الموازنة العراقية بين التأخير والتمويل.. تحذيرات من شلل اقتصادي رغم التطمينات الحكومية
بين التحذيرات من تداعيات تأخير الموازنة على الاقتصاد العراقي، والتطمينات الحكومية بأن الوضع المالي مستقر، يبقى الجدل قائماً حول قدرة بغداد على تمويل المشاريع وتوفير السيولة المطلوبة.
يحذر مختصون في الشأن الاقتصادي، من تأثير تأخير إقرار الموازنة العامة على النشاط الاقتصادي في العراق، كونها تمثل خطة استراتيجية لتنمية الاقتصاد وتوفير فرص العمل وتحقيق الاستقرار المالي، لكنهم في الوقت ذاته أشاروا إلى أهمية صرفها، وليس إقرارها دون تمويل كما حدث العام الماضي، وهذا وسط تأكديات حكومية بأن الوضع الاقتصادي “مستقرا”.
وأقرت الموازنة الاتحادية “الثلاثية” عام 2023، للأعوام (2023 و2024 و2025)، لكن يجب على البرلمان إقرار جداول كل منها في كل عام، وما تزال جداول موازنة العام الحالي لدى الحكومة التي تقوم بالتعديل عليها.
ويقول عضو اللجنة المالية النيابية، معين الكاظمي، إن “من واجب الحكومة إكمال جداول الموازنة للجانبين التشغيلي والاستثماري وإرسالها سنوياً إلى مجلس النواب ممثلاً باللجنة المالية لتدرسها ومن ثم يتم المصادقة عليها، لكن ما يحصل حالياً هو تأخير من قبل الحكومة”.
ويؤكد الكاظمي أن “التأخير سيقلص السيولة الموجودة في الأسواق ولدى المقاولين والشركات ويؤدي إلى تباطؤ في العملية التنموية والاقتصادية”،
تمويل الوزارات والهيئات
منوّهاً إلى أن “الأمر المهم والأساسي ليس إقرار الموازنة فقط، بل هو التمويل، فقد أقرت موازنة عام 2024 ولكن لم يجرِ التمويل المطلوب للمحافظات من تنمية الأقاليم، كما لم يجرِ تمويل الوزارات والهيئات، مما عطّل تنفيذ مشاريع جديدة”.
ويكشف، أن “تقديرات اللجنة المالية للإيرادات المالية النفطية وغير النفطية لا تتجاوز 140 تريليون دينار عراقي، وبناءً على ذلك، ينبغي أن تكون جداول الموازنة التي سترسلها الحكومة متناسبة مع هذه الإيرادات، وأن لا تتجاوز 150 تريليون دينار عراقي، لتكفي للجانب التشغيلي الذي يصل إلى 127 تريليون دينار، والجانب الاستثماري 23 تريليون دينار، وبذلك يمكن أن يمر هذا العام بسلام، من حيث التمويل المطلوب طبقاً للإيرادات المضمونة للإيرادات النفطية وغير النفطية”.
ويشدد الكاظمي، على أهمية “التفكير الجدي لزيادة الإيرادات غير النفطية وعدم الاعتماد على النفط الذي ربما ينخفض سعره من 80 دولار للبرميل إلى حدود 65 و60 دولار للبرميل ما يؤثر على السقف الأعلى للموازنة، لذلك على الحكومة زيادة الإيرادات غير النفطية من الكمارك والمنافذ الحدودية والضرائب والاتصالات وجباية الطاقة والخدمات وعقارات الدولة وغيرها من قضايا”.
ويوضح، أن “الإيرادات الحالية لا تصل إلى 15 تريليون دينار، في حين المفروض تصل إلى 30 تريليون دينار على أقل تقدير، وهذا يتم من خلال جدية الحكومة وتهيأتها لمختلف السبل الرقابية لتكون هناك جباية حقيقية للخدمات التي تقدمها الدولة”.
ويطمئن عضو اللجنة المالية، أن “العراق ما دام يصدر 3,5 مليون برميل نفط يومياً، فأن الإيرادات موجودة، بالإضافة إلى الإيرادات غير النفطية، لذلك السيولة متوفرة وتكفي لسقف 50 تريليون دينار”.
استقرار اقتصادي
من جهته، يبين مستشار رئيس مجلس الوزراء العراقي للشؤون المالية، مظهر محمد صالح، أن “الموازنة العامة الاتحادية للعام 2025 عملياً هي مقرّة بموجب القانون رقم 13 لسنة 2023، وهي موازنة الأعوام الثلاث، وأن تقديم جداول العام 2025 تأتي استناداً إلى أحكام الفقرة 77/ثانياً منها”.
ويعزو صالح تأخير جداول الموازنة ونحن في نهاية الفصل الأول من السنة المالية الحالية، إلى “تعديل المادة 12 من قانون الموازنة العامة الاتحادية المتعلقة بتقييم عقود إنتاج ونقل نفوط الإقليم في شهر شباط الماضي”.
ويلفت المستشار المالي، إلى أن “أهمية الجداول المالية تتعلق بحوكمة الموازنة العامة فيما إذا كانت هناك حاجة إلى تكيفات تأتي على وفق الظروف الاقتصادية الراهنة والمقبلة”.
ومع ذلك، يؤكد صالح أن “قرابة 90 بالمئة من الفعاليات المالية في الصرف أو الإنفاق قد استمرت دون توقف، وانقضى الفصل الأول من السنة المالية والوضع المالي والاقتصادي يسيران بشكل مستقر وحسن جداً، والحياة الاقتصادية هي في وضع عالي الاستقرار”.
ويضيف، “كما هناك تعاون إيجابي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بشأن دعم مسارات الوضع الاقتصادي والمالي في بلادنا بما يصب في مصلحة التنمية المستدامة، ولاسيما السير في المشاريع الاستثمارية المستمرة مع الحفاظ على الجانب التشغيلي الجوهري في الموازنة وذلك طبقاً لأهداف البرنامج الحكومي”.
تحذيرات من “التأخير”
وبالرغم من تطمينات المستشار الحكومي، لكن الباحث الاقتصادي، أحمد عيد، يرى أن “تأخير إقرار الموازنة العامة يمثل أزمة كبيرة تؤثر بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي في البلاد، حيث يعتمد الاقتصاد بشكل كبير على الإنفاق الحكومي على الموازنة في العديد من القطاعات الحيوية، مثل التعليم والصحة والبنية التحتية، فضلاً عن رواتب الموظفين الحكوميين”.
ويوضح عيد أن “الموازنة هي ليست رقماً مالياً فقط، بل خطة استراتيجية لتنمية الاقتصاد وتوفير فرص العمل وتحقيق الاستقرار المالي، لذلك يجب أن تتم الموافقة عليها في الوقت المحدد لضمان استمرارية العمل الاقتصادي في جميع القطاعات”.
ويحذر المختص، أن “تأخير إقرار الموازنة يؤدي إلى تباطؤ حركة السوق، ويزيد من حالة عدم اليقين بين المستثمرين والمواطنين على حد سواء، مما يساهم في انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، بالإضافة إلى أنه يؤثر على قدرة الحكومة في تنفيذ مشروعاتها التنموية، ويعيق الاستثمار المحلي والأجنبي، فضلاً عن التأثير السلبي على قدرة الحكومة في دفع رواتب الموظفين وتلبية احتياجات القطاع العام”.
القطاع الخاص
ويشير إلى أن “القطاع الخاص يعاني أيضاً من تبعات هذا التأخير، حيث يعتمد بشكل كبير على المشاريع الحكومية التي تتأثر مباشرة بإقرار الموازنة، وأن تأخير إقرار الموازنة لا يقتصر على التأثير المالي فحسب، بل يخلق حالة من التشاؤم بين المواطنين حول استقرار الاقتصاد في المستقبل”.
ويشخّص عيد، أن “أحد العوامل الرئيسية وراء هذا التأخير هي المشاكل السياسية المستمرة في البلاد، حيث تسعى العديد من الأطراف السياسية لتحقيق مكاسب شخصية من طريق صفقات مشبوهة ومساومات سياسية على حساب المصلحة العامة، وهذه المحاولات للمساومة بين الأطراف السياسية على حصة كل طرف من الموازنة قد أسهمت في عرقلة إقرارها في الوقت المناسب، مما يزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي ويؤثر سلباً على حياة المواطنين”.
وخلص الباحث الاقتصادي إلى القول، إن “هذه الممارسات تزيد من ضعف الثقة بين المواطنين والحكومة، مما يساهم في تفاقم الأزمات الاقتصادية والمالية، لذلك على الحكومة أن تضع مصلحة الشعب العراقي فوق أي مصالح شخصية أو حزبية، وأن تعمل على تسريع إقرار الموازنة دون الدخول في صفقات مشبوهة أو تقديم مكاسب سياسية على حساب الاقتصاد الوطني”.
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat