• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : قراءة في كتاب .
                    • الموضوع : مخيم المواركة ... الأصول السردية والشكل الروائي .
                          • الكاتب : ا . د . ضياء الثامري .

مخيم المواركة ... الأصول السردية والشكل الروائي

 

        يقدم الإهداء الذي يأتي في أخر رواية جابر خليفة جابر (مخيم المواركة )* مفتاحاً لقراءة هذه الرواية يقول الكاتب في إهدائه :
أهديها لسرفانتس ؟ لا طبعاً لا ، امحوه
امين معلوف ؟ أشطبه أيضاً
 وأكتب إيرفنج .. لِ واشنطن ايرفنج
وحده وقصصه
أهدي روايتي ..
      ان شكل الاهداء يدل على سبب تأخيره فهو حوار ظل يعتمل وينمو في ذهن الكاتب ، عاش معه وهو يكتب ، إن شكل  الحوار الداخلي الذي يكون فيه هذا الإهداء يمثل حيرة المؤلف ويأتي ليفسر وقوعه في دائرة الكتاب الثلاثة المشار اليهم، وحتى عملية الشطب التي مارسها على الاسمين الأولين لا تمحو وقوعه في دائرتيهما .
       لقد وقع في سحر سرفانتس بمسمياته وتقسيماته ، أن صورة صراع الموريسكيين مع القشتاليين يعيد إلى أذهاننا صراع الفارس دون كيخوتة مع حامل السلاح (سنشو بنثا ) حيث ان قصة دون كيخوتة هي قصة الوجود نفسه بقطبية المتنافرين المتصارعين والمتنازعين ، إن دون كيخوتة (سرفانتس ) يساوي (كريم ) صانع المايوركات عند جابر خليفة جابر . ناهيك عن أن سرفانتس في حياته الواقعية يقع في التواريخ نفسها التي يشتغل عليها المتن السردي في مخيم المواركة ، وليس من المصادفة إن يكون سرفانتس من مدينة (بلد الوليد) .
    لقد عاش سرفانتس في المناطق والأمكنة ذاتها التي عاشها إبطال مخيم المواركة ( بلد الوليد – اشبيليه – ايطاليا ) تم تعميده في الكنائس ذاتها ، تعرض للعقوبات نفسها التي تعرض لها أبطال الرواية .
     تقول الوثائق التاريخية ان سرفانتس عين في سنة 1588 م  مفوضا في حملات التفتيش ، وهذا يعني انه كان حاضراً في فضاء المسرود الذي تشتغل فيه رواية مخيم المواركة ، ولكن سرفانتس عاد بعدها وهاجم جبروت التفتيش وطغيانه واستبداده ومظالمه التي لم تشهد لها الإنسانية مثيلاً رغم تأريخها الحافل بالمظالم .
    لقد عايش سرفانتس قرارات القس ( لويث كب ) القائم الأكبر على التفتيش في اسبانيـــــــــــــــــــــــــا وصاحب قرار إرغام المسلمين على التنصر ، حيث نفذ هذا القرار الإجرامي أبشع تنفيذ ، مع انه ا كان مرتشياً وفاسداً وقاتلاً ، وهنا نقول أليست  هذه الصورة هي نفسها التي تعرضها رواية مخيم المواركة ؟.
   لقد قصد سرفانتس من دون كيخوتة كشف مخازي العصر الاجتماعية والسياسية والادراية وما يضج به من رذائل ونفاق ومبادئ زائفة في الآداب والأخلاق، وهذا ما نجده في مخيم المواركة في قصتها وتواريخها وأسمائها .
                                       
ومثلما أراد الروائي شطب سرفانتس أراد أيضاً شطب (أمين المعلوف)  صاحب رواية( ليون الإفريقي) واذا كان شطب سرفانتس وتغييبه دلنا على حضور دون كيخوتة  بقوة في فضاء السرد الذي تكون فيه مخيم المواركة فهل ينطبق هذا الأمر على أمين المعلوف الذي أنتج فضاء روائياً تحيل اليه  رواية جابر خليفة جابر بقوه عبر فضائها المشابه؟
    ينفي أمين المعلوف صلته بــليون الإفريقي الشخصية الروائية عندما يستعير جملة للشاعر الايرلندي وليم بتلرييتس  ( لا تشك في أن ليون الافريقي ، ليون الرحالة ، كان أيضاً أنا) فإذا كان سرفانتس منفذاً لقرارات محاكم التفتيش الجائرة في مرحلة من حياته، فأن ليون الإفريقي كان ضحية من ضحايا تلك القرارات ، فهو يقول: (إنا حسن بن محمد الوزان ، وانأ جان ليون- دو مديتشي ختنتي حلاق وعمدني قس ، يسمونني الإفريقي ولكني لست إفريقيا ولا من أوربا ولا من الجزيرة العربية ، ويدعونني بالغرناطي والفارسي والزناتي ولكني لم أتِ في بلدٍ أو مدينة أو قبيلة ، أنا ابن الطريق وطني قافلة وحياتي أكثر الرحلات مفاجأة ).
    هذا المجتزأ من العتبة النصية الأولى في رواية ليون الإفريقي يحيلنا إلى شخصيات مخيم الموراكة ، أنها شخصيات ليس لها اسم محدد ، وفي الغالب يكون للشخصية اسم إفريقي واسم اسباني مثل ليون الإفريقي وهكذا هو زمن الحكاية في الروايتين ليون ،الأفريقي تدور إحداثها في الربع الأخير من القرن الخامس عشر وتنتهي في الربع الأول من القرن السادس عشر(  1488-1526 )، ومخيم المواركة كذلك  تريد اختلاق أندلس مصغرة في التاريخ نفسه ، أندلس الموريسكيين في القرن السادس عشر وما تلاه ، وكذلك مثلما كانت رواية ليون الإفريقي مقسمة على سنوات تلك الحقبة من تاريخ الأندلس كانت الخيام في مخيم المواركة  حيث تختص كل خيمة من تلك الخيام بسرد جزء من الحكاية الواقعة في الحقبة الزمنية ذاتها، بعد كل هذا  لمَ أراد جابر خليفة شطب سرفانتس وأمين المعلوف والإبقاء على إيرفنج ؟ أم إن الرواية هي هكذا كتابة عن لا شيء ، إنها لا تتصل إلا بنفسها ؟
     يقول هنري جيمس أن على الروائي أن يحلل معطيات الحياة الاجتماعية ويفسرها ليتسنى له تحديد معالمها الأساسية بغية عسها في الكتابة، فالكاتب الجيد هو من لايتصور الواقع مجرد كتلة من الحقائق الخام الطارئة ، وهكذا فأن فكرة الشكل الروائي ترتبط في نظر الفنان بالواقع الاجتماعي بنفس قوة ارتباطها بالعمل الروائي نفسه .
  فلو أمعنا النظر في مقدمتي رواية (الملهاة البشرية ) لبلزاك و(صورة الفنان في شبابه ) لجيمس جويس ، وقارناهما بكتاب هنري جيمس ( فن الرواية ) لاكتشفنا تأكيدهم جميعاً على ضرورة ميلاد الرواية من رحم الملاحظة والتجربة الواعية لواقع محدد لمعالم ،فالرواية الجيدة هي التي لا تتطابق مع حياة كاتبها الشخصية ، أو أنها لا تنتج الواقع مثلما كان عليه بالضبط ،
أن الرواية الواعية ،الرواية الجيدة هي التي تنشغل بتأسيس صلة منطقية بين وعي الحياة وتركيب أو إنشاء الإشكال الفنية وتمتاز الأعمال الأصيلة بتوفرها على خاصية الكشف عن الجوانب المغيبة والهامشية التي لم تنل حضاً من العناية أ أو التي تم تغييبها عمداً ، وهذه الخاصية
تصدق تماماً على مخيم المواركة مثلما هي على دون كيخوتة وعلى ليون الإفريقي ، علينا أن نفهم هذه الرواية ونقرأها ضمن هذه الرؤية لا غير ،لأن هذه الرؤية هي وحدها القادرة على اعادة توزانناً بعدما أخذ الشكل السردي لهذه الرواية منا الكثير من ذلك التوازن ، الرواية تربكننا وتشوشنا نتيه في عنواناتها ومسمياتها وتواريخها ويصدمنا شكلها ، ويمكننا  أن نستعيد توازننا بمجرد أن نمتلك تلك الرؤية .
     والسؤال  هنا هو كيف نقرأ هذه الرواية ؟ هل نبقى نستمع لعمار أشبيليو وهو يسرد علينا رسائله ؟هل يكفي ذلك وأين هي الحكاية التي نبحث عنها ؟، هل هي حكاية عمار اشبيليو ، أم هي حكاية كريم صانع المايوركات، أو قمرين ووالدها وأخوتها وأولادها ؟ هل هي حكاية محاكم التفتيش؟ الحقيقة  إنها كل هذه الحكايات ، أن جابر خليفة جابر هنا صانع حكايات بالدرجة الأولى وحكايته هذه المرة هي حكاية مخيم المواركة ،حكاية التاريخ المغيب أو المشطوب – ولكن الروائي هنا يعيد تشكيله ببعد حداثي .يقول  الراوي في صفحة 56 من الرواية:( كانت رسائل عمار أشبيليو ترد إلى بريدي ولا أرد عليها ألا بإيجاز وليس عندي ما أقوله سوى حثة على اكمال حكايات المخيم  ،مخيم المواركة المقام جنوب الأندلس بين غرناطة واشبيلية ،تصفحت الانترنيت والمواقع التي اردتادها بحثاً عن المخيم ، أو إي إعلان عنه أو معلومة   فلم أجد إي ذكر ربما اخفوا  اخباره لكي لا يعكر صفوهم ... الغياب والتواري عن أنظار التاريخ حال لازم المواركة وماحل بهم وتاريخهم مسكوت عنه ، يبدو لي إن هذا هو المبرر لإخفاء المخيم وتغييب فعالياته ... فكرة المخيم هي أختلاق أندلس مصغرة ، أندلس الموريسكيين في القرن السادس عشر وما تلاه ، إعادة تمثيلها على خشبة مسرح يمثلها هذا المخيم )
تستخدم هذه الرواية أطارا لتوحيد عدد من الحكايات ألقصيرة كما تظل بعض المسرودات غير مصنفة لذلك نجد صعوبة في إيجاد المعايير المستخدمة في تمييز قسم كبير من المسرودات لأنها تظل تتغير، فحكاية قمرين ، وحكاية كريم تستمر بالتغيير حتى نهاية الرواية.
     أن المسرودات القصيرة تعمل على تشويش عملية القراءة ، أنها تعمل ضمن ما اسماه فراي (المحاكاتية الواطئة)، فهي تعمل على إعادة  نمط من السرود الكتابية يحاكي نماذج سابقة عليه وهذا ليس عيباً في مثل هذا الشكل السردي ، انه ميزه ينظم من خلالها إلى نماذجه الأولى ، ولهذا كان جابر خليفة على وعي بطبيعة عمله السردي من خلال الإهداء المتأخر الذي سبق وأن تحدثنا عنه ، أنه يعمل في منطقة الرواية تماماً ، الرواية التي لا يمكن تعريفها بسبب انفتاحها الدائم وقابليتها الشديدة للتغيير وحسب تعبير مارت روبير فأن الرواية الحديثة جنس أدبي لا قواعد له ولا وازع فهو مفتوح على كل الممكنات .
في صفحة رقم ((7)) يأتي  الإعتراف الآتي :
(لأن عمار اشبيليو هو من أرسل هذه الرواية كاملة إلى بريدي الالكتروني jabiri [email protected]  ولأنه كما اعترف بنفسه – نقلها عن ، راوٍ  آخر من إسلافه عاش قبل أكثر من أربعة قرون  ،واسمه عمار – أشبيليو أيضاً، ولأن عمار اشبيليو الأول ذاك هو الآخر ليس المؤلف الحقيقي للرواية كما ذكر حفيده عمار اشبيليو الأخير عنه، ولأن عمار أشبيليو الأول لم يذكر لنا بالتحديد من هو مؤلف الرواية المسمى بـ ( حامد الأندلسي ) هل هو شقيقه حامد بن قمرين ،أم حامد بن كناري أخته ؟
        وغير هذا لا أحد يعلم كيف اجتازت الرواية مئات السنين لتصل إلى عمار أشبيليو ألأخير ؟
لهذه الأسباب مجتمعة ولكي لا يضيع القارئ في متاهة البحث عن المؤلف قررت ان ادعي تأليف الرواية وأضع اسمي على غلافها 00
                                                                                 جابر خليفة جابر
      
      يفيدنا هذا الاعتراف في تحديد نوع الرواية ، فهي رواية تذوب التاريخ في مجموعة حكايات (رسائل) تصل إلى بريد المؤلف ، فهو ليس كاتبها ،وهذا هو الشرط الأساسي في نوع من أنواع الرواية تسمى (الرواية الرسائلية)  تكون من وضع الشخصيات وان دور الكاتب فيها هو نقل الرسائل وتقديمها للقراءة بعد إن يقوم بتنظيمها سردياً لتأخذ شكل الرواية  وهذا النوع من الرواية يثير إشكالية علاقة الكاتب بروايتة لأنه يتخلى عن السرد ويعلن انفصاله عن الوضع السردي ، إنه يتحرر من الحكاية فهو مؤلف لاغير ،وبهذا الفهم تكون رواية مخيم المواركة رواية إشكالية لأنها تقع بين نوعين من أنواع الرواية ، إنها تقوم على المزج بين النوعين وذلك من خلال تحويل المعلومة التاريخية الى رسالة الكترونية تستدعي رسائل أخرى غيرها في إستدعاء لاينتهي عند حد معين .
        و في هذا النوع من الرواية يكون للمتلقي منزلة خاصة فهو لا يقف موقف المستمع إلى الراوي ولكن يتساوى معه ومع المؤلف في العلم بمجريات الحكاية ، حيث أن الشخصيات التي بأيديها مقاليد السرد أصبحت تروي الإحداث وتعيشها في وقت متزامن ، أن الحدث في هذا النوع من الرواية يكون (أقولاً) إذ انه ليس له وجود إلا من خلال وعي القاري وتأويله لأقوال الشخصيات في رسائلها .

 *فضاءات للنشر والتوزيع والطباعة  عمان / الأردن 2012
   



 


كافة التعليقات (عدد : 3)


• (1) - كتب : ناصر عباس ، في 2012/04/24 .

احسنت استاذي قراءة واقعية وتحليل جيد

• (2) - كتب : علي ، في 2012/04/24 .

كم هو جميل ان نرى اسمين لاساتذتنا في جامعة البصرة الاستاذ ماجد ود ضياء بمقالين واحدا تلو الاخر ..نتمنى من الاخرين المشاركة الفاعلة

• (3) - كتب : ابو محمد ، في 2012/04/24 .

مقال رائع يا ابا انور ونتمنى منك المزيد..



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=16509
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 04 / 24
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 10 / 6