ينحني له الصمت هيبة

 كان الشيخ جعفر حيدر عالمًا جليلًا، بهيَّ الطلعة، إذا دخل مجلسًا أفسحت له العيون طريقًا من التوقير. جمع بين بساطة الملامح وعمق البصيرة، واتسم بسعة الحنكة والتجربة، ولين العريكة، ورحابة الصدر. في بلدته كان أبًا قبل أن يكون عالمًا، وراعيًا للقلوب، قبل أن يكون مرشدًا للعقول.

هو الشيخ جعفر بن باقر بن علي بن محمد علي بن حيدر، من أسرة آل حيدر العربية الأصيلة، بقايا بني وثال، زعماء آل أجود، حلفاء المنتفك سابقًا، والثلث الأكبر من قبائلها. سكنت هذه الأسرة سوق الشيوخ منذ تمصيره، وكثير من رجالها قصدوا النجف طلبًا للعلم، فحازوا منها المعارف والمكانة، ونالوا بها الزعامة الروحية في مقرهم، حتى لم تخلُ النجف من طالب علم منهم منذ نشأتهم إلى اليوم.

وُلد الشيخ جعفر في النجف سنة 1302هـ، ونشأ في كنف والده، ثم هاجر معه إلى سامراء ، قرأ بعض المقدمات، قبل أن يعود إلى النجف لينهَل من معين العلم، ويتتلمذ على كبار أساتذتها، منهم: الشيخ عبد الرسول الجواهري، والشيخ محمد جواد الجزائري، والسيّد حسين الحمامي. لمع اسمه سريعًا في الحوزة العلمية حتى صار من رجالها المعدودين، جامعًا بين الأدب والمعرفة والعمل.

 والد الشيخ جعفر(الشيخ باقر حيدر)، ولد في  سوق الشيوخ ، انتقل الى النجف ثم عاد إليها وقد جمع بين الزعامتين الدينية والدنيوية، ولُقّب بـ"زعيم السيف والقلم" بعد إقناعه بقبول الرئاسة كمرجع ديني وعلمي في نواحي المنتفق، لشهرته ومعرفة الناس به واقتناعهم بقدرته على تولي الأمور. جاءها شريطة الفتوى برأيه الخاص، وأدى دوره في الإرشاد والوعظ الديني والعلمي عام 1896م، وجعل من بيته ديوانًا ومنتدى أدبيًا. 
كما كان له صفحات جهادية وبطولية في مقارعة الاحتلال البريطاني عند نزوله الفاو، فكان من أوائل من هبّ للاصطدام به، وحث العشائر على الجهاد والدفاع عن الدين والأرض، ورافق السيد محمد سعيد الحبوبي، موزعًا الأسلحة والأموال على المجاهدين، كما تثبت الوثائق المتعلقة بحركة الجهاد. ولم يمنعه كبر سنه وتردي حالته الصحية من حمل السلاح، حتى تفاقم مرضه وتوفي وهو يقاتل المحتلين.

بعد وفاة الشيخ باقر سنة 1333هـ، وخلوِّ مركزهم من المعلم الروحي، عاد الشيخ جعفر إلى سوق الشيوخ، فحل محل والده زعيمًا دينيًا مطاع الكلمة، ناشرًا التعاليم الدينية، ومقيمًا للفرائض، ومعلمًا الناس أحكام دينهم وآدابهم. كما واصل دوره الإصلاحي في حل الخلافات والصراعات القبلية والاجتماعية، استمرارًا لما قام به أسلافه من بيت آل حيدر.
رزق الشيخ جعفر أربعة أبناء، منهم الشيخ موسى الذي تولّى إمامة الجماعة في سوق الشيوخ، فحفظ للمقام هيبته وسدّ الفراغ، والشيخ محمد، الأديب الشاعر، الذي تميز بشعر رائق تُتلى أبياته في مجالس التهنئة والرثاء. وتكريمًا للدور الأدبي الكبير لأسرة آل حيدر في سوق الشيوخ، أقام أبناؤها عام 1953م مهرجانًا باسم "المهرجان الخالد" إحياءً لذكرى اثنين من زعماء الأسرة، هما الشيخ جعفر والشيخ محمد حسن حيدر، وأصدروا كراسًا يخلّد هذا المهرجان، الذي شارك فيه رجال الفكر والأدب والعلم من مختلف أنحاء العراق.
رحل الشيخ جعفر إثر مرض عضال لازمه الفراش عام 1372هـ، فشيّع جثمانه موكب مهيب حضرته مختلف طبقات أهالي سوق الشيوخ ونواحيها، ورافقته العشائر إلى الناصرية، حيث شيّعته شخصيات البلاد وأعيانها، نُقل إلى النجف الأشرف، فاستقبله أهلها وهم تغمرهم مشاعر الحزن. نعاه الشعراء، وتحول مأتمه إلى ساحة أدبية يتبارى فيها الأدباء، ثم وُوري جثمانه في الصحن الشريف، تاركًا إرثًا من العلم والمهابة والذكر الحسن .

جعفر ال حيدر.jpg