تمضي السنون وتظل سير العلماء حية لا تغيب، تضيء الذاكرة ، وتلهم الأجيال، ومن بين تلك السير نتناول سيرة الشيخ حسين مشكور، الذي لم ينكفئ على العلم والعبادة، بل حمل هم وطنه، وجمع بين الدين و العلم و الجهاد.
هو عالم من علماء النجف ينتمي إلى عشيرة آل حول ، كان جد الأسرة الشيخ مشكور بن الشيخ محمد بن جواد الحولاوي أحد شخصيات النجف العلمية.
ولد الشيخ حسين مشكور في شهر رجب سنة 1313ه في النجف الاشرف. ونشأ بها في أجواء علمية وروحية ، تلقى علومه الأولى على يد والده الحجة المتوفى سنة 1353 ، وكان جده العالم الباحث الشيخ محمد جواد الحولاوي يتعهده بالرعاية، ويختبره في تحصيله العلمي ويواكب تطوره الفكري عن كثب.
ترعرع الشيخ حسين في أحضان والده في النجف، بين العلماء والدارسين، فشب قوي الفطنة، متقد الذهن ، محبًا العلم منذ نعومة أظفاره.
درس العلوم العربية والمنطق، وشرع في الأصول وهو ابن ثلاثة عشر عامًا ، قرأ مقدماته الأولية على أساتذة كبار أمثال: الشيخ محمد علي الدمشقي وغيره ، ثم ترقى لحضور الأبحاث العالية عند كبار فقهاء عصره : والده ، والسيد عبد الهادي الشيرازي، والسيد محسن الحكيم ،والسيد حسين الحمامي، والشيخ عبد الرسول الجواهري، والشيخ ضياء الدين العراقي، والشيخ حسين النائيني ، والسيد أبي الحسن الأصفهاني.وكان في كل هذه المراحل موضع تقدير أساتذته، حتى أصبح من أساتذة الحوزة، واشتغل بالتدريس برهة من الزمن وذلك في حياة ابيه ، وبعد وفاة والده تولى إمامة صلاة الجماعة في الصحن العلوي منذ 1353 ه واستمر باقامتها لمدة 35 عام ، يؤم الناس صبحًا وظهرًا ومغربًا ،وحاز ثقة الجماهير واطمئنان الطبقات المؤمنة، وكان على جانب عظيم من لين الجانب والاستقامة، لم يعرف عنه أنه ارتفع صوته طيلة حياته، ولا قهقه في ضحكته مدة عمره ،وكان يبدو عليه الجلال والوقار و يشع حديثه ارشاد ونصائح .
يروى عنه أنه ما طلع عليه فجر وهو نائم وهي خصلة قل من يحافظ عليها .
إلى جانب حضوره العلمي، برز الشيخ حسين مشكور بموقفه الوطنية ،فكان أحد وجوه الجهاد والدفاع عن الدين والوطن . فقد شارك بدور مهم في الثورة العشرين ضد الإحتلال البريطاني وكان عضوًا بارزًا ساهم في تحريك الوعي في المجتمع وحشد ضد الاحتلال . وقد عرف أنه شخص هادئ الطباع ، لكن تراه كالاسد الهصور عندما يمس تراث محمد صلى الله عليه وآله ، لا يصبر على التهاون بالدين والتسامح في الشرع المبين ،ولقد دعا جماعة من كبار العلماء لمقاطعة الذين يتزيون بزي العلماء الروحانيين ويتلبسون بلباسهم وليس منهم، واسس مجلس خاص يعقد اسبوعيًا للتذاكر في واجبات العلماء ، ومن هذا المجلس انبثقت فكرة تفسير القرآن، فقام المجتهد الكبير الشيخ محمد جواد البلاغي بتأليف ( آلاء الرحمن في تفسير القرآن ).
واكب الشيخ مشكور مهمته العلمية ، وروى بالإجازة عن والده وأساتذته: الحكيم، والأصفهاني، والنائيني، وروى عنه الشيخ فرج القطيفي ،والأستاذ السيد محمد حسين الطالقاني، والسيد محمد علي الروضاتي.
لم يقتصر عطاؤه التدريس، بل كتب تعليقة على المكاسب كما كتب تقرير بحث الشيخ آغا ضياء وتعليقة على العروة الوثقى للمرحوم السيد محمد كاظم اليزدي، وكتب رسالة في حديث : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
أما في ميدان الأدب الديني ، نظم العديد من الأراجيز ومنها : أرجوزة في الزكاة وأرجوزة في ميلاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأرجوزة في الصديقة فاطمة الزهراء ،والإمام أمير المؤمنين والحسن والحسين وأرجوزة ولادة الحجة المنتظر ، وعلائم الظهور ، ومنظومة في النكاح ، ونسك الصائم أرجوزة في الصوم ، وأوسع أراجيزه كانت في حادثة كربلاء... ،وكان يعقد في داره مجلس خاص عندما تمر ذكرى أحد المعصومين ، وتقرأ فيه الأراجيز أمام جمهور من سائر الطبقات ممن يرتاحون الى سماعالأسلوب الرفيع من التذكير بالمناسبات.
ظل الشيخ على نهجه حتى ودع الحياة في السابع من ربيع الاول سنة 1388ه عن عمر ناهز 75 ، وكان يوم رحيله مشهودا في النجف زحفت الناس أفواجًا ، لتشييعه ودفن بمقبرة جده في الصحن الشريف ،
وقد أرخ وفاته الخطيب السيد جواد شبر بقوله:
أودى حسين فنعاه الهدى
والعلم يذري مدمعاً صيبا
وحينما ألحد في قبره
أرخت عن محرابه غيبا
. رحل الشيخ عن الدنيا، لكنه بقي حيًا في ذاكرة النجف، وفي كل محراب يردد صدى صلاته، وفي كل قلب يتلمس أثر صلاحه.
.................................................
ادب الطف أو شعراء الحسين عليه السلام ، ، جواد شبر ، ج ١٠
