أكسيولوجيا التعامل مع الآخر
الشيخ ليث عبد الحسين العتابي
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
الاكسيولوجيا يراد بها: العلم الذي يبحث في ما هو(قيم) و(ثمين) و(جديد)، وتكون الفلسفة المتصلة به هي (فلسفة القيم) أو(نظرية القيم).
فالقيمة هي: كل ما له شأو في التصور وفي الفعل لدى أفراد وجماعات(1).
لقد شبه(شارل لالو) دور القيمة في الفكر الحديث بفكرة(الطاقة) أو فكرة(القوة) في العلم الحديث(2).
وفي القرآن الكريم ورد ذكر القيمة.
قال تعالى:فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ(3). أي: مستقيمة، تبين الحق من الباطل، وتجمع الخير بين دفاتها.
وقال تعالى:فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ(4). والدين القيم: هو الموصل إلى كل خير بلا انحراف أو زيغ.
وقال تعالى:إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ(5). وذلك من خلال كلياته وقوانينه وتشريعاته.
إن القيم هي ضوابط للسلوك الإنساني، تميزه عن غيره من المخلوقات، ترتبط بخصائص الاجتماع الإنساني والعيش المشترك والكرامة الإنسانية. فهي ليست نسبية ولا معيارية ولا مزاجية .
وهذا ما أكدت عليه الكتب السماوية، ومن ضمنها القرآن الكريم الذي أكد على القيم والأخلاق كميزة أساسية للإنسان، وبالخصوص الإنسان الصالح المتمتع بالقيم الأخلاقية الحقيقية.
وفي مجال التعامل مع الآخر نقول: إن للآخر تجليات وأقسام لا بدّ من الوقوف عندها لمعرفتها, وبالتالي لمعرفة كيفية التعامل مع ذلك الآخر بحسب تجلياته. ومن هذه الأقسام والتجليات:
1ـ الآخر الإنساني:
الآخر الإنساني: هو الآخر المشابه في الخلقة, وفي الطبيعة الإنسانية بغض النظر عن اللون, واللغة, واللهجة, فلقد أحتل الآخر في الفكر الإنساني مساحة كبيرة, فهو (النظير في الخَلق), والأخ في الخَلق, والأخ في الإنسانية. فهذا الآخر شريك معنا بالأصل, وبالإنتاج, وبالتراث الإنساني, ذلك التراث الذي خلفه بني الإنسان جميعاً, وبالدقة؛ هو التراث الذي خلفه الإنسان بما هو إنسان بغض النظر عن اللون, والإنتماء, والمكان, الزمان.
والمراد بالتراث الإنساني هو:((ما تراكم خلال الأزمنة من تقاليد, وعادات, وتجارب, وخبرات, وفنون, وعلوم, من شعب من الشعوب...))(6).
إذن فالتراث الإنساني هو ما يملكه جميع البشر بلا حدود, أو قيود, أو معوقات, أو طبقيات, و من دون أي حواجز مصطنعة.
إن أمامنا طريقين لا ثالث لهما في كيفية التعامل مع الآخر هما:
الأول: حكم الدين: إن الدين الإسلامي قد بين لنا كيفية التعامل مع الآخر.
وقد ورد ذلك في القرآن الكريم بشكلٍ مجمل, كما وورد في أحاديث النبي بشكل أكثر تفصيلاً .
الثاني: حكم العقل: وهو مساوق لحكم الطبيعة الإنسانية, ولقد أقتضى حكم العقل, والطبيعة الإنسانية أن نتعامل مع الآخرين تعامل تكامل, وتعاون, وتعامل شراكة. فنحن أما شركاء في بلد واحد, أو في لغة واحدة, أو في مذهب واحد, أو في كوكب واحد, وإلا فإننا شركاء في طبيعة واحدة هي (الطبيعة الإنسانية).
2ـ الآخر الديني:
لقد أحتل الآخر في الفكر الديني مساحة كبيرة, فهو (الأخ في الدين), والخطاب الديني بالأصل خطاب لين, ومتسامح, وجميل, وذو عبارات جذابة تحاكي المشاعر, و تدغدغ الأحاسيس.
قال تعالى:ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(7).
((إن الإنسان هو المسؤول عن كل الفظاعات التي لم يكن الدين فيها إلا ضحية عنف الإنسان و عصبيته, ودائماً كان الإنسان يتدخل في إعادة صياغة النص الديني بالتحريف أو إعادة صياغة المعنى والتأويل الخاص للنص إذا ما أستعصى النص على التحريف, وفي الحالتين كليهما كان الإنسان هو الذي يرسم لنفسه مدارات العنف وهو من يؤسس لعصبيته و يسندها بمبررات فلسفية و خيالات إيديولوجية, وتاريخية, وشعرية...))(8).
3ـ الآخر المعرفي :
أما في المجال المعرفي فقد أسس الإسلام مبدأ؛ أن المعرفة ما هي إلا حصيلة الشراكة والتعاون المتبادل بين (الذات), و(الآخر).
و المدرسة الإسلامية القرآنية الحقيقية قد تميزت بأسلوب تعاملها مع الآخر, وبالخصوص (الآخر المعرفي) بغض النظر عن انتماءه, ودينه, ومذهبه, ولغته.
إن قضية دراسة (الآخر المعرفي) مهمة جداً و ذلك من جانبين:
الجانب الأول: ألا وهو ما يختص بدراسة المنهج الخاص بـ(الآخر), وكل ما يتعلق به. فلكل شخص منهجه الخاص به, ولكل علم منهجه الخاص أيضاً, ونحن وعند تعاملنا مع قضيةٍ ما علينا أن لا نخلط بين التعامل المنهجي, والتعامل الشخصي, وأن لا نجعل الدافع الشخصي يطغى على الجانب المنهجي في التعامل مع المعلومات, أو الشخصيات, وما شاكل ذلك.
الجانب الثاني: ما يختص بمعرفة ماهية (الآخر) وكيفية التعامل معه, خصوصاً في المجال المعرفي, إذ لا بدّ أن يكون التعامل المعرفي مختلف عن باقي أنواع التعاملات, فقوام التعامل المعرفي هو الحيادية التامة, والنفس العلمي الموضوعي, والبحث عن الحقيقة, من دون أي دوغمائية, أو تعامل أيديولوجي مسبق.
لان الدين الإسلامي يدعوا إلى طلب العلم في أي مكان, وعند أي شخص كان, بغض النظر عن الدين والمذهب والانتماء واللغة.
******
هوامش البحث:
(1) العوا، عادل، العمدة في فلسفة القيم، دار طلاس، دمشق، ط1، 1986م، ص42.
(2) لالو، شارل، الفن والأخلاق، ترجمة: عادل العوا، دمشق، ط1، 1970م، ص120.
(3) سورة البينة، الآية(3).
(4) سورة الروم، الآية(43).
(5) سورة الإسراء، الآية(9).
(6) عبد النور، جبور، المعجم الأدبي, ص 63 ـ 64.
(7) سورة النحل، الآية(125).
(8) هاني، إدريس، ما وراء المفاهيم, ص 161.
قناتنا على التلغرام :
https://t.me/kitabat
الشيخ ليث عبد الحسين العتابي
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat