام لا يقتصر في تشريعاته على تنظيم الوجه الخارجي للمجتمع فحسب، بل ينفذ إلى أعماقه الروحية والفكرية ، ليوفق بين المحتوى الداخلي وما يرسمه من خطط اقتصادية واجتماعية، فضلا عن أنه يمزج أسلوب تحقيق الغايات والأهداف بالعامل النفسي والدافع الذاتي المنسجم مع تلك الغايات ومفاهيمها، وهذا الأمر يمثل عامل قوة على المستوى الاقتصادي والمالي خاصة في عصرنا الحالي ،لأهمية العامل النفسي والسلوك المالي والاقتصادي للفرد والجماعة في حصول الأزمات ، ومواجهتها في الاقتصاديات المعاصرة، وهذه النتيجة تؤكد ما تم التوصل إليه في دراسة IWAN  & GAFFIKIN 2002) ): حيث يرى الكاتبان أن المحاسبة التي هي جزء من النظام الاقتصادي يمكن أن ينظر لها على أنها أحد الوسائل المهمة لإظهار –عكس- الحقيقة أو الواقعية في المجتمع، وبما أن الواقعية تؤسس وتبنى اعتمادا على القيم الأخلاقية فإن المحاسبة لابد أن تستند كذلك على الأخلاق ، وإلا فإن الواقعية سوف تظهر بصورة مغلوطة ، وبالتالي ستضلل من له مصلحة بها، ويعلل الكاتبان قولهما بأن الأخلاق تظهر وتميز بصورة واضحة بين الخطأ والصواب  ، وبين الجيد والسيئ، وبين العدل والظلم ، لذا أصبح من الأهمية بمكان وجود الأخلاق في المحاسبة لما لها من آثار مهمة وفعلية على حياة الأفراد في المجتمع، وبالتالي فإن الأخلاق لابد أن تؤطر بصورة تامة التطبيقات المحاسبية، وهذا ما تطالب به الشريعة الاسلامية المقدسة .

ثالثا: الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها المعايير المقترحة

    من الأهداف الأساسية للنظام المحاسبي الحكومي(الذي هو جزء من النظام الاقتصادي الإسلامي) تحقيق العدالة الاجتماعية ، أن تحقيق العدالة الاجتماعية ،ينبغي أن يعتمد على أهداف وغايات قابلة للتحقق من ناحية واقعية وكذا أخلاقية ،فهناك علاقة ارتباط قوية فيما بين أمكانية تحقق العدالة الاجتماعية بالاعتماد على أهداف وغايات واقعية وأخلاقية، وهذه الحقيقة ليست بشهادة المفكرين الإسلاميين فحسب، بل حتى أولئك الذين يعارضون الاقتصاد الإسلامي فإنهم يقرون بأن المعايير والقيم والأهداف الاقتصادية (بما فيها المحاسبية) الإسلامية تؤدي إلى رفع الكفاءة الاقتصادية - التي تساهم بطريقة ما في تحقيق العدالة الاجتماعية-(خرابشة، 1990: 1325).

     وهذه النتيجة تؤكد حرص النظام الإسلامي على تطبيق العدالة الاجتماعية وسعيه الحثيث لتحقيقها،ليس بصورة تجريدية نظرية فحسب ، بل لتحقيقها وتطبيقها بصورة عملية فعلية،لذا نجد أن التشريع المقدس قد حدد أسلوبين أساسيين لضمان تحقيق العدالة الاجتماعية هما، الضمان الاجتماعي والتوازن الاجتماعي ،وهذا ما سيتم مناقشته في الفقرة التالية.

رابعا: الوظائف التي يمكن أن تساهم المعايير المقترحة في أدائها

    للمحاسبة الحكومية الإسلامية وظائفها وأدواتها الخاصة التي تتعلق بتحقيق التوازن الاجتماعي، وتوفير الضمان الاجتماعي،  فبالنسبة لتحقيق التوازن الاجتماعي،فقد عرفنا أن الحكومة الإسلامية الشرعية تعتمد على وسائل معينة لتحقيقه،هي الضرائب الثابتة (الزكاة والخمس) ،وإصدار التشريعات الإسلامية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية ، التي تساهم في إيجاد التوازن وحمايته، فضلا عن إيجاد القطاعات الإنتاجية والخدماتية العامة التي تؤمن إنفاقا مناسبا، ويتجلى دور المحاسبة الحكومية في الوسيلتين الأوليتين، حيث يتعلق عملها بتقدير وتنظيم وجباية الضرائب العامة،وتنظيم عملية توزيعها وصرفها على الفئات والجهات المخصصة لها، كما إن الموازنات العامة التي تصدر وفق قانون تقره  الدولة ، لها الدور الفعال في تحقيق التوازن الاجتماعي، وذلك لا يتعلق فقط بتحديد ورسم تلك الموازنات، بل يتعداه ليتضمن مراحل إعدادها وتنفيذها ومتابعتها ،وتحديد مصادر تمويلها،ومواضع توزيعها وصرفها ونحوها، وهذه الوظائف تدخل في صميم عمل المحاسبة الحكومية.

    أما بالنسبة للضمان الاجتماعي الذي يعد من مسؤوليات الدولة الإسلامية، وهو ضمان معيشة أفراد المجتمع بصورة كافية، فإن وظيفة المحاسبة الحكومية في ذا المجال تتمثل في تنظيم وتحديد الأموال العامة التي يتم استخدامها مصدر أساس لتوفير الضمان الاجتماعي، كالزكاة والخمس فضلا عن الأموال والملكيات العامة للدولة، ويمكن استخدام المعايير المقترحة وبدرجة كبيرة في تحقيق التوازن الاجتماعي ،وتوفير الضمان الاجتماعي، مما يعني إمكانية تطبيقها في الواقع العملي، فضلا عن صلاحية النظام الاقتصادي-الذي تم الاعتماد عليه في استنباط هذه المعايير- لاستخدامه مصدر علمي أساس ومهم في بناء معايير محاسبية حكومية ملائمة لحاجات المجتمع.

خامسا: المساهمة في حفظ الأموال العامة

     يسعى النظام  المحاسبي الحكومي - علاوة على أهداف أخرى- إلى المحافظة على الأموال العامة وصيانتها ،فيمكن استخدام المعايير المقترحة في تحقيق هذا الهدف وانها ذات جدوى ويمكن تطبيقها فعلا في الواقع العملي.

سادسا: أساليب التقويم المحاسبي المستخدمة ضمن المعايير المقترحة

     تضمنت المعايير المقترحة أساليب معينة لتقويم الموجودات المتداولة والثابتة وفقا لأحكام التشريع الإسلامي، حيث ركز الأخير على ضرورة استخدام أسلوب القيمة الجارية لتقويم الموجودات المتداولة، والكلفة الاستبدالية لتقويم الموجودات الثابتة، أما فيما يتعلق بالكلفة التاريخية ،فإنه قد يلجأ إلى استخدامها في حالات معينة محددة، فتضمنت الفقرة الحالية عرض أربع أسس تستخدم في التقويم المحاسبي، هي الكلفة التاريخية ، والتكلفة التاريخية المعدلة، والقيمة الجارية، والكلفة الاستبدالية.

ان أسلوب القيمة الجارية  تتوافق مع مفاهيم ومبادئ التشريع الإسلامي،لانها من بين أساليب التقويم التي يمكن أن توفر الإفصاح الكافي والملائم، وكذلك التكلفة التاريخية ولكن بصورة اقل لان النظام التقليدي للقياس المحاسبي والمبني على مدخل التكاليف التاريخية تنعكس آثاره على مخرجات هذا النظام فيقلل من ملاءمتها لاتخاذ القرارات خصوصا في الفترات التي ترتفع فيها معدلات التضخم الاقتصادي (مطر، 2004: 151) ،إن ذلك يؤكد أهمية استخدام القيمة الجارية أساساً في التقييم المحاسبي،لغرض توفير الإفصاح الكافي والملائم،حيث يعتقد أن أساس القيمة الجارية يتفوق على أساس التكلفة التاريخية (المعدلة) من حيث ملاءمته لقياس الكفاءة ،فضلا عن تفوقه على الأسلوب الأخير من حيث اعتباره وسيلة للمحافظة على رأس المال الحقيقي ، وأداة لتقدير التدفقات النقدية المستقبلية (مطر،2004: 172)،فضلا عن مدى تأثيرها على جودة التقارير المالية (الحكومية) في عرض معلومات ملائمة ومفيدة لجميع الفئات المستخدمة لها،وهذا الأمر أخذه الشارع المقدس بالاعتبار.

سابعا: نوعية المعلومات التي يمكن توفيرها باستخدام المعايير المقترحة

     تضمنت هذه الفقرة بعض الأهداف المهمة التي تسعى المعايير المقترحة إلى تحقيقها،والتي هي في الواقع أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي، والتي يمكن تحقيقها عن طريق التقارير المالية الحكومية(الإفصاح الحكومي)، وتتعلق هذه الأهداف بتوفير معلومات ملائمة عن إمكانية تحقيق المساءلة الاجتماعية ، وتوفير معلومات عن التكاليف والإيرادات البيئية، وكذا عن الآثار الاجتماعية والبيئية لأنشطة الحكومة ،والأمور الثلاثة من القضايا المستحدثة في المحاسبة المعاصرة، والتي ما زالت محل جدل ونقاش ولم تتضح الرؤى الحقيقة لها بعد ،حيث يعود تاريخ ظهور المحاسبة الاجتماعية في الفكر المحاسبي الوضعي مع بداية العقد السابع من القرن العشرين، ومعظم الدراسات عنها اتخذ الطابع الوصفي الذي انصب على المفاهيم الأساسية دون الولوج في عمق مشاكل التطبيق(مطر،2004: 415)مع ذلك نرى اهتماما واضحا بهذه القضايا من قبل التشريع الإسلامي ،وتشددا في ضرورة عرض كل المعلومات ،وبدون أي إخفاء أو تجاهل وبشفافية ووضوح تام ،والأمر يصبح لازما  إذا ما تعلق الأمر بالحفاظ على البيئة وصيانتها ،فقد حرم تلويثها أو الإضرار بها ،وشدد على ضرورة اتخاذ الوسائل الكفيلة بحمايتها وديمومتها ، ويعتقد أن من مزايا تطبيق نظام المحاسبة الاجتماعية والبيئية توفير معلومات مهمة يمكن استخدامها على المستوى القومي لغرض وضع الخطط التنموية ، وكذلك تحسين الأسس والأساليب المتبعة في قياس الناتج الإجمالي وكذلك معدلات النمو المحققة فيه (مطر، 2004: 419) ،لقد بين الإسلام أحكام البيئة سلبا وإيجابا، وجوبا وحرمة، ندبا وكراهة، تكليفا ووضعا، لذا فإن من الأهداف التي يسعى النظام المحاسبي الإسلامي إلى تحقيقها، هي توفير معلومات عن الآثار الاجتماعية والبيئية لأنشطة الحكومة ،فضلا عن تحقيق إمكانية المحاسبة الاجتماعية  .

ثامنا: أنواع الموازنات العامة

    تضمنت هذه الفقرة تقسيمات ثلاث معروفة للموازنات العامة ،هي الموازنة الجارية والاستثمارية،والموازنة النقدية والعينية،وموازنة البرامج والأداء،والأخيرة من الأنواع الحديثة للموازنات، وقد بينا سابقا أن التشريع الإسلامي يتضمن مفاهيم ومبادئ وقواعد تتعلق بإعداد مثل هذه الموازنات ، خاصة فيما يتعلق بالموازنات الجارية والاستثمارية، والموازنات النقدية والعينية، التي كانت مطبقة فعلا في الدولة الإسلامية ، والأمر ينطبق كذلك حتى على موازنة البرامج والأداء، فعلى الرغم من حداثة تاريخ ظهورها، إلا أننا نجد مفاهيم ومبادئ إسلامية معينة تتوافق مع مقومات إعداد هذه الموازنات،وتؤكد تجارب بعض الدول المطبقة لها كالولايات المتحدة ، فقد أثبتت فاعلية أسلوب موازنة البرامج والأداء ، وأنه قد يكون الأسلوب الأمثل للتطبيق.

    من جهة أخرى فإن أسلوب الموازنات النقدية والعينية ، قد يكون أحيانا أكثر فائدة في الرقابة على الأموال والتخطيط، خاصة إذا عرفنا إن من بين مصادر الأموال العامة في التشريع الإسلامي ما يتم جبايته عينا وليس نقدا، كما في الأموال المتعلقة بزكاة الأنعام.

تاسعا:مقومات إعداد الموازنات الحديثة

     تضمنت هذه الفقرة التركيز على نوعين من تلك الموازنات،هما الموازنة الصفرية وموازنة البرامج والأداء،وإمكانية تطبيق الأساليب الحديثة في الموازنات باستخدام المعايير المقترحة، المستنبطة وفق النظام الاقتصادي الإسلامي ،واستخدام الأنواع الحديثة يكون لازما لمقابلة الاحتياجات المتعددة والمتنوعة والمتزايدة للوحدات الإدارية الحكومية، والتي قد لا تستطيع الأساليب التقليدية كموازنة البنود من مواكبتها،، وهذا الأمر يقره التشريع المقدس ويدعو إليه.

     فإذا ما تتبعنا مدى وجود مقومات إعداد موازنة البرامج والأداء - على سبيل المثال- في التشريع الإسلامي ، فإننا نجد أن الركيزة الأولى لهذه الموازنة تتمثل في تحديد الأهداف والأغراض(البرامج) التي سيتم استخدام الأموال لأجلها ،وهذا الأمر واضح وموجود في قواعد التشريع المقدس، فالمال وكل ما يتعلق بجبايته وتنظيمه وصرفه وتوزيعه يكون وسيلة(غرض) لتحقيق أهداف معينة حددتها الشريعة السمحاء، وبالتالي فليس الهدف من المحاسبة عن المال في الإسلام وتنظيمه ومراقبة صرفه وتوزيعه لأجل المال نفسه وإنما لمعرفة مدى التقدم في تحقيق الأهداف والغايات المنشودة، وقد مر بنا قول الإمام علي(ع) إلى مالك الأشتر(رض) :" وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في إصلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم،ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله"(نهج البلاغة،ج3: 100)،فالإسلام يركز على تحقيق الهدف ونسبة إنجاز العمل الذي وظف (استخدم) المال لأجله، أما بالنسبة للركيزة الثانية ،فإن التشريع الإسلامي قد حدد جانبي الإيرادات والمصروفات ، حيث يتضمن الجانب الأول إيرادات الضرائب المالية الثابتة(المحددة) كالزكاة والخمس وغير الثابتة كالصدقات، وإيرادات ممتلكات الدولة، وإيرادات المشاريع الرأسمالية الحكومية، وإيرادات القروض، وإيرادات أخرى، أما النفقات فتتعلق ببرنامج الموازنة الأساسي المرتبط بتخفيف التفاوت بين الثروات في المجتمع الإسلامي، والتي قد تكون بعض منها محدد سلفا شرعا، كمستحقي إيرادات الزكاة والخمس ،فضلا عن النفقات ومواضع الصرف الأخرى التي تقوم بها الدولة من أجل توفير الخدمات العامة والتكافل الاجتماعي ،وتحقيق النمو والتنمية الاقتصادية، وهذا يبين وبوضوح مرونة النظام الاقتصادي الإسلامي واستيعابه كل التطورات الحضارية في كل الأماكن والأزمان  ، أما بالنسبة لتقدير التكلفة وربطها بالعائد فهذا الأمر مطبق بشكل أكثر اتساعا في النظام المالي الإسلامي، ويعتبر متطلبا حيويا يجب العناية به قبل تقدير النفقة سواء أكانت عامة أم خاصة، وسواء أكانت التكلفة مالية أم اجتماعية(الأبجي، 1990: 1200)، ومن هنا جاء قول الإمام علي:" فإن العمران محتمل ما حملته" أي أنه يجب على الحكومة أن تتجنب الأعمال التي تكلفها النفقات الضخمة لقاء منافع قليلة، وأن تتحرى منافع الجباية التي تدر عليها خيرا كثيرا بإنفاق قليل( الفكيكي، 2003: 214).

عاشرا:المقومات الأساسية للرقابة على الأموال العامة على وفق المعايير المقترحة

     تم اقتراح ثلاثة مقومات أساسية للنظام الرقابي الإسلامي،هي النظام الرقابي الاجتماعي العام، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنظام الرقابي الحكومي، ويتمثل بنظام الحسبة الذي يقوده المحتسب المعين من قبل الحكومة الإسلامية.والنظام الأخلاقي الإسلامي، الذي يعتبر الأخلاق جزء من المنظومة العقائدية للفرد المسلم.

 أن النظام الاقتصادي الإسلامي، نظام شامل يحتوي على قاعدة واسعة من المفاهيم والمبادئ والأسس اللازمة لبناء جميع أنواع النظم المتعلقة بحياة الإنسان وفي جميع المجالات الاجتماعية منها والاقتصادية والسياسية والتربوية ...الخ.  وهو ما يرتبط بمفهوم الرقابة على الأموال العامة الذي يتعلق بالوظيفة التي تقوم بها وحدات حكومية أو غير حكومية من أجل تتبع المال العام وحراسته وحفظه، استنادا إلى مرجعية تشريعية،وتعتبر الرقابة وظيفة من وظائف المحاسبة الحكومية ،لا تكتمل الأخيرة إلا بوجود هذه الوظيفة(احمرو،2003: 219).

الحادي عشر: اقتراح صور متعددة للرقابة على الأموال العامة

     لاشك في أن للرقابة المالية والمحاسبية دور كبير في حفظ الأموال العامة من السرقة والاختلاس،وصيانتها من الهدر والتلف،إلا أنه قد ثبت أن الاعتماد على هذا الأسلوب دون غيره قد لا يحقق الفائدة المرجوة منه،خاصة بعد ظهور الدراسات والبحوث المتعلقة بدراسة السلوك الإنساني والشخصية الإنسانية وأثرها في إنجاح النظام الرقابي وتحقيق الأهداف المرجوة منه، فأصبح لزاما الاستعانة بأساليب أو أنواع أخرى للرقابة فضلا عن الأسلوب المذكور،لذا أصبح المبدأ السلوكي من المبادئ العلمية التي أخذت تهتم بها الدراسات الحديثة المتعلقة بمجالات الرقابة المالية، وقد ذكرنا سابقا إن الإسلام بتشريعاته الخالدة، قد أوجد هذا النوع من الرقابة قبل الوقت الحاضر بأكثر من أربعة عشر قرنا، من خلال مبدأ الرقابة الذاتية التي تبنى على أساس تدعيم فكرة الرقابة الإلهية المستمرة لأفعال العباد لدى الأفراد، والقائمة على أساس العقاب والثواب، فضلا عن رقابة الذات وكيفية توجيهها نحو الخير وكل ما يرضي الله تعالى، وعليه تضمنت المعايير المقترحة صورا متعددة للرقابة على الأموال العامة، كما ان شمولية واتساع النظام الاقتصادي الإسلامي ،لاحتوائه على مفاهيم ومبادئ وأسس يمكن استخدامها قاعدة لمعالجة جميع مشاكل الحياة المعاصرة، و الرقابة على الأموال العامة من ضمنها ،وخير إثبات على ذلك ما يتعلق بمعالجة السلوك الإنساني وكيفية متابعته ومراقبته، وتوجيهه لإنجاح نظم الرقابة على الأموال العامة وتحقيق الهدف المنشود منها، وهذه من الحالات العديدة والعديدة التي تناولها التشريع الإسلامي بالعرض والتحليل،وقدم لها العلاج الناجع، فتعتبر الرقابة الذاتية التي يشدد عليها التشريع الإسلامي ،من أقوى الرقابات تأثيرا على المجتمع،حيث أثبتت التجربة الإسلامية إن الرقابة الذاتية انفع بكثير من الرقابة الخارجية التي تدفع بالموظف إلى دائرة الخوف فيفعل ما لا يجب فعله (الموسوي،1998: 275). كما إن اعتقاد المحاسب أن الله تعالى رقيب على أعماله كلها وسوف يحاسبه يوم القيامة عن كل صغيرة وكبيرة فيتخذ الحيطة والحذر من ذلك بتجنب ما يستوجب العقاب وهذا ما يسمى بالمحاسبة الذاتية(جمعة، 2000: 383).

 من جهة أخرى تؤكد النتائج السابقة أن المعايير المقترحة التي استندت على مفاهيم الشارع المقدس في موضوع الرقابة ، يمكن اعتبارها ذات جدوى وفائدة ،ويمكن تطبيقها في الواقع العملي المعاصر.

خلاصة نتائج الاطروحة الجديدة للبحث

    أولا: يدور محور النتائج المشار إليها حول ماهية الخصائص التي تتصف بها معايير المحاسبة الحكومية الإسلامية المقترحة في هذا البحث، وكذا الأهداف التي تسعى لتحقيقها والوظائف التي تقوم بها، فضلا عن أساليب القياس والتقويم والإفصاح المحاسبي التي تتضمنها هذه المعايير، وبالرجوع إلى نتائج التحليل السابقة - المشار إليها- يستخلص عدة أمور:ـ

1.  أثبتت النتائج أن معايير المحاسبة الحكومية الإسلامية المقترحة ، والمستنبطة وفق مفاهيم ومبادئ النظام الاقتصادي الإسلامي(أو التشريع الإسلامي عموما)، تتصف بالخصائص الأساسية المميزة للاقتصاد الإسلامي ،وهما الواقعية (في الغاية والوسيلة) والأخلاقية (في الغاية والطريقة) ، فهذه المعايير تعتمد على آلية معينة للتنفيذ، تتميز بالشمولية والتوازن في استهداف الجانب الروحي والمادي للإنسان ،بحيث تتناسب مع متطلباته واحتياجاته الدينية والدنيوية معا وعلى حد سواء، كما تقوم على مبادئ وأسس محددة ، وتعتمد على طرق وأساليب معينة للقياس والتقويم المحاسبي ، تنسجم وتتوافق مع تلك الخصائص، وذاك لغرض المساهمة في تحقيق العدالة الاجتماعية ، وحفظ الأموال العامة وصيانتها، كما أنها تساهم في توفير الضمان الاجتماعي والتوازن الاجتماعي، من خلال وظائف معينة تقوم بها، أهمها إعداد وتنفيذ الموازنات العامة للدولة الملائمة لتنفيذ الخطط والأهداف الاقتصادية والاجتماعية للدولة وللمجتمع وللفرد على حد سواء، فضلا عن السيطرة والتنظيم الشامل لجميع أنواع الأموال العامة للدولة ، من حيث تقديرها وتسجيلها وجبايتها ، وتوزيعها وصرفها .

2.  بما أن المعايير المقترحة تتصف بخصائص النظام الاقتصادي الإسلامي ، وتقوم على مفاهيمه ومبادئه وأسسه ، فهي إذن ضمن الإطار العام للاقتصاد الإسلامي، ويعني ذلك التأصيل الإسلامي لمعظم معايير المحاسبة الحكومية المعاصرة، وحيث أثبتنا توافق الأخيرة مع مفاهيم ومبادئ الاقتصاد الإسلامي.

3.  إن إثبات اتصاف المعايير المقترحة بالخصائص والمبادئ والمفاهيم المشار إليها، يؤكد على أهمية تلك المعايير وفائدتها في التطبيق العملي.

4.  بالنتيجة النهائية ، يتبين لنا بصورة قاطعة أن الاقتصاد الإسلامي - الذي تم الاستناد إليه في صياغة المعايير المقترحة- يملك قاعدة واسعة من المفاهيم والمبادئ والأسس والقواعد المتطورة والمتقدمة ، التي يمكن استخدامها مصدراً علمياً فعالاً لبناء ووضع معايير محاسبية حكومية إسلامية ، تكون متوافقة مع حاجات ومتطلبات المجتمع الإسلامي، علاوة على ذلك فإن تلك النتيجة تثبت أن النظام الاقتصادي الإسلامي ، نظام أصيل في مفاهيمه ومبادئه وأسسه وأحكامه.

ثانيا: يدور محور النتائج المشار إليها حول بعض القضايا المحاسبية موضع النقاش والمستحدثة، كالنقاش حول أسس التقويم الملائمة خاصة في حالة التغير المستمر للأسعار، واستخدام أساليب حديثة للموازنات العامة , وبعض هذه المواضيع قد تم  إدخالها  في ضمن المعايير المقترحة ، وكان الغرض من هذه الأسئلة هو بهدف معرفة مدى نجاح وفاعلية المعايير المقترحة في معالجة تلك القضايا ،فضلا عن مدى تكيفها مع واقع الحياة المعاصرة، وبالرجوع إلى نتائج التحليل المشار إليها، يستخلص عدة أمور:ــ

1.  إن بعض القضايا الجدلية المعاصرة ، كاستخدام الأساس المناسب للتقويم ، يعالجها التشريع الإسلامي بصورة نظامية ووفق شروط وحالات معينة،فقد لاحظنا التأكيد الإسلامي على استخدام القيمة الجارية وبصورة إلزامية خاصة في حالة تقويم الموجودات المتداولة لغرض احتساب الزكاة، ويعتبرها من مستلزمات تحقيق العدالة الاجتماعية ، لما ينتج عن استخدام هذا الأسلوب من دقة وأمانة ووضوح في المعلومات الناتجة  .

2.  إن مقومات إعداد الموازنات العامة وفق الأساليب الحديثة كالموازنات الصفرية وموازنة البرامج والأداء، لها وجود وأساس في التشريع الإسلامي-الذي تم الاعتماد عليه في صياغة المعايير المقترحة- ، وعليه يمكن تطبيق تلك الأساليب وفق النظام الاقتصادي الإسلامي.

3.  إن استخدام التقارير المالية الحكومية لأغراض معينة كالمساءلة الاجتماعية ،وتحديد التكاليف والإيرادات البيئية، وتتبع آثار أنشطة الوحدات الحكومية التي تتركها على البيئة والمجتمع، يعتبر ذلك من الأمور المستحدثة في الوقت الحاضر، في حين أن التشريع الإسلامي قد نبه إليه وتناولها بالعرض والتحليل قبل أكثر من أربعة عشر قرنا.

4.  وإجمالا فإن الاقتصاد الإسلامي ، نظام يتميز بالمرونة والاتساع ليستوعب كل التغيرات والتطورات الحضارية لكل زمان ومكان.




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=57560
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 02 / 08
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 01 / 24