• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الأزهر وقشّة الإنقاذ في الدنمارك! .
                          • الكاتب : عباس البغدادي .

الأزهر وقشّة الإنقاذ في الدنمارك!

في ظل الأزمات والكوارث والنزاعات والحروب المدمرة والمؤامرات القائمة في منطقتنا، وما تبعها من تشبث طاغٍ بالبحث عن "الحلول" المستحيلة لدى المنظمات الدولية واللاعبين الكبار لدوامة الأزمات هذه، يُصدم المرء بحقيقة مرّة، وهي أن معظم المؤسسات "التي تمثل الضحايا"، والمعنية أساساً في المشاركة بإيجاد حلول عملية ومخارج آمنة أو وصفات إنقاذ ناجعة وسبل إطفاء الحرائق المستعرة، تلجأ عوض ذلك الى إعطاء كياناتها "تقاعداً مبكراً"، أو تكتفي بالتلهي بـ"مهام" هي في واقع الأمر تخص ملفات تقف في آخر طابور المهام العاجلة، ويمكن ببساطة فهم هذا التصرف على انه تمويه أو هروب من المسؤوليات الحقيقية!
ينطبق هذا الأمر على مؤسسة الأزهر، التي خيّبت بامتياز توقعات المسلمين قاطبة في التعاطي مع المعضلات التي حلّت بالعالم الاسلامي في العقود الأخيرة، والطامة الكبرى، ان الأزهر قد أسهم في أحيان كثيرة في تعميق أثر تلك المعضلات والأزمات، عبر التزام الصمت في موضع يتطلب منه المواقف العملية الحازمة، أو التفرج على ضياع الأوطان وتبدّدها، أو الخضوع لأجندات واملاءات الحكومات المتعاقبة، وغضّ الطرف عن استفحال الفكر التكفيري المتطرف في العقود الأربعة الأخيرة، اذ أغلب زعماء ومنظّري هذا الفكر تخرجوا من الأزهر؛ بل وكانوا من الفاعلين تحت مظلته، مما أفضى أن يقود هؤلاء مئات ألوف الارهابيين الذين وزعوا إرهابهم وهمجيتهم ودمارهم باسم الاسلام، وحتى وصل الحال بالأزهر أن يعمل على تأصيل الطائفية ويبتلع الحيادية في تناوله لمخاطر النزاعات الطائفية والشحن البغيض المدار من حواضن الارهاب التكفيري في المنطقة، ومنها في مصر معقل الأزهر، والأنكى أن يبادر الأخير الى مباركة حروب عدوانية مدفوعة بأجندات إجرامية طائفية ومصالح أنظمة استبدادية تستهدف شعوباً آمنة في المنطقة، وتجلت تلك المباركة بالتورية (كما في حالة الحرب المفتعلة في سوريا بمخطط من محور الارهاب الخليجي)، وبصوت عالٍ كما في حالة الحرب العدوانية على الشعب اليمني، عبر المباركة المذلة والمخزية لـ"عاصفة الحزم" والتهليل بمشاركة الجيش المصري في هذا العدوان الآثم! وبهذا الموقف بالذات دشّن الأزهر تدجينه الناجز من قبل المؤسسة الوهابية، ويتشارك مع هذا الرأي عمدة من مفكري مصر الأحرار ونخبها الوطنية الغيورة، ناهيك عن ذات الرأي السائد في أوساط العالم الاسلامي!
بالطبع لن تسع هذه السطور لتشريح أغلب المآزق وأوجه التأزيم التي تمرّ بها مؤسسة الأزهر، والعوامل والسياسات التي أفضت الى ذلك، فأغلبها ليست خافية على المطلعين والمتابعين بحكم الدور الكبير والمهام الجسيمة التي كان ينبغي أن يضطلع بها، كما هو مرتجى منه إسلامياً.
وها هو الأزهر يمارس مرة أخرى التغطية على الشلل الذي يعانيه في مجاراة الراهن الخطير في العالم الاسلامي، وما هو مؤمّل منه كمؤسسة إسلامية رفعت لواء تمثيل المسلمين، حيث لجأ قبل أيام وعبر بيان لشيخ الأزهر "أحمد الطيب" تناول موضوعاً يتبين للمطّلع انه تكتيك مكشوف للهروب من المسؤوليات الجسيمة الحقيقية والملحة في هذه المرحلة، حيث تناول البيان الصادر إقامة ما تسمى بـ"حركة أوقفوا أسلمة الدنمارك" معرضاً في العاصمة كوبنهاغن، احتوى رسوماً مسيئة للنبي الأكرم (ص)! ومما جاء في البيان "مطالبة المجتمع الدولي بضرورة إدانة هذه الأعمال الاستفزازية والتي لا تقل في خطورتها عما تقوم به بعض الجماعات الإرهابية من تهديد للسلم العالمي"، ومن لحن العبارات ربما يخطر على بال البعض ان مجازر إبادة مروعة قد طالت مجدداً آلاف المسلمين في بورما (من بوابة كوبنهاغن مثلاً)! ومع الإقرار بمبدأ ان المساس الرخيص بشخص الرسول الأكرم (ص) هو مدان ومستهجن ومُجَرّم في كل صوره، ولكن هذا لا يعني أن من "يستنكره" قد أنجز وأتمّ ما عليه من مسؤوليات تجاه العالم الاسلامي، وأعفى نفسه أو مؤسسته من الاهتمام بأخطر الملفات المفتوحة أو تأجيلها، والتي تُعتبر قضية الرسوم المسيئة قبالها متدنية الأهمية في سلم الأولويات!
ثمة أمر آخر ينبغي توضيحه بخصوص "المعرض" الذي استدعى بياناً من مشيخة الأزهر بعد يوم واحد فقط من الحادثة، فالجماعة المذكورة في البيان هي ثلة صغيرة من متطرفين متزمتين (كتّاب وفنانين وهواة سياسيين) لا يُعتد بتاتاً بوزنهم في المشهدين الثقافي والسياسي في المجتمع الدنماركي، حيث تعرض أغلب أنشطتها في المقاهي العامة (طمعاً في الاحتكاك بشرائح دنماركية معينة)، كما تجد أمثالهم في كل المجتمعات الغربية، وأصبح زادهم الشهيّ بعد نشر الرسوم الدنماركية المسيئة الشهيرة أواخر سبتمبر 1995 هو إعادة تكرار نشرها، أو نشر المستجد منها، كل ذلك تحت مظلة "حرية الرأي" التي تكفلها قوانين بلدانهم، وشهدنا جميعاً حينها الضجة "الدولية" التي أحدثتها رسوم 1995 وما حفظته الدنمارك خاصة (والغرب عامة) من الدرس الذي ارتد عليها وكبّدها أضراراً اقتصادية ولغطاً داخلياً وتصدعاً في علاقتها مع أغلب دول العالم الاسلامي، ولا يمكن بتاتاً تحميل الحكومة الدنماركية أو المجتمع الدنماركي أوزار هكذا جماعات صغيرة لا تمثل سوى نزقها وتطرفها وعُقدها العنصرية!
وللتوضيح أكثر، فإن مجموعة "حركة أوقفوا أسلمة الدانمارك" لم تقم "معرضاً" بمعنى الكلمة، بل قامت في 26         /9/2015 بتعليق 11 رسماً مسيئاً على رصيف شارع صغير في العاصمة ودون موافقة رسمية! وإثر ذلك اعترفت المجموعة عبر موقعها الالكتروني بتعرض ثلاثة من أعضائها الى التوقيف من قبل الشرطة بتهمة توجيه إهانات مبتذلة ضد الشرطة التي وبّختهم لنشاطهم غير المرخص! كما تبرمت المجموعة (بمرارة) في ذات الموقع من التجاهل الكبير من قبل الصحافة الدنماركية لأنشطتها، ومنها حادثة الرصيف الأخيرة!! إضافة الى شكواهم من ان أغلب المقاهي العامة الدنماركية لم تعد تسمح لهم بممارسة أنشطتهم! لهذا تكتفي المجموعة بعرض نفاياتها في موقعها على النت، أو صفحة الفيسبوك! وهنا لسائل يسال؛ أي "حدث جلل" هذا الذي استدعى بياناً من شيخ الأزهر، وواقع الحال يفصح ان ما يتحدث عنه هو مجرد نزق شارعي مارسته مجموعة هامشية، يمكن أن تعثر عليه دائماً في الـ"هايد بارك" بلندن مثلا؟!
حسناً، هل انتبه شيخ الأزهر، ومعه عشرات المستشارين في طاقمه، بأنه في اللحظة التي أصدر فيها بيانه - الذي نحن بصدده - لم تكن الرسوم (التي تجاهلتها حتى الصحافة الدنماركية) تشكّل أي تهديد يُذكر (حالياً على الأقل) على العالم الاسلامي و"السلم العالمي"؟ وان هناك استحقاقات غاية في الخطورة، ومنها ما يخص حروباً قائمة في المنطقة، وتهديدات باقتحام المسجد الأقصى مصحوبة بعنجهية إسرائيلية ضد المصلين، إضافة الى فاجعة "تدافع" منى الأخيرة التي تتعقد ملابساتها حتى اللحظة، وغير ذلك من ملفات خطيرة أخرى.. ألم تستدعي بمجملها أن لا يضيّع الأزهر وقته وجهوده على بيان "الرسوم المسيئة" ليلتفت بمسؤولية وجدّية ومثابرة ترتقي الى عظمة الدور المرتجى منه في معالجة الملفات الخطيرة المذكورة؟! مثلما هو المعوّل عليه بخصوص ملفات واستحقاقات تخص المسلمين والعالم الاسلامي، لا تقل خطورة وأهمية مما ذُكر، ولها مساس أيضاً بـ"السلم العالمي" الذي ذكره الشيخ "الطيب" في البيان السالف ذكره، وتنتظر -هذه الملفات- أفعالاً وأدواراً حازمة من الأزهر لا أقوالاً وبيانات فقط!
فأين دور الأزهر ومشيخته من الجراح النازفة المفتوحة في العراق وسوريا وأفغانستان وفلسطين وليبيا واليمن؟ وأين هذا الدور إزاء الإبادة التي يتعرض المسلمون لها في بورما والهند وأصقاع أخرى؟ وهل نقبل منه الاكتفاء بالتفرج، أو في أحسن الأحوال الاكتفاء بالبيانات والاستنكارات إزاء خطر الارهاب الوهابي التكفيري، الذي ضجّ العالم من إجرامه وهمجيته العابرة للحدود والأخلاق والتعاليم السماوية والأعراف الإنسانية (لم تسلم مصر من شروره)؟! وما هي المعالجات الحقيقية والعملية التي أقدم عليها الأزهر في محاصرة الفتنة الطائفية المستفحلة والمغذية لحروب التكفير، ويداهن الأنظمة الخليجية الراعية لهذه الفتنة المقيتة وحروبها في الوقت الذي يحتضن الأزهر مشايخ هم من محرضي الفتنة ورموزها باعتراف المصريين أنفسهم؟ وهل يعتبر بياناً هنا ومؤتمراً استعراضياً هناك أو موعظة عابرة بأنها ستقبر الفتنة وتُبطل صواعقها؟!
٭ ٭ ٭
- غاز مسيل للدموع!
لم أعثر على توصيف مقارب لبيان الأزهر حول الرسوم الشارعية في الدنمارك سوى انه شبيه بـ"غاز مسيل للدموع"! حيث في العادة أن هذا الغاز (سيء السمعة) يُطلق لهدفين مهمين ضد المتظاهرين أو المتجمعين؛ تبديد الجموع، وانشغال المستهدفين بالآلام التي يسببها لعيونهم وجهازهم التنفسي! وكذلك البيان المذكور؛ فهناك "جموع" المسلمين التي تنتظر أفعالاً وخطوات حازمة من الأزهر تخص قضاياهم المصيرية، وبما ان الأخير قد أثبت أنه ليس بمستوى هذه المسؤولية، فلا بد من تبديد توقعات هذه الجموع، التي عوّلت عليه دوراً مصيرياً أيضاً، ويكون هذا التبديد عبر اختلاق "قضية" تهدد "السلم العالمي وتجاري الارهاب"، ولتكن رسوماً شارعية بائسة اختنقت في مهدها (ليسعفها البيان) وتجاهلتها صحافة البلد الذي تقيئها عبر مجموعة نزقة هامشية! وكأن الأزهر يريد هنا أن يعلن؛ بأن لا وقت للملفات المصيرية القائمة، والتي تهددنا وجوديا في المنطقة، انما الوقت لـ"قضية" أخرى هناك فيما وراء البحار، ينبغي أن نتنادى اليها ونشحذ الهمم ونسخر الجهود والطاقات من أجلها! كما يبدو ان الأزهر دأب أخيراً على هذا المنحى الخطير، حيث أثار قبل أسبوعين (عبر بيان لشيخ الأزهر أيضاً) حادثة عابرة هي الاعتداء على مسجد في بغداد (يؤمه السنّة) من طرف جهة مجهولة لم تعلن عن نفسها (ربما تكون جهة معادية للعراقيين جميعا)، ولم يسفر الحادث - ولله الحمد - عن ضحايا، فأراد منها الأزهر "قضية" بأبعاد طائفية، من خلال توجيه الاتهام لطائفة بعينها، وكأنها كلها متورطة في الحادث الأثيم (بلا أدلة)!
أما الشق الثاني في مقاربة "الغاز المسيل للدموع" فيخص الآلام التي يسببها، اذ في حالة بيان "الرسوم" كأن المقصود تضخيم هذه الآلام (أو الأضرار) لدى المسلمين، ليتم اعتبارها أفدح خطراً وأشد إيلاماً من أية جراح ومعضلات ومذابح قائمة فعلاً، قياساً الى رسوم شارعية تنال من الرسول الأكرم (ص)، يمكن أن تجد نظيرها منتشراً على شوارع الانترنت في أرجاء المعمورة، أو كأن العالم الاسلامي يعاني من "شحّة" في مآزقه وابتلاءاته، ويحتاج عاجلاً الى ملف آخر يقلّب أوراقه شيخ الأزهر!
وأضيف هنا الى أن الأزهر يروم إيهامنا، وبخطوة بسيطة لم تكلفه سوى حبراً وورقة بيان، بأنه المنافح الأعظم والمؤمّل لزعامة العالم الاسلامي، بدليل انه يترصّد حتى في شوارع كوبنهاغن الصغيرة، عمّن يستهدف الاسلام ورسوله (ص) برسمٍ بائس من جماعة هامشية! فيا لهول هذه المفارقة، حيث يتجاهل الأزهر وشيخه كل ابتلاءات المسلمين (بطابعها الإقليمي والدولي) ليلتفت الى تلك الرسوم!
أليس هذا هو التضبيب بعينه، الذي يمارسه الأزهر للتغطية على تقاعسه وتخاذله المرئي والمشهود إزاء المعوّل عليه إسلامياً في مجمل القضايا المصيرية؟ أم انه - الأزهر - يتلمّس بحق بأن سمعته في حالة غرق (مثلما توصل معظم المسلمين لذلك)، ويحاول جاهداً انتشالها وإنقاذها بقشّة بيان "الرسوم" التي وجدها على رصيف دنماركي صغير؟!
٭ كاتب مقيم في الدنمارك.
[email protected]
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=68043
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 10 / 02
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 17