الإمامُ الحُسَين (عليه السّلام) فِي عيونِ الفَنّ تَجلّيات الجَرح والجَمال

       لم تشغل قضيّة كربلاء أهمّية على مدار العالم الإسلامي بل العالم أجمع؛ لاقترانها بثورة الإمام الحُسين (عليه السّلام) الخالدة، التي جعلتها محطّ أمل ودروس وعبر للمظلومين في كلّ زمان ومكان، ذلك اليوم الذي شغل الدّنيا إذ تجّلت فيه قداسة الحقّ، وشرف التّضحية على نحوٍ متميّز وفريد، في تاريخ الآلام والبطولات في تاريخ التّضحية والمجد، في تاريخ المأساة والعظمة.

         ولذلك فإنّ توظيف رمزيّة الإمام الحسين (عليه السّلام) وثورته لا يمكن أنْ ينتهي أو يُحصر في فنّ دون غيره أو عصر دون آخر، بل هو موضوع فاعل في كلّ العصور دائر على ألسنة الشّعراء والكُتّاب والفنانين؛ لأنّه يتحدّث عن رمزٍ وعلم من أعلام الثّورات العملاقة، الذي غيّر مسرى التّاريخ، وقد دفع ذلك المُبدعين إلى استلهام هذه الأحداث وتوظيفها في فنون مختلفة، يمكننا تتبعها عن طريق الآتي:
1-الشّعر: 
    "ومضى لهيفاً لم يجد غير القَنا       ظلّا ولا غير النّجيع شَرابا
      ظمآن ذاب فؤاده من غلّة             لو مسّت الصّخر الأصم لذابا"
        يعمد الشّاعر في هذه الأبيات على تجسيد البعد المركّب من الجَرح والجَمال في شخصيّة الإمام الحسين (عليه السّلام)، عن طريق وصف مشهد العطش الذي وصل حدّ (الغلّة)، وهي المرتبة الرّابعة من مراحل العطش بحسب ما ذكره (الثّعالبي)، وتعني حرّ الجوف لوحًا وامتعاضًا، ولم يروه سوى الدّم، مما يدل على جدّة الإقدام وعمق التّضحية التي قدّمها سيّد الشّهداء (عليه السّلام)، فالصورة في النّص غنيّة بالتعبيرات المجازيّة التي ربطت ساحة المعركة بالحالة الشّديدة من العطش، وهو تصوير عاطفي جمع بين جمال البلاغة وعمق المأساة وحدّة الألم والرّموز الدّامية.
2-النّثر: لم تغفل الفنون النّثرية بمختلف أنواعها عن أهمّية ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام)، ولاسيّما الفنّ السّردي، ففي النّص الآتي يعمد الرّوائي على تجسيد الجَرح والجَمال في شخصيّة الإمام الحسين(عليه السّلام)، كرمز إنساني في البطولة وسمو الرّوح:
"الشّحاذ الذي يمشي في الأسواق، تعطيه رجله المقطوعة حسنات المؤمنين، و وجهه المخربش بسهام الزّمن والعسف يدسّ الجمل الغريبة في الآذان: أيّها النّاس هذه الأسواق مليئة بالقمح ولكنكم لا تأكلون وهي كثيرة الثّياب وأنتم تتعرون، أترون تلك القافلة التي تسير إنّها تحتوي وجوها كثيرة، إنّها قادمة من مستنقع الدّم، من نافورة النّور، من زمن المسيح، من زمن الذّبيح" .
          في رواية (رأس الحسين) يعمد الرّوائي (عبد الله خليفة) الوقوف على مظلوميّة آل البيت (عليهم السّلام) عن طريق الوصف التّاريخي الذي يمتزج بالخيال، فشخصيّة (حمزة) التي أعطاها الرّوائي سمات الشّخصيّة العاديّة المُرهقة من الزّمن، والذي يبدو  مسلوب الحقوق وهو يسعى لبيان ما تعرّض له آل البيت عليهم السّلام من أسى، فالرّوائي يرمز عن طريق شخصيّة الشّحاذ (حمزة) إلى الطّبقات المهمشة القابعة تحت وطأة الظّلم والتزييف للحقائق، إذ تحاول هذه الشّخصية كشف حال  الصّامتين إزاء الانتهاكات التي يتعرضون لها، محاولا إقناعهم بأنّ صمتهم هو السّبب في بؤسهم، وإن الذلة التي هم فيها نتيجة تهاونهم في نصرة الحق، فيبين لهم حال السّبايا بعد عودتهم من كربلاء، وعظم تضحياتهم لإنقاذ الأقوام المذلولة، محاولا استنهاض همتهم عن طريق تذكيرهم بـكربلاء التي وصفها بـ(مستنقع الدّم) و الحسين الذي رمز له بـ(الذّبيح)، فاختيار شخصيّة حمزة لهذا اللّون من التّعبير جاء نتيجة للتأثير على الجبناء الرّاضخين للظلم والاستعباد، وبذلك يكون الهدف من الرّواية هو تقديم وعي متسع الزّاوية، لأنّ الوعي اليومي ضيّق ومحدود بعادته.
3-المسرحيّة:  تعدّ المسرحيّة من الفنون التي أسهمت بصورة فاعلة في رسم مشاهد ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام)، وما يقف وراءها من غايات، كما في مسرحيّة (ثانية يجيء الحسين):  
"الحسين( ينهضُ متحرّكًا إلى عمق المسرح وكأنّه في حالة من التّأمل):
أي رؤى تلك؟
تتعمدُ فيها الصّحوة فتفيق على شرف المسعى
يصرخُ بي صوتي .... كصداه
أنظرُ مظلومي الأمة
وكأن جلدي يتوزّع بين سياط الجلادين
ها أنا ذا أهبط فوق صعودي
فتسيلُ خيولي نحو الكوفة
محمد:- بل تجلس في بيتك
وتجنّب نفسك هذي البلوى
الحسين( ثائرًا):- أختار الصّمت
وضمير الأمة تعمل فيه النّخرة؟!!!
أغمد ُسيفي ؟
وسلاح الخوف المغروس على جنبات الدّرب يتلوّى بين رقاب النّاس"
تتجلّى في هذا النّص من المسرحية ثنائيّة الجرح والجمال  في شخصيّة الإمام الحسين (عليه السّلام) بمدى شعري وإنساني عميق،  إذ يشكّل النّص مشهدًا دراميًّا مكثّفًا، يعبّر عن الصّراع بين الواجب الدّيني والأخلاقي تجاه الواقع المرير، وبين الألم النّابع من الظّلم المسيطر على الأمة الإسلاميّة، الذي نخر مفاصلها أجمع، كما يتمثل الجمال في النص عن طريق الإقدام والإصرار  على المقاومة والتمسك بالمبدئ، هذا التّعبير يعكس التّماثل الوجودي بين الإمام الحسين (عليه السّلام) والمجتمع الإسلامي، فلم تكن معاناته معاناة شخصيّة بل هي إحساس عميق بمعاناة أمة وشعوب كاملة.
4-الفن التّشكيلي: 
      لم يكن الفن التّشكيلي بعيدًا عن تجسيد دور الإمام الحسين (عليه السّلام)، وما  أداه من دور  جهادي مشرّف،  فهذا الفنان  التّشكيلي (أسامة حمدي)، يصوّر في لوحته( الرّأس المقطوع)  معركة كربلاء، وفيها يمنح النّاظر أعمق تصوير مشهدي للنهاية الأليمة في واقعة كربلاء عن طريق الألوان والظّلال القاتمة، إذ يبدو رأس الإمام الحسين (عليه السّلام) متتبعًا بتعمق لحركة (ظلّ أبيض) مضطرب يوحي بعمق الصّلة بين رأس الإمام والظلّ، وفي ذلك رمزية متعددة المعاني، لعلّ الفنان قصد بها ألم الإمام الحسين (عليه السّلام) على عياله وأهل بيته، ولعلّه يعطي الظّل الأبيض رمزًا أكثر بعدًا، فقد يكون إشارة إلى الإمام المهدي (عليه السّلام) الذي سيكمل نهج أجداده الكرام بثورته على كلّ باطل، وبذلك تكون قضيّة الإمام الحسين (عليه السّلام) "قضيّة الأحرار تحت أي لواء إنضووا، وخلف أي عقيدة ساروا".

jpg20212223242526.jpg