هل يتحكم الإعلام في مسار حياتنا؟

 في زمن السرعة والعالم الرقمي، تغيّرت أولويات الإنسان الحديث مقارنة بالماضي، إذ لم تعد متطلبات الحياة كما كانت سابقًا. جاء هذا التحوّل نتيجة التطور التكنولوجي والإعلامي، الذي أصبح يلعب دورًا أساسيًا في تشكيل قناعات الأفراد، ورسم مسارات حياتهم، بل وحتى إعادة صياغة أفكارهم ومشاكلهم الشخصية والأسرية.
ومع ضعف الثقافة والوعي لدى الكثيرين، بات من السهل اختراق حياة الإنسان عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت هذه الأدوات أكثر تأثيرًا من الأهل والأصدقاء. وإذا تأملنا المشهد بعمق، سنجد خلف هذا الفضاء الرقمي أجندات خفية تُدار من جهات وأشخاص مجهولين بالنسبة لعامة الناس، لكن تأثيرهم مفروض بقوة، من خلال بث أفكار وتوجهات مدفوعة الهدف.
هذه التوجهات لا تقتصر على الترفيه أو الأخبار، بل تمتد إلى محاولة تغيير القيم والمبادئ التي تقوم عليها الأسرة والمجتمع، وهو ما قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تفكك الروابط العائلية وضمور القيم الإنسانية، وبالتالي انحدار المجتمعات. وتجريد الإنسان من قيمه يحوله تدريجيًا من إنسان إلى كائن مفترس قائم على المخادعة والافتراء، وتمويه الحقائق، والتركيز على المظاهر الخارجية، والترويج لما هو مناقض للأخلاق والدين وحتى العرف الاجتماعي. وهكذا يتحول الفرد إلى صورة مفرغة من القيم، مكونة من التفاهات، وبفعل التكرار والكثرة، تتشكل هذه النماذج في اللاوعي عند الأشخاص الذين يفتقرون إلى الثقافة الكافية والوازع الديني، ليصبح الرأي العام – أو من يتحكم فيه – مجموعة من التافهين.
لماذا هذا السعي وراء صناعة أشخاص بلا مبادئ؟
إن استهداف مجتمعاتنا العربية خصوصًا جاء وفق سياسة مدروسة ينتهجها العدو، تقوم على اختراق الأفكار وتغيير الأصول والقيم، لتسهيل السيطرة على الفرد والمجتمع.
وهذا يشبه ما تفعله الفيروسات عندما تدخل جسم الإنسان؛ فهي تتسلل خفية إلى الخلايا، وتبث داخلها مادتها الوراثية، فتغير من بنيتها وتجعلها تعمل تحت سيطرتها. وفي المقابل، يتدخل الجهاز المناعي لمحاربة هذه الخلايا المصابة والقضاء عليها. وبالمثل، فإن الأفكار الدخيلة التي يبثها الإعلام تعمل على تغيير "خلايا المجتمع" الفكرية والثقافية، لتصبح تحت سيطرة قوى خارجية، ما لم يقم الوعي الديني والثقافي بدوره كجهاز مناعي يحمي المجتمع.
وهذا بالضبط ما يفعله العدو من تضليل وتشويه وتخويف، محاولًا إبقاء المجتمع تحت سيطرته. وللأسف، فقد نجح في اختراق الكثير من العائلات، حتى أصبح همّها الوحيد مجاراة "الدمى" التي صنعها هؤلاء الطغاة.
لقد تمكنوا من اختراق المرأة والطفل والزوج والزوجة والأسرة بأكملها، وهو ما نلاحظه في كثرة وتنوع المشاكل في العصر الحالي، حتى صار بعض هذه المشاكل بلا حل، بل مجرد حالة يُفرض على الناس التعايش معها، رغم خطورتها الدينية والأخلاقية. فالتغيير أصبح صعبًا مع مرور الوقت.
أمثلة على الاختراق الإعلامي للأسرة والمجتمع:
الأبناء: أصبح الأبناء يُدينون آباءهم على ما يفعلونه من حرص وخوف عليهم، بفعل الأفكار التي زُرعت في الأذهان تحت مسميات مثل "الطفل الداخلي" و"تحرير الطاقات"، ما أدى إلى تصدع العلاقة بين الأجيال.
النساء: تم استهداف المرأة من خلال نشر فكرة المساواة المطلقة مع الرجل في جميع مجالات الحياة، متجاهلين الفروق الفطرية والبدنية والدينية. وتم تسويق فكرة اضطهاد المرأة في الأسرة والمجتمع لمجرد كونها أنثى، حتى أصبحت تهاجم الرجل وتعتبره عدوها الأول، مما أدى إلى ضعف الروابط الأسرية وتفككها.
المجتمع ككل: جرى التهاون بالتعاليم الدينية والأخلاقية والعادات الاجتماعية، فأصبح أغلب الأفراد يعيشون في حالة من اللاانضباط والعشوائية، تقودهم الأهواء والملذات، وصار همّهم الأكبر إرضاء الذات دون الالتفات إلى الوعي بما يجري من حولهم أو التساؤل عن الأسباب والدوافع.
لقد نجح الإعلام، بتأثيره الخفي والظاهر، في إعادة تشكيل العقل الجمعي وتغيير أنماط التفكير والسلوك داخل الأسرة والمجتمع. ومع ذلك، فإن تمسك الإنسان بدينه وقيمه، وبناء وعي نقدي وثقافة راسخة، يمثل "الجهاز المناعي" القادر على مواجهة هذه التحديات وحماية المجتمع من الانهيار.

الاعلام_السيطرة.jpg