صفحة الكاتب : ادريس هاني

ما تستبعده الحداثة من تاريخها
ادريس هاني

 الحداثة حضور مكثّف..انفصال كلّي عن الماضي..انفصال جذري عن الميتافيزقا التقليدية..هي ليست مرحلة في تاريخ مديد..هي قطيعة كبرى..هكذا تمّ تسويقها منذ كانط وهيغل على الأقل..أصنام جديدة..طقوس جديدة..مصير مختلف..وفي كلّ هذا الخداع كانت النتشية لحظة حاسمة وجريئة..لأنّها وضعت اليد على جرح الثنائيات القاتلة للحداثة..وعلى جملة الأوهام التي عرّفت الحداثة بها نفسها..ركّزت جينيالوجيا نيتشه على الجانب الوهمي من هذه الحداثة..عن محاولتها ملأ الفراغ الذي أحدثه فعل استبعادها لكل ما له صلة بتاريخها..إنّ عقدة الحداثة تكمن في أنّها ترفض أن تعترف بوجود الماضي في حاضرها المكثّف..إنّها بهذا المعنى ليست سوى أيديولوجيا لصناعة الأوهام..ما بعد الحداثة هي إذن استمرار لهذا النقد الجذري الذي دشّن عصره نيتشه ليتلقّفه تيار عارم فيما بعد..هو انقلاب على الكانطية نفسها التي خيّمت على العقل الحداثي..فهذا الأخير قد يتراءى أبله في نظر نيتشه الرافض لكل هذا التقسيم المخادع للعقل أو العبادة المطلقة للعقلاني..قد يبدو أنّ الرياضة التي مثّلها نقد العقل الخالص لا معنى لها عند نيتشه..ولا حتى التمجيد الهيغلي لهذا الحضور الكثيف للحداثة..هذه الأخيرة أوهام وسجون..لم تستطع الحداثة وريثة التنوير أن تقدم ما هو نهائي عن معنى الحداثة..ولا الجواب عن السؤال الكانطي: ما معنى التنوير؟ كان حاسما..لقد استمرت صور الماضي في حاضر الحداثة تمارس تأثيرها العميق ولا تزال..العنصرية واللاّأنسنة اكتسبت لها تأسيسا جديدا وتمفهمت حتى ولّدت أقسى أنواع التوحّش الحديث..في ألمانيا كانت آفة الفلسفة هي التجغرف القاتل..هيغل أم نيتشه لا فرق..لا بدّ أن تعود الفلسفة إلى أصلها الجرمماني..وقدر البشر أن يقودهم العقل الجرماني..ولهذا حصل الشرخ الكبير..وكان لا بد من ميلاد النازية..فهي الحصيلة النهائية لهذا الإرث اللاّشعوري لأمّة استهانت بالأجناس..كلّ الرواد الذي عاشوا في ألمانيا عانوا الكثير..فرويد نفسه ما كان ليظهر لولا انضمام المجموعة السويسرية للمحللين النفسانيين..لماذا تعلق فرويد بتلميذه يونغ الذي اعتبره وريثه بل عيسى التحليل النفسي بينما أعطى لنفسه موقع موسى؟ لقد اعتبر فرويد انّ التحليل النفسي لكي ينجح فلا يمكن ان يستغني عن الآريين..وإلاّ سيتعرض لمعاداة السامية..الحكاية قديمة، وهذا لم يعد أمرا يتعلق بالحيز الجغرافي بل بالجغرافيا الفلسفية نفسها التي تقوم على فعل الاستبعاد..وكما أمكن لرودشايلد وأبناءه أن يحتلوا الكنائس والبنوك والعلوم لتهويد الحياة الفكرية والعامة فقد فعلوا ذلك في الفلسفة أيضا..وكان حتى انبثقت البروتستانتية من داخل الإرث الكنسي..ماكس ويبر ومن خلال هذا الإرث البروتستانتي الذي تمثّله أعاد أصول الرأسمالية التي هي الإفراز التاريخي للحداثة إلى الأخلاق البروتستانتية وبالتالي وجد ممرّا للحديث عن الأصول اليهودية ـ المسيحية للحداثة..وسيستمر الإستبعاد هذه المرة ليس فقط برسم الآرية الجرمانية بل برسم الأنغلوساكسونية البديلة، التي استدمجت اليهودية في صلب الثورة الحديثة ..سينتقم أولاد إسحاق الجدد، الساكسونيون (isac-soons) أولاد إسحاق بتعبير صاحب مجلة "الحقيقة المجردة" هربرت أرمسترونج..هل يا ترى سنتحدث عن صراع جرماني/يهودي حول القول الفلسفي للحداثة؟ هل هو صراع جرماني ـ يهودي تستمر مفاعيله في حقل الفلسفة؟ ما الفرق بين فكرة المجال الحيوي النازية وبين الأمبريالية الأنغلوسكيونية؟ لماذا استبعدت الفلسفة الغربية الفلسفات الشرقية وكرّست شكلا من ميتافيزقا الغلبة؟ لماذا كان لا بدّ أنّ يعاد تشكيل العالم تشكيلا وفق العقلانية الغربية التي اكتشف نقادها المتأخّرين أنّها ليست سوى خداع لا تاريخي؟ ما هو شكل العقلانية الذي ستكتشفه البشرية حينما ينهار صرح الميتافيزقا الغربية الحديثة؟ كم سيكتشف البشر من الحسرة والانحسار حين يدرك يوما أنّه كان يتعبّد بأسمج الأساطير حول العقل..تلك الأساطير المؤسسة للحداثة التي تعانق يوما بعد يوم انحطاطها التاريخي الحتمي؟ إن الحداثة حدث..حدث تاريخي اعتملت فيه عوامل كثيرة سرّعت من أحداثه..كثّفت من حضوره..لكنّ كل هذا لا علاقة له بالحركة الجوهرية التي بها قوام تطوّر الإنسان...


 

  

ادريس هاني
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2015/11/28



كتابة تعليق لموضوع : ما تستبعده الحداثة من تاريخها
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق محمد جعفر الكيشوان الموسوي ، على يوم الله العالمي.. إلهي العفو - للكاتب محمد جعفر الكيشوان الموسوي : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته العلوية المهذبة إبنتنا الراقية مريم محمد جعفر أشكر مرورك الكريم وتعليقك الواعي نسأل الله أن يغيّر الله حالنا إلى أحسن حال ويجنبنا وإيّاكم مضلات الفتن. وأن يرينا جميعاً بمحمدٍ وآل محمد السرور والفرج. إسلمي لنا سيدتي المتألقة بمجاورتك للحسين عليه السلام. الشكر الجزيل لأدارة الموقع الكريم دمتم بخيرٍ وعافيةٍ جميعا

 
علّق مريم محمد جعفر الكيشوان ، على يوم الله العالمي.. إلهي العفو - للكاتب محمد جعفر الكيشوان الموسوي : السلام عليكم ابي العزيز والكاتب القدير. حفظك الله من كل سوء، وسدد خطاك. كل ما كتبته هو واقع حالنا اليوم. نسال الله المغفرة وحسن العاقبة❤❤

 
علّق دسعد الحداد ، على علي الصفار الكربلائي يؤرخ لفتوى المرجعية بقصيدة ( فتوى العطاء ) - للكاتب علي الصفار الكربلائي : بوركت ... ووفقك الله اخي العزيز استاذ علي الصفار

 
علّق الحزم ، على الفتنة التي أشعل فتيل آل سعود لا تخمد! - للكاتب سيد صباح بهباني : يا مسلم يا مؤمن هيا نلعن قرناء الشيطان آل سعود. اللهم يا رافع السماء بلا عمد، مثبت الارض بلا وتد، يا من خلقت السموات والأرض في ستة ايام ثم استويت على العرش، يا من لا يعجزه شئ في الارض ولا في السماء، يا من اذا أراد شيئا قال له كن فيكون، اللهم دمر ال سعود، فهم قوم سوء اشرار فجار، اللهم اهلكهم بالطاغية، اللهم وأرسل عليهم ريح صرصر عاتية ولا تجعل لهم من باقية، اللهم اغرقهم كما اغرقت فرعون، واخسف بهم كما خسفت بقارون، اللهم اسلك بهم في قعر وادي سقر، ولا تبق منهم ولا تذر، اللهم لقد عاثوا فسادا في ارضك فحق عقابك. اللهم العن آل سعود، اللهم العن الصعلوك سلمان بن عبد العزيز، اللهم العن السفيه محمد ابن سلمان، اللهم العن كل ابناء سلمان. اللهم العن آل سعود والعن كل من والى آل سعود.

 
علّق حفيظ ، على أثر الذكاء التنافسي وإدارة المعرفة في تحقيق الميزة التنافسية المستدامة مدخل تكاملي شركة زين للاتصالات – العراق انموذجا ( 1 ) - للكاتب د . رزاق مخور الغراوي : كيف احصل نسخة من هذا البحث لاغراض بحثية و شكرا

 
علّق سحر الشامي ، على حوار المسرح مع الكاتبة العراقية سحر الشامي - للكاتب عدي المختار : الف شكر استاذ عدي على هذا النشر، سلمت ودمت

 
علّق د.ضرغام خالد ابو كلل ، على هذه هي المعرفة - للكاتب د . أحمد العلياوي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحية لكم اخوتي الكرام ... القصة جميلة وفيها مضامين جميلة...حفظ الله السيد علي الاسبزواري ...ووفق الله تعالى اهل الخير

 
علّق خالد ، على من أخلاق الرسول الكريم (ص).. وقصة سفانة بنت حاتم الطائي - للكاتب انعام عبد الهادي البابي : قال عنه الالباني حديث موضوع

 
علّق مؤسسة الشموس الإعلامية ، على اثار الإجراءات الاحترازية على السياحة الدينية في سوريا - للكاتب قاسم خشان الركابي : أسرة الموقع الكرام نهديكم أطيب تحياتنا نتشرف ان نقدم الشكر والتقدير لأسرة التحرير لاختيار الشخصيات الوطنية والمهنية وان يتم تبديل الصور للشخصية لكل الكتابونحن نتطلع إلى تعاون مستقبلي مثمر وان إطار هذا التعاون يتطلب قبول مقترنا على وضع الكتاب ب ثلاث درجات الاولى من هم الرواد والمتميزين دوليا وإقليمية ثانية أ والثانية ب

 
علّق احمد لطيف الزيادي ، على وباء كورونا والانتظار   - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : جزاك الله خير الجزاء شيخنا الكريم،لقد كان هذا الوباءتمحيص آخر كشف لنا فئة جديدة من أتباع الاهواء الذين خالفو نأئب أمامهم الحجة في الالتزام بالتوجيهات الطبية لاهل الاختصاص وأخذا الامر بجدية وان لايكونو عوامل لنشر المرض كونه من الاسباب الطبيعية.

 
علّق سيد صادق الغالبي ، على وباء كورونا والانتظار   - للكاتب الشيخ عطشان الماجدي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الجليل جزاكم الله خيرا على هذه المقالة التي نشرها موقع كتابات في الميزان ما فهمناه منكم أن هذا الوباء هو مقدمة لظهور الأمام صاحب الزمان عجل الله فرجه هل فهمنا لكلامكم في محله أم يوجد رأي لكم بذلك وهل نحن نقترب من زمن الظهور المقدس. أردنا نشر الأجابة للفائدة. أجاب سماحة الشيخ عطشان الماجدي( حفظه الله ) وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الجواب ان شاء ألله تعالى : .نحن لا نقول مقدمة للظهور بل :- 1. التأكيد على المؤمن المنتظِر ان يتعلم من التجارب وان يحيط علما بما يدور من حوله كي يكون على أهبة الإستعداد القصوى متى ما حصل طاريء أو طلب منه تأدية لواجب... 2. ومنها هذا الوباء الخطير إذ يمكن للسفياني ومن وراه ان يستعمله هو او غيره ضد قواعد الامام المهدي عجل ألله تعالى فرجه الشريف . 3. يقطعون شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها . نتعلم كيفية التعامل مع الأحداث المشابهة من خلال فتوى المرجع الأعلى الإمام السيستاني مد ظله . 4. حينما حصل الوباء ومنع السفر قدحت بذهننا ان ال(313) يمكن أن يجتمعوا هكذا...

 
علّق الفريق المدني لرعاية الصحفيين ، على اثار الإجراءات الاحترازية على السياحة الدينية في سوريا - للكاتب قاسم خشان الركابي : تسجيل الجامع الأموي والمرقد الشريف على لائحة التراث الكاتب سجل موقفا عربي كبير لغرض تشكيل لجنة كبيره لغرض الاستعداد لاتخاذ الإجراءات التي توثق على لائحة التراث وسجل موقفا كبيرا اخر حيث دعى الى تشكيل فريق متابعة للعاملين في سمات الدخول في ظل الظروف

 
علّق سعيد العذاري ، على رسول الله يعفو عن الجاسوس (!) - للكاتب محمد تقي الذاكري : احسنت التفصيل والتحليل ان العفو عنه جاء بعد ان ثبت ان اخباره لم تصل ولم تترتب عليها اثار سلبية

 
علّق عمادالسراي ، على معمل تصنيع اسطوانات الغاز في الكوت يقوم بإجراءات وقائية ضد فيروس كورونا - للكاتب احمد كامل عوده : احسنتم

 
علّق محمود حبيب ، على حوار ساخن عن الإلحاد - للكاتب السيد هادي المدرسي : تنزيل الكتاب .

الكتّاب :

صفحة الكاتب : الشيخ جهاد الاسدي
صفحة الكاتب :
  الشيخ جهاد الاسدي


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

كتابات متنوعة :



 رئيس البرلمان العراقي مطالب بحماية الصحفيين من سطوة النواب  : مرصد الحريات الصحفية في العراق

 ايران تعلق على حرق قنصليتها بالبصرة وتذّكر الحكومة بمسؤوليتها بحماية الأماكن الدبلوماسية

 معركة يوم الله! الجزء الأول  : مصطفى الهادي

 تصديق اعترافات متهمين سرقوا أعمدة كهرباء وأنابيب مياه  : مجلس القضاء الاعلى

 افاق الثورة والتغيير في تأريخ العراق المعاصر  : د . صلاح مهدي الفضلي

 عسكرة المجتمع سلاح الأمويين في معركة كربلاء..  : رحمن علي الفياض

 نِظامُ الْقَبيلَةِ..الهُروبُ الى الأَمامِ  : نزار حيدر

 المرجع المُدرّسي: الإسلام ورموزه يتعرضان لهجمات شرسة وهذا يستدعي أن يدافع المسلمون عن دينهم  : مكتب السيد محمد تقي المدرسي

 سلاسل وقيود الامام الكاظم دلائل وشواهد فخر للفكر المعارض للسلطة الظالمة  : ثائر الربيعي

 قراءة في كتاب الخليل رائد علم الصوت  : محمود كريم الموسوي

 محافظ واسط : صدور موافقة مبدئية لإلغاء التسعيرة الحالية للطاقة الكهربائية واعادتها الى التسعيرة السابقة  : علي فضيله الشمري

 جموع الزائرين تتجه من كربلاء إلى النجف في ذكرى وفاة الرسول

 بغداد مركز المعرفة والأدب ...!  : سيد صباح بهباني

 أمطار رعدية ابتداءً من يوم غد في اربع محافظات

  نواة الفكر الحسيني  : حيدر عاشور

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على [email protected]

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net