كما المكان المقدّس، هناك مكان أو طوبوغرافيا الأخلاق، حيث يكتسي المكان قيمة رمزية تحيل على اللاّمكان..هناك الحيّز الأخلاقي الذي تمارس فيه قيم معيّنة كمبدأ الإيخاء والوفاء والكرم وما شابه..يلعب المكان أيضا دورا في تعزيز الهوية..بل ثمة ما توحي به الأحياز من قيم رمزية تساهم في تحيين الحالة أو الظواهر الاجتماعية..إنّ الشعور الذي تثيره الأحياز لدى الجماعة البشرية تختلف من حيز إلى حيّز..فمقدار التبادل القيمي الذي يمارس داخل فضاء مفتوح هي غير تلك التي تمارس في فضاء مغلق..إن مجرد امتلاك الأحياز تترتب عليه قيم خاصة..فقيم ملاّك الأرض والإقطاعيين تختلف عن غيرهم..أخلاق الأحياز المحتلةّ تختلف عن الأحياز المحرّرة..أخلاق المدينة وأخلاق القرية..أخلاق المركز وأخلاق الهامش..الاهتزاز واللاّإستقرار الذي يتهدد الأحياز والمنظومة الجغرافيا يؤثّر على منظومة القيم..في الهجرة والنزوح حيث يتغير المكان هناك تتغير القيم أيضا..المكان يحدد أنماط القيم الملحّة..ويمارس إيحاءه الخاص..الطوبوغرافيا المنحرفة تستدعي قيما خاصة..الجغرافيا تفرض قيمها..ومن ربح الجغرافيا ربح القيم..حتى الموقف الجيوستراتيجي هو في الصميم موقف قيمي مما يدعونا للحديث عن جيو ـ قيمية تضعنا أمام حتمية التدافع القيمي البشري في المجال..لا قيمة للفكر والقيم إذا لم ترسم لها أحياز..فقيمة القيم تنهض على تدبير المجال والسلطته، أي هي في نهاية المطاف جيو ـ قيمية..العزلة الجغرافية تنتج عزلة قيمية..من هنا يمكننا القول أنّ كونية القيم هي في نهاية المطاف كونية جغرافية تقتضي سلطة المجال الأرحب..وهذا لا يتحقق إلاّ بإمبريالية قيمية..إنّ سقوط الإمبراطوريات وقيمها يتجلّى بادئ ذي بدء في اقتطاع أطراف جغرافيتها الممتدّة..وحينما ضاقت الجغرافيا أو لنقل تمنّعت الجغرافيا عن الأخلاق البديلة أو تلك التي يرفضها الواقع، فهي تبحث لها عن اليوتوبيا..عن اللاّمكان..وهو الهامش الجميل وكذا الحزين الذي يؤكّد على أنّ القيم لا تنجز حتى تنتج لها جغرافيتها..حتى في علم الكلام الديني فالله يعبّر عن نفسه بالنزول والأحياز واستعمال كلّ مجازات اللغة لتقريب حقيقته، حيث هو معكم أينما كنتم..بل الذي هو السماء إله وفي الأرض إله..يتكفّل علم كلام التنزيه للتذكير بمجازية هذا التصوير، لأنّه هو الذي يوجد في كل مكان..بمعنى المهيمن على المكان ولكن من دون محايثة ولا تحيّز.. ذلك لأنّ الذهن البشري لا يكاد يتصور قيما خارج الحيز الجغرافي..حتى الأديان صاغت طوبوغرافيتها..الطوبوغرافيا المقدّسة والطوبوغرافيا المدنّسة..هناك في اللاّمكان يوجد حيّز للجنة وحيز للجحيم..حتى اليوتوبيا هي نحو من تجلّي المكان في اللاّمكان..هي جزر تشبه جزرنا ولكنها مجهولة التموضع..
وقد يجري الحديث عن إشكالية القيم من الناحية الفلسفية والتاريخية والاجتماعية..ولكن قلّما جرى الاهتمام بجغرافيا القيم..لا نقصد هنا إظهار أهمية الأحياز المكانية والمناخ في طبيعة القيم فحسب، بل أعني هنا مسألة غاية في الأهمية، تتعلّق بسؤال مصير القيم وإمكانية الضبط القيمي في ضوء الانفجار السّكاني..الديمغرافيا تؤثّر بلا شكّ في القيم الجماعية..كلّما ازداد عدد السكان وتدفقت الجماعات على أحياز معينة كلما تغيرت القيم..أخلاق التجمعات الكبرى ليست هي أخلاق التجمعات الصغرى..وعلى المستوى الكوني كيف يمكن السيطرة على النظام القيمي في ظلّ التحول الديمغرافي الكبير ؟ إنّ عدد السكان يطرح إشكالية الأمن الغذائي والتعليمي والقيمي والتنموي..أي أن وتيرة السكان إذا تسارعت في غياب شروط اقتصادية واجتماعية معينة أنتجت الهشاشة..إنّنا نحدد مصير أخلاقنا بالطريقة التي نشغل بها المكان..بل ونحدد جغرافيتنا من خلال تدبيرنا للقيم..أو بتعبير ستيفن بوردزال، أننا من خلال تفاعلنا اليومي نختط الجغرافيا الأخلاقية لحياتنا..
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat